683 - (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) البلخيُّ (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم
ج 4 ص 193
وسكون الياء، على صيغة التصغير، هو عبدُ الله بن نمير، وقد تقدَّما في باب «إذا لم يجد ماء ولا ترابًا» [خ¦336] .
(قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ) الذي توفِّي فيه (فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ) في أيَّام مرضه صلى الله عليه وسلم.
(قَالَ عُرْوَةُ) بن الزبير؛ أي بالإسناد المذكور عن عائشة رضي الله عنها، فقد أخرجه ابنُ أبي شيبة عن ابنِ نُمير بهذا الإسناد متَّصلًا بما قبله، وإنَّما قطعه عروة عن القدر الأوَّل لاحتمال أن يكون أخذَه عن عائشة وعن غيرها فقطعَه عن القدر الأوَّل الذي أخذَه عن عائشة وحدها، وأمَّا كونه موقوفًا على عروة، ومن مراسيل التَّابعين، ومن تعليقات البخاري فهو مرجوحٌ، والله أعلم.
(فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِهِ) ويروى (خِفَّةً فَخَرَجَ) من الحجرة الطَّيِّبة (فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (اسْتَأْخَرَ) أي تأخَّر (فَأَشَارَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَيْهِ أَنْ) تفسيريَّة (كَمَا أَنْتَ) أي كنْ على ما أنت عليه قبل أن أخرج من الإمامة، فتكون «الكاف» بمعنى «على» ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( أنت كما أثنيتَ على نفسك ) )، أو الكاف للتَّشبيه على ما هو الأصل فيه؛ أي ليكن حالك في المستقبل مشابهًا لحالك في الماضي، أو الكاف زائدة؛ أي الزم الَّذي أنت عليه أو فيه وهو الإمامة.
(فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه؛ أي محاذيًا له (إِلَى جَنْبِهِ) أي من جهة الجنبِ لا من جهةِ الخلف، ولا من جهة القدَّام، واستُشكل بأنَّ المذكور في التَّرجمة هو القيامُ إلى جنب الإمام، والمذكور في الحديثِ هو الجلوس إلى جنبهِ، فكيف المطابقة بينهما.
وأُجيب بأنَّه صلى الله عليه وسلم كان قائمًا في الابتداء جالسًا في الانتهاء، أو بأنَّه قاس القيام على الجلوسِ في ذلك الحكم، والأظهرُ أنَّ المراد قيام أبي بكر رضي الله عنه لا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى قام أبو بكر رضي الله عنه بجنبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم محاذيًا له لا متخلِّفًا عنه لغرض مشاهدةِ أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلامها للنَّاس، كما يدلُّ عليه قوله
(فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (يُصَلِّي) أي قائمًا (بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهو قاعدٌ، (وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ) أي قيامًا (بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه، وهو مبلِّغ لهم، وسقط في رواية
ج 4 ص 194
لفظ .
وفي الحديث جواز الإشارة المُفهِمة عند الحاجة، وصحَّةُ اقتداء القائم بالقاعد، وإشعارٌ بصحَّة صلاة المأموم وإن لم يتقدَّم الإمام، كما هو مذهب المالكيَّة، لكن يجوز أن تكون المحاذاة مع تقدُّم العقب على العقبِ، أو يكون جواز مُحَاذاة العقبين عند الضَّرورة أو الحاجة، فلا دَلالة فيه على ذلك مطلقًا.
وفيه أيضًا أنَّ الإمام إذا كان بحيث لا يراه من يأتمُّ به جاز أن يركعَ بركوع المكبِّر المُسْمِع لتكبيرِ الإمام. وفيه أيضًا أنَّ العملَ القليل لا يفسدُ الصَّلاة؛ لأنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان قد استأخرَ، فتأمَّل.