فهرس الكتاب

الصفحة 10919 من 11127

7392 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا) وفي رواية أبي ذرٍّ . وفائدة قوله (( مائة إلا واحدًا ) )التأكيد والفذلكة لئلا يُزاد على ما ورد، كقوله {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة 196] ودَفْعُ التَّصحيف فإنَّ تسعة تتصحَّف بسبعة، وتسعين بسبعين بالموحدة فيهما.

والحكمة في الاستثناء الإشارة إلى أنَّ الوتر أفضلُ من الشَّفع، «إنَّ الله وترٌ يحبُّ الوتر» [خ¦6410] . وقال الكرماني الغرض من الباب إثبات الأسماء لله تعالى، واختلفوا فيها فقيل الاسم عين المسمَّى، وقيل غيره، وقيل لا هو ولا غيره وهو الأصحُّ.

وذكر نُعيم بن حمَّاد أنَّ الجهميَّة قالوا إنَّ أسماء الله مخلوقة؛ لأنَّ الاسم غير المسمَّى، وادَّعوا أنَّ الله كان ولا وجود لهذه الأسماء ثمَّ خلقها فتسمَّى بها، قال قلنا لهم إنَّ الله قال {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى 1] وقال {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} [يونس 3] فأخبر أنَّه المعبود، ودلَّ كلامه على اسمه بما دلَّ به على نفسه، فمن زعم أنَّ اسم الله مخلوقٌ فقد زعم أنَّ الله أمر نبيَّه أن يسبِّح مخلوقًا.

فإن قيل إذا قلنا إنَّ الاسم عين المسمَّى لزم من قوله (( إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا ) )الحكم

ج 30 ص 195

بتعدُّد الإله. فالجواب من وجهين

أحدهما أنَّ المراد من الاسم هاهنا اللَّفظ، ولا خلاف في ورود الاسم بهذا المعنى، وإنَّما النِّزاع في أنَّه هل يُطلق ويراد به المسمَّى عينه، ولا يلزم من تعدُّد الأسماء تعدُّد المسمَّى.

والثَّاني أنَّ كلَّ واحدٍ من الألفاظ المطلقة على الله تعالى تدلُّ على ذاته باعتبار صفةٍ حقيقيَّةٍ أو غير حقيقيَّةٍ، وذلك يستدعي التَّعدد في الاعتبارات والصِّفات دون الذَّات، ولا استحالة في ذلك، وفيه كما قال الخطابي دليلٌ على أنَّ أشهر أسمائه تعالى «الله» لإضافة هذه الأسماء إليه. وقد رُوِي أنَّه الاسم الأعظم.

وقال ابنُ مالك ولكون «الله» اسم علم وليس بصفة، قيل في كلٍّ من أسمائه تعالى سواه اسمٌ من أسماء الله، وهو من قول الطَّبري على ما رواه النَّووي إلى «الله» يُنسَبُ كل اسمٍ له، فيقال الكريمُ من أسماء الله تعالى، ولا يقال من أسماء الكريم «الله» .

(مَنْ أَحْصَاهَا) أي حفظها كما فسَّر به البخاري كما سيأتي، والأكثرون، ويؤيِّده ما سبق في «الدَّعوات» (( لا يحفظها أحدٌ إلا ) ) [خ¦6410] (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أو المعنى ضبطها حصرًا أو تعدادًا أو علمًا وإيمانًا، وذَكَرَ الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا لوقوعه، أو بمعنى الإطاقة؛ أي أطاق القيام بحقِّها والعمل بمقتضاها، وذلك بأن يعتبر معانيها فيُطالب نفسه بما يتضمَّنه من صفات الرُّبوبية وأحكام العبوديَّة فيتخلَّق بها.

وقال الطِّيبي لمَّا أكَّد الإعداد المذكورة بقوله (( مائة إلَّا واحدًا ) )دفعًا للتَّجوُّز واحتمال الزِّيادة والنُّقصان، وقد أرشد الله تعالى بقوله {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف 180] {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف 180] إلى عظم الخطب في الإحصاء أشار إلى أن لا يتجاوز المسموع والأعداد المذكورة وأن لا يُلحد فيها إلى الباطل. انتهى.

ثمَّ إنَّ مفهوم الاسم قد يكون نفس الذَّات والحقيقة، وقد يكون مأخوذًا باعتبار الأجزاء، وقد يكون مأخوذًا باعتبار الصِّفات والأفعال والسُّلوب والإضافات، ولا خفاءَ في تكثر أسماء الله تعالى بهذه الاعتبارات، وامتناع ما يكون باعتبار الأجزاء لتنزُّهه تعالى عن التَّركيب.

فإن قيل اعتبار السُّلوب والإضافات يقتضي تكثُّر أسماء الله تعالى جدًّا فما وجه التَّخصيص بالتِّسعة والتِّسعين على ما نطقَ به الحديث على أنَّه قد دلَّ الدُّعاء المشهور عنه صلى الله عليه وسلم على أنَّ لله تعالى أسماء لم يُعْلِمها أحدًا من خلقه، واستأثر بها في علم الغيب عنده، وورد في الكتاب والسُّنَّة أسماء خارجة عن التِّسعة والتِّسعين كالكافي والدَّائم والصَّادق وذي المعارج وذي الفضل والغالب إلى غير ذلك. فالجوابُ بوجوه

منها أنَّ التَّنصيص على العدد لا ينفي الزِّيادة بل لغرضٍ آخر كزيادة الفضيلة مثلًا.

ج 30 ص 196

ومنها أنَّ قوله (( من أحصاها دخل الجنَّة ) )في موضع الوصف كقولك للأمير عشرة غلمان يكفونه مهماته بمعنى أنَّ لهم زيادة قربٍ واشتغال بالمهمَّات.

فإن قيل إن كان اسمه الأعظم خارجًا عن هذه الجملة، فكيف يختصُّ ما سواه بهذا الشَّرف، وإن كان داخلًا فكيف يصحُّ أنَّه ممَّا يختصُّ بمعرفته نبيٌّ أو وليٌّ، وأنَّه سبب كراماتٍ عظيمةٍ لمن عرفه حتَّى قيل إنَّ آصف بن برخيا إنَّما جاء بعرش بلقيس؛ لأنَّه قد أُوتي الاسم الأعظم. فالجواب أنَّه يحتمل أن يكون خارجًا وتكون زيادة شرف تسعة وتسعين وجلالتها بالإضافة إلى ما عداه أن يكون داخلًا فيها لا يعرفه بعينه إلَّا نبيٌّ أو وليٌّ.

ومنها أنَّ الأسماء منحصرةٌ في تسعة وتسعين، والرِّواية المشتملة على تفصيلها غير مذكورةٍ في «الصَّحيح» ، ولا خالية عن الاضطراب والتَّغيير، وقد ذكر كثيرٌ من المحدِّثين أنَّ في إسنادها ضعفًا، كذا ذكر في «شرح المقاصد» .

قال البخاريُّ (أَحْصَيْنَاهُ) أي (حَفِظْنَاهُ) أشار به إلى أنَّ معنى أحصاها حَفِظها، لكن قال الأَصيلي الإحصاء للأسماء العمل بها لا عدَّها ولا حفظَها؛ لأنَّ ذلك قد يقعُ للكافر والمنافق، كما في حديث الخوارج (( يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ) ) [خ¦3344] .

وقال الكرماني أي حَفِظَها وعرفها؛ لأنَّ العارفَ بها لا يكون إلَّا مؤمنًا، والمؤمنُ يدخل الجنَّة لا محالةَ. وقال الخليلُ الإحصاء في اللُّغة الإحاطة بعلم عدد الشَّيء وقدره، ومنه {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن 28] . ثم قوله ثبت في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث المعنى ظاهرة، وقد مضى الحديث في «الشُّروط» [خ¦2736] بعين هذا الإسناد والمتن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت