فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 11127

59 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر المهملة وبالنونين، أبو بكر البصري الباهلي العوقي [1] ، روى عنه البخاري وأبو داود وأبو حاتم الرازي، قال يحيى بن معين ثقة مأمون، وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء على صيغة التصغير، وفي آخره حاء مهملة، وهو لقب له اشتهر به، واسمه عبد الملك بن سليمان بن أبي المغيرة، وكنيته أبو يحيى الخزاعي المدني، روى عن نافع وغيره، وروى عنه عبد الله بن وهب وشريح بن النعمان وآخرون.

قال يحيى بن معين هو ضعيف ما أقرب من أبي أويس، وفي رواية عنه ليس بقوي ولا يحتج به، وقال أبو حاتم ليس بالقوي، وقال النسائي أيضًا ليس بالقوي، وقال ابن عدي هو عندي لا بأس به، وقد اعتمده البخاري في (( صحيحه ) )وروى له مسلم وأبو داود والترمذي أيضًا، وقال الحاكم (واجتماع البخاري ومسلم عليه في إخراجهما عنه في الأصول يؤكد أمره ويسكن القلب فيه إلى تعديله) ، توفي سنة ثمان وستين ومئة.

(ح) هو حاء التحويل ولا يحسن الجمع بينهما وبين الواو في قوله (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية .

(إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بن عبد الله بن المنذر الحِزامي _ بكسر الحاء المهملة وبالزاي _ نسبة إلى أحد أجداده القرشي المدني أبو إسحاق، روى عنه أبو حاتم، وأبو زرعة،

ج 1 ص 409

وابن ماجه وغيرهم، وروى البخاري عنه وعن محمد بن غالب عنه أيضًا، وروى النسائي عن رجل عنه، وروى له الترمذي، وقال النسائي ليس به بأس، وقال أبو حاتم الرازي جاء إبراهيم إلى أحمد بن حنبل فاستأذن عليه فلم يأذن وجلس حتى خرج فسلم عليه فلم يرد عليه السلام، وقيل له لم ذلك؟ قال لأنه خلط في القرآن، وقال ابن منصور (سألت يحيى بن معين عن الحِزامي فقال ثقة) مات سنة ست، وقيل خمس وثلاثين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) ؛ المذكور، ومحمد هذا روى عن هشام بن عروة وغيره، وروى عنه هارون بن موسى وغيره، ليَّنه ابن معين، وقال أبو حاتم ليس بذلك القوي، مات سنة سبع وتسعين ومئة، روى له البخاري والنسائي وابن ماجه.

(قَالَ حَدَّثَنِي) ؛ وفي رواية (أَبِي) فليح المذكور (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ) ويقال له هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أسامة، وهلال بن أبي هلال نسبة إلى جده، وقد يظن أربعة والكل واحد، وهو الفهري القرشي المدني، مولى ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها وهو من صغار التابعين وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم، قال مالك هلال بن أسامة، تابعه على ذلك أسامة بن زيد الليثي، وكان واعظًا قاصًا ويرى القدر، قال أبو حاتم يكتب حديثه وهو شيخ، قال الواقدي مات في آخر خلافة هشام، روى له الجماعة.

(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة بنت الحارث، وقد تقدم ذكره [خ¦29] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه.

ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، والفرق بينهما أن الشيخ إذا حدث له وهو السامع وحده يقول حدثني، وإذا حدث ومعه غيره يقول حدثنا، وفيه العنعنة أيضًا، ومنها أن هذا إسنادان أحدهما عن محمد بن سنان عن فليح عن هلال .... إلى آخره، والآخر عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح عن فليح ... إلى آخره، وهذا أَنزل من الأول بواحد، ومنها أن رجاله كلهم مدنيون، ومنها أن في غالب النسخ وقع قبل قوله وحدثني إبراهيم بن المنذر صورة «ح» وهي حاء مهملة مفردة، قيل إنها مأخوذة

ج 1 ص 410

من التحول؛ لتحوله من إسناد إلى آخر، ويقول القارئ إذا انتهى إليها حاء، ويستمر في قراءة ما بعدها، وقيل إنها من حَال بين الشيئين إذا حجز؛ لكونها حالت بين الإسنادين وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وقيل إنها رمز إلى قوله «الحديث» ، وأهل المغرب إذا وصلوا إليها يقولون الحديث، وقد كتب جماعة من حفاظ عِراق العجم موضعها صح فيشعر بأنها رمز صح، وحسن هنا كتابة صح؛ لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول وهي كثيرة في (( صحيح مسلم ) )قليلة في (( صحيح البخاري ) )، وقد أخرج متنه المؤلف في «الرقاق» أيضًا عن محمد بن سنان. .. إلى آخره مختصرًا [خ¦6496] ، ولم يخرجه من أصحاب الستة غيره.

(قَالَ) ؛ أي أنه قال، (بَيْنَمَا) ؛ أصله بين فزيدت عليه ما، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة مضاف إلى ما بعده من الجملة أعني قوله (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ) ؛ أي الرجال دون النساء قال الله تعالى {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ} ثم قال {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} [الحجرات 11] ، وقال الشاعر

~أقومٌ آلُ حصْنٍ أمْ نسَاءُ

وقد يدخل فيه النساء تبعًا؛ لأن قوم كلِّ نبيٍّ رجالٌ ونساءٌ وجمعه أقوام، وجمع الجمع أقاوم، والعامل في الظرف قوله (جَاءَهُ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (أَعْرَابِيٌّ) هو الذي يسكن البادية وهو نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة، ولا واحد له من لفظه.

والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس سواء أقام بالبادية أو بالمدن والنسبة إليه عربي، وليس الأعراب جمع العرب، ومعنى الحديث جاء أعرابي وقت تحديث النبي صلى الله عليه وسلم حال كونه في مجلس، فقوله «النبي» مبتدأ و «يحدِّث» خبره، وقوله (( في مجلس ) )حال من فاعل «يحدث» ، ولم يعرف اسم ذلك الأعرابي السائل عن الساعة، وفيه استعمال «بينما» بدون «إذ» و «إذا» وهو الأفصح على ما قاله الأصمعي من أنّ الأفصح في جوابه أن لا يكون «بإذ وإذا» .

(فَقَالَ) ذلك الأعرابي (مَتَى السَّاعَةُ؟) أي في أي وقت تقوم القيامة (فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي استمر حال كونه (يُحَدِّثُ) أي القوم، وفي رواية ؛ أي يحدث القوم الحديث الذي كان فيه ولم يقطع حديثه، وليس الضمير عائدًا على الأعرابي كما يتوهم، وفي بعض الروايات بحرف الجر.

(فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ) ؛ صلى الله عليه وسلم (مَا قَالَ) ذلك الأعرابي من السؤال

ج 1 ص 411

عن وقت الساعة (فَكَرِهَ مَا قَالَ) أي الذي قاله؛ لأنه عليه السلام كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها (وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ) حرف إضراب وليه جملة وهي قوله (لَمْ يَسْمَعْ) ما قاله فيكون بمعنى الإبطال لا العطف حتى يقال إن العطف بين كلامي متكلمين ممتنع، على أنه يجوز أن يكون على طريقة عطف التلقين كأنه قال البعض الآخر للبعض الأول قل بل لم يسمع، وإنما حصل لهم التردد في ذلك؛ لما ظهر من عدم التفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى سؤاله وعدم إصغائه إليه.

(حَتَّى) ؛ تتعلق بقوله «فمضى» لا بقوله «لم يسمع» ، والجمع بينهما اعتراض بالفاء كما في قول الشاعر

~واعلمْ فعلمُ المرءِ ينفعُهُ أنْ سوفَ يَأتي كلُّ مَا قُدِّرا

(إِذَا قَضَى) ؛ أي أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم (حَدِيثَهُ) مع القوم (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَيْنَ) سؤال عن المكان بُنِيَتْ؛ لتضمنها معنى حرف الاستفهام (أُرَاهُ) بضم الهمزة؛ أي أظن جملة معترضة بين الخبر الذي هو «أين» ، وبين المبتدأ الذي هو قوله (السَّائِلُ) ؛ أي أظن أنه صلى الله عليه وسلم قال (( أين السائل ) ).

(عَنِ السَّاعَةِ) ؛ أي عن زمانها، والشك من محمد بن فُليح، ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة، عن يونس، عن محمد بن فُليح من غير شك، ولفظه قال (( أين السائل ) ).

وإنما لم يجبه صلى الله عليه وسلم أولًا؛ لأنه يحتمل أن يكون ينتظر الوحي. ويحتمل أن يكون مشغولًا بجواب سائل آخر أهم من جواب هذا السائل، أو أقدم منه، أو أراد أن يتم حديثه؛ لئلا يختلط على السامعين.

(قَالَ) ؛ أي الأعرابي (هَا) حرف تنبيه، وفي (( العباب ) )هاء بالمد يكون تلبيبًا؛ يعني جوابًا عن النداء (أَنَا) مبتدأ خبره محذوف؛ أي أنا السائل (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم وإنما ترك العاطف عند «قال» في الموضعين على تقدير الاستئناف البياني.

(إِذَا ضُيِّعَتِ) بصيغة المجهول من التفعيل (الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ) أي الأعرابي، وفي نسخة بالفاء؛ لأن السؤال عن كيفية الإضاعة متفرع على ما قبله (كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مجيبًا له (إِذَا وُسِّدَ) بالتشديد، من وسده الشيء فتوسده إذا جعله تحت رأسه، والمعنى إذا فُوِّض و كما في رواية (الأَمْرُ) المتعلق بالدين كالخلافة، والقضاء، والإفتاء وأمثالها من الإمامة والخطابة كما في عصرنا هذا (إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ) أي أهل ذلك الأمر، وكان ينبغي أن يقال لغير أهله إلا أنه أتى بكلمة «إلى» لتضمين معنى الإسناد كما تقدم الإشارة إليه.

(فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) الفاء للتفريع أو جواب شرط محذوف؛ أي إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة، وليست هي جواب «إذا» المذكورة؛ لأنها لا تتضمن هاهنا معنى الشرط. فإن قلت السؤال إنما هو عن كيفية الإضاعة، والجواب بالزمان لا ببيان الكيفية، فالجواب أن ذلك متضمن لبيان الكيفية على ما لا يخفى.

قال

ج 1 ص 412

ابن بطال (فيه أن الأئمة ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصح فينبغي لهم تولية أهل العلم والدين والأمنة للنظر في أمور الأمة، فإذا قلدوا الأمر غير أهله فقد ضيعوا الأمانة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم(( لا تقوم الساعة حتى يؤتمن الخائن ) )، وهذا إنما يكون عند غلبة الجهال، وضعف أهل العلم، والحق عن القيام به ونصرته، نعوذ بالله مما نحن فيه من ذلك).

هذا وفيه فوائد أخر منها تعليم السَّائل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( أين السائل ) )ثم إخباره عن الذي سأله. ومنها أن من آداب المتعلم أن لا يسأل ما دام العالم مشتغلًا بحديث أو غيره؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتى يتمه. ومنها أن من آداب المعلم الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يوبخه على سؤاله قبل إكمال حديثه، ومنها مراجعة العالم إذا لم يفهم ما يجيب به حتى يتضح لقول السائل «كيف إضاعتها» . ومنها التنبيه على تقديم جواب الأسبق في السؤال، فيؤخذ منه أنه يجب على القاضي والمفتي والمدرس تقديم الأسبق.

تنبيه ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، ومقتضاه أن العلم ما دام قائمًا ففي الأمر فسحة، وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر؛ تلميحًا لما روي عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ) ). ويقال أيضًا إن في هذا المتن إشارة إلى أن العلم سؤال وجواب، وقد قيل حُسْنُ السؤال نصف العلم.

[1] في هامش الأصل الباهلي نسبة إلى باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة، والعَوقي بفتح العين المهملة والواو وبالقاف نسبة إلى العوقة وهم حي من عبد القيس، ولم يكن محمد بن سنان منهم، وإنما نزل فيهم، كان لهم محلة بالبصرة فنزل عنده فنسب إليه. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت