689 - (حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيُّ (قَالَ أَخبْرنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ ابنِ شِهابٍ) الزُّهري (عَنْ أَنَسِ بنُ مَالِكَ) وفي رواية سعيد (( عن الزُّهري أخبرني أنس رضي الله عنه ) ).
(أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًَا فَصُرِعَ) على البناء للمفعول؛ أي سقط (عَنْهُ) أي عن الفرس (فَجُحِشَ) بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة؛ أي خُدِش (شَقَّهُ الأَيْمَنُ) بأن قُشِرَ جلده (فَصَلَّى صَلاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ) أي المكتوبة، ففي رواية سفيان عن الزُّهري (( فحضرت الصَّلاة ) )، وكذا في رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي.
وقال القرطبيُّ (( اللام ) )للعهد ظاهرًا، والمراد الفرض؛ لأنَّ المعهود من عادتهم اجتماعهم للفرض بخلاف النَّافلة. وحكى القاضي عيَّاض عن ابن القاسم أنَّها كانت نفلًا.
وتعقِّب بأنَّ في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزم بأنَّها فرض.
قال الحافظ العسقلانيُّ لكن لم أقف على تعيينها، إلَّا أنَّ في حديث أنس (( فصلَّى بنا يومئذٍ ) )فكأنَّها نهاريَّة الظُّهر أو العصر.
وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه لا ظاهر هنا يدلُّ على ما ادَّعاه، لِمَ لا يجوز أن يكون الذي صلَّى بهم يومئذٍ نفلًا هذا وأنت خبير بأنَّه خروج عن الإنصاف.
ج 4 ص 212
(وهُو) صلى الله عليه وسلم (قَاعدٌ، فَصلَّينَا وَرَاءَهُ قُعُودًا) أي حال كوننا قاعدين. فإن قيل ظاهره يخالف حديث عائشة رضي الله عنها؛ لأنَّ فيه (( فصلَّى جالسًا وصلَّى وراءه قوم قيامًا ) ).
فالجواب عنه بوجوه
الأوَّل أنَّ في رواية أنس رضي الله عنه اختصارًا، وكأنَّه اقتصرَ على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس، والمعنى فصلَّينا وراءه قعودًا بعد أن كنَّا قيامًا، فأومأ إلينا بالقعود، وقد تقدَّم في باب «الصَّلاة في السُّطوح» من رواية حميد عن أنس بلفظ (( فصلَّى جالسًا وهم قيام، فلمَّا سلَّم قال إنَّما جعل الإمام ليؤتمَّ به ) ) [خ¦378] .
وفيها أيضًا اختصار؛ لأنَّه لم يذكر فيه قوله (( اجلسوا ) )، فالجمع بينهما أنَّهم ابتدءوا الصَّلاة قيامًا، فأومأ إليهم بأن يقعدوا فقعدوا، فنقل كلٌّ من الزُّهري وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة رضي الله عنها، وكذا جمعهما جابر رضي الله عنه عند مسلم.
الثَّاني ما قاله القرطبي، وهو أنَّه يحتمل أن يكون بعضهم قعد من أوَّل الحال، وهو الَّذي حكاه أنس رضي الله عنه، وبعضهم قام حتَّى أشار إليه بالجلوس، وهو الذي حكتْه عائشة رضي الله عنها.
وتعقِّب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنهِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه يستلزم النَّسخ بالاجتهاد؛ لأنَّ فرض القادر في الأصل القيام، فليتأمَّل.
الثَّالث ما قاله قومٌ وهو احتمال تعدُّد الواقعة. واستبعدَه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّ حديث أنس رضي الله عنه إن كانت القصَّة فيه سابقة لزم منه النَّسخ بالاجتهاد، وإن كانت مُتأخِّرة لم يحتج إلى إعادة قول (( إنَّما جعل الإمام ليؤتمَّ به ) )إلى آخره؛ لأنهم قد امتثلوا أمره السَّابق (( وصلُّوا قعودًا ) )لكونه قاعدًا.
فائدة وقع في رواية جابر عند أبي داود أنَّهم دخلوا يعودونه مرَّتين، فصلَّى بهم فيهما، وبيَّن أنَّ الأولى كانت نافلة، وأقرَّهم على القيام وهو جالس، والثَّانية كانت فريضة، وابتدءوا قيامًا، فأشار إليهم بالجلوس. وفي رواية بشر عن حميد عن أنسٍ عند الإسماعيلي نحوه.
(فَلمَّا انْصَرفَ) صلى الله عليه وسلم من الصَّلاة (قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِماَمُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإِذا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) وقد سقط هذا في رواية، (وَإذَا رَكَعَ) ، وعلى رواية السُّقوط وقع بالفاء.
(فَارْكَعُوا، وإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ) استدلَّ به على صحَّة إمامة الجالس، كما تقدَّم [خ¦687] . وادَّعى بعضهم أنَّ المراد بالأمر أن يقتديَ به في جلوسه في التشهُّد، وبين السَّجدتين؛ لأنَّه ذكر ذلك عقب ذكر الرُّكوع، والرَّفع منه والسُّجود.
قال فيحملُ على أنَّه لمَّا جلس للتشهُّد قاموا تعظيمًا له، فأمرهم بالجلوس تواضعًا، وقد نبَّه على ذلك بقوله في حديث جابر رضي الله عنه
ج 4 ص 213
(( إن كدتُم آنفًا تفعلون فعلَ فارس والرُّوم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا ) ).
وتعقَّبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد، وبأنَّ سياق طرق الحديث يأباه، وبأنَّه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الرُّكن لقال وإذا جلس فاجلسوا؛ ليناسب قوله وإذا سجد فاسجدوا، فلمَّا عدل عن ذلك إلى قوله (( وإذا صلَّى جالسًا ) )كان كقوله وإذا صلَّى قائمًا، فالمراد بذلك جميع الصَّلاة، ويؤيِّد ذلك قول أنس رضي الله عنه (( فصلَّينا وراءه قعودًا ) ).
وممَّا يستفاد من الحديث مشروعيَّة ركوب الخيل، والتدرُّب على أخلاقها، واستحباب التأسِّي لمن يحصل له منها سقوط أو عثرة أو غير ذلك بما اتَّفق للنَّبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة، ومن ذلك أنَّه يجوز عليه صلى الله عليه وسلم ما يجوز على البشرِ من الأسقام ونحوها من غير نقصٍ في مقداره بذلك، بل ليزداد قدرُه رفعةً، ومنصبه جلالةً.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ (قَالَ الْحُمَيْدِيُّ) هو شيخُ البخاري، وتلميذُ الشَّافعي، واسمه عبد الله بن الزُّبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزُّبير بن عبيد الله بن حميد القرشي الأَسَدي المكي، ويكنى أبا بكرٍ، وهو من أفراد البخاري، مات سنة تسع عشرة ومائتين.
(قَوْلُهُ إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا. هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في مرض موته حال كونه (جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَام) ويروى بالنصب على أنَّه حال، و «النَّاس» عطف على «النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم» .
(لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي الذي يجب به العملُ هو ما استقرَّ عليه آخر الأمر من النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولمَّا كان آخر الأمر منه صلى الله عليه وسلم صلاته قاعدًا، والنَّاس وراءه قيام دلَّ على أنَّ ما كان قبله مرفوع الحكم. وفي رواية سقط قوله .
وفي أخرى وقع هكذا أي وهو قاعد.
ويفهم منه أنَّ ميل البخاري إلى ما قاله الحميدي، وهو الذي ذهب إليه الإمام أبو حنيفة والشَّافعي والثَّوري وأبو ثور، وجمهور السَّلف أنَّ القادر على القيام لا يصلِّي وراء القاعد إلا قائمًا. وقال المرغينانيُّ الفرض والنَّفل في ذلك سواء. وأنكر الإمام أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين
إحداهما إذا ابتدأ الإمام الرَّاتب الصَّلاة قاعدًا لمرض يرجى برؤه فحينئذٍ يصلُّون خلفه قعودًا.
والأخرى إذا ابتدأ
ج 4 ص 214
الإمام الراتب قائمًا لزم المأمومين أن يصلُّوا خلفه قيامًا سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أو لا، كما في الأحاديث التي وردتْ في مرض النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإنَّ تقريره لهم على القيام دلَّ على أنَّه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأنَّ أبا بكر رضي الله عنه ابتدأ الصَّلاة بهم قائمًا، وصلُّوا معه قيامًا، بخلاف الحالة الأولى، فإنَّه صلى الله عليه وسلم ابتدأ الصَّلاة جالسًا، فلمَّا صلُّوا خلفه قيامًا أنكر عليهم.
ويقوِّي هذا الجمع أنَّ الأصل عدم النَّسخ، لاسيَّما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النَّسخ مرَّتين؛ لأنَّ الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلِّي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حقِّ من صلَّى إمامه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النَّسخ مرَّتين، وهو بعيد. وأبعدُ منه ما تقدَّم عن نقل عياض [خ¦688] ؛ فإنَّه يقتضي وقوع النَّسخ ثلاث مرات.
وقد قال بقول أحمد جماعةٌ من محدِّثي الشَّافعية كابن خزيمة وابن المنذر وابن حبَّان. وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى
منها قول ابن خزيمة أنَّ الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلِّي قاعدًا تبعًا لإمامه لم يُختَلف في صحَّتها ولا في سياقها، وأمَّا صلاته صلى الله عليه وسلم قاعدًا فاختلف فيها، هل كان إمامًا أو مأمومًا؟ قال وما لم يُختَلف فيه لا ينبغي تركه لمختلف فيه.
وأُجيب بدفع الاختلاف، والحمل على أنَّه كان إمامًا مرَّة، ومأمومًا أخرى.
ومنها أنَّ بعضهم جمع بين القصَّتين بأنَّ الأمر بالجلوس كان للنَّدب، وتقريره أنَّ قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا من أمَّ قاعدًا لعذرٍ يخيِّر من صلَّى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أولى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك.
وأجاب ابن خُزيمة عن استبعاد من استبعدَ ذلك بأنَّ الأمر قد صدر من النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك، واستمرَّ عمل الصَّحابة في حياته وبعده. فروى عبد الرَّزَّاق بإسناد صحيحٍ عن قيس بن قَهْد _ بفتح القاف وسكون الهاء _ الأنصاري أنَّ إمامًا لهم اشتكى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكان يؤمُّنا وهو جالسٌ، ونحن جلوسٌ.
وروى ابنُ المنذر بإسنادٍ صحيحٍ عن أُسَيد بن حُضير كان يؤمُّ قومه فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلِّي بهم فقال إنِّي لا أستطيع أن أصلِّي قائمًا فاقعدوا، فصلَّى بهم قاعدًا وهم قعود.
وروى أبو داود من وجهٍ آخر عن أُسَيد بن حضير أنَّه قال يا رسول الله، إنَّ إمامنا مريضٌ؟ قال (( إذا صلى قاعدًا فصلُّوا قعودًا ) )، وفي إسنادهِ انقطاع.
ج 4 ص 215
وروى ابنُ أبي شيبة بإسناد صحيحٍ عن جابر أنَّه اشتكى فحضرتِ الصَّلاة، فصلَّى بهم جالسًا وصلُّوا معه جلوسًا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه أفتى بذلك. وإسناده صحيحٌ أيضًا.
وقد ادَّعى ابن حبَّان الإجماع على عدم النَّسخ، والعمل بذلك حيث قال بعد أن روى حديث عائشة المذكور في هذا الخبر بيان واضحٌ على أنَّ الإمام إذا صلَّى قاعدًا كان على المأمومين أن يصلُّوا قعودًا.
وأفتى به من الصَّحابة جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأُسيد بن حُضير وقيس بن قهد، ولم يُروَ عن غيرهم من الصَّحابة رضي الله عنهم خلاف هذا، لا من طريق صحيحٍ ولا ضعيفٍ، فكان إجماعًا، والإجماعُ عندنا إجماع الصَّحابة [1] ، وقد أُفتِيَ به من التَّابعين أيضًا.
وأول من أبطل ذلك من الأئمَّة المغيرة بن مِقْسَم، وأخذ عنه حمَّاد بن أبي سليمان، ثمَّ أخذه عنه أبو حنيفة رحمه الله، ثمَّ عنه أصحابه، وأعلى حديث احتجُّوا به حديث رواه جابر الجعفي عن الشَّعبي، وهو قوله (( لا يؤمَّنَّ أحدٌ من بعدي جلوسًا ) ). وهذا لو صحَّ إسناده لكان مرسلًا، والمرسل عندنا وما لم يُروَ سيَّان؛ لأنَّا لو قبلنا إرسال تابعي وإن كان ثقة؛ للزمنا قبول مثله عن اتباع التَّابعين، وعمَّن دونهم، ويؤدِّي ذلك إلى أن يقبل من كلِّ أحدٍ إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا نقض للشَّريعة.
قال والعجب أنَّ أبا حنيفة رحمه الله يجرح جابر الجعفي ويكذِّبه، ثمَّ لمَّا اضطرَّه الأمر جعل يحتجُّ بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن عبد الله بن يزيد القطَّان بالرَّقَّة حَدَّثنا أحمد بن أبي الحوراء سمعت أبا يحيى الحِمَّاني سمعتُ أبا حنيفة يقول ما رأيتُ فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيتُ فيمن لقيت أكذبَ من جابر الجُعفي، ما أتيته بشيءٍ من رأي إلَّا جاءني فيه بحديث. هذا ما قاله، وفيه نظرٌ من وجوه
أمَّا أولًا فإنَّ إنكاره النَّسخ ليس له وجه عند التَّحقيق على ما مرَّ من المؤلِّف رحمه الله في آخر حديث عائشة رضي الله عنها. وأمَّا قوله أفتى به من الصَّحابة جابر وغيره فقد قال الشَّافعي رحمه الله أنَّه لم يبلغْهم النَّسخ، وعِلْمُ الخاصة يوجد عند بعض، ويغرب عند بعض، وكذا من أفتى به من التَّابعين لم يبلغْه خبر النَّسخ، وأفتى بظاهرِ الخبر المنسوخ.
وأمَّا قوله والإجماعُ إجماع الصَّحابة؛ فغير مسلَّم؛ لأنَّ الأدلَّة غير فارقة بين أهل عصر وأهل عصر، بل تتناول كل أهل عصر كتناولها لأهل عصر الصَّحابة رضي الله عنهم، إذ لو كان خطابًا للمُوجودين وقت النُّزول فقط يلزم أن لا ينعقدَ إجماع الصَّحابة بعد موت من كان موجودًا
ج 4 ص 216
وقت النزول؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون إجماعهم إجماع المخاطبين وقت النُّزول، ويلزم أن لا يعتدَّ بخلاف من أسلم أو ولد من الصَّحابة بعد النُّزول؛ لكونهم خارجين عن الخطاب.
وقد اتَّفقتم معنا على إجماع هؤلاء، فلا يختصُّ بالمخاطبين، والخطاب لا يختصُّ بالموجودين كالخطاب بسائر التَّكاليف. وهذا الذي قاله ابن حبَّان هو مذهب داود وأتباعه.
وأمَّا قوله والمرسل عندنا، وما لم يروَ سيَّان. .. إلى آخره؛ فغير مسلَّم أيضًا؛ لأنَّ إرسال العدل من الأئمَّة تعديل له، إذ لو كان غير عدل؛ لوجب عليه التنبيه على جرحه والإخبار عن حاله، فالسُّكوت بعد الرِّواية عنه يكون تلبيسًا، أو تحميلًا للنَّاس على العمل بما ليس بحجَّة، والعدل لا يتَّهم بمثل ذلك، فيكون إرساله توثيقًا له؛ لأنَّه يحتمل أنَّه كان مشهورًا عنده، فروى عنه بناء على ظاهر حاله، وفوَّض تعريف حاله إلى السَّامع حيث ذكر اسمه.
وقد استدلَّ بعض أصحابنا لقبول المرسل باتِّفاق الصَّحابة، فإنَّهم اتَّفقوا على قبول روايات ابن عبَّاس رضي الله عنهما مع أنَّه لم يسمع من النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا أربع أحاديث؛ لصغر سنِّه، كما ذكره الغزالي، أو بضع عشر حديثًا؛ كما ذكره شمس الأئمَّة السَّرخسي.
وقال ابنُ سيرين ما كنَّا نُسنِدُ الحديث إلى أن وقعت الفتنة. وقال بعضهم ردُّ المراسيل بدعةٌ حادثةٌ بعد المائتين، والشعبي والنَّخعي من أهل الكوفة، وأبو العالية والحسن من أهل البصرة، ومكحول من أهل الشَّام كانوا يرسلون، ولا يُظَنُّ إلَّا الصِّدق، فدلَّ على كون المرسل حجَّة.
نعم. وقع الاختلاف في مراسيل من دون القرن الثَّاني والثَّالث، فعند أبي الحسن الكرخي يقبلُ إرسال كل عدلٍ في كلِّ عصر؛ لأنَّ العلَّة الموجبة لقبول المراسيل في القرون الثَّلاثة، وهي العدالة والضَّبط تشمل سائر القرون، فبهذا التَّقرير انتقض قوله وفي هذا نقض للشَّريعة.
وأمَّا قوله والعجبُ من أبي حنيفة رحمه الله. .. إلى آخره؛ فكلام فيه إساءة أدب، ومجرَّد تشنيع بدون دليل جليٍّ، فإنَّ أبا حنيفة رحمه الله في أين احتجَّ بحديث جابر الجُعفي في كونه ناسخًا، ومن نقل هذا من الثِّقات عن أبي حنيفة رحمه الله حتَّى يكون متناقضًا في قوله وفعله؟
بل احتجَّ أبو حنيفة رحمه الله في نسخ هذا بمثل ما احتجَّ به غيره كالثَّوري والشَّافعي وأبي ثور، وجمهور السَّلف رحمهم الله.
ثمَّ إنَّ ابن حزم أيضًا قال إنَّه لا يحفظ عن أحدٍ من الصَّحابة خلاف ذلك يريد أنَّهم أجمعوا على أنَّ الإمام
ج 4 ص 217
إذا صلَّى قاعدًا يصلُّون قعودًا، ثمَّ نازع في ثبوت كون الصَّحابة صلُّوا خلفه صلى الله عليه وسلم، وهو قاعدٌ قيامًا غير أبي بكر رضي الله عنه، قال لأنَّ ذلك لم يرد صريحًا، وأطال في ذلك بما لا طائلَ فيه.
والذي ادَّعى نفيه قد أثبته الشَّافعي رحمه الله، وقال إنه في رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها. قال الحافظ العسقلانيُّ وقد وجدته مصرَّحًا به أيضًا في «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» [2] ، عن ابن جريج أخبرني عطاء، فذكر الحديث، ولفظه (( فصلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم قاعدًا، وجعل أبا بكر رضي الله عنه وراءه بينه وبين النَّاس، وصلَّى النَّاس وراءه قيامًا ) ).
وهذا مرسلٌ يعتضدُ بالرِّواية الَّتي علَّقها الشَّافعي عن النَّخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النَّظر؛ فإنَّهم ابتدءوا الصَّلاة مع أبي بكر رضي الله عنه قيامًا بلا نزاع، فمن ادَّعى أنَّهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان.
قال الحافظ العسقلانيُّ ثمَّ رأيت ابن حبَّان استدلَّ على أنَّهم قعدوا بعد أن كانوا قيامًا بما رواه من طريق أبي الزُّبير عن جابر قال اشتكَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فصلَّينا وراءه وهو قاعدٌ، وأبو بكر يُسمِع النَّاس تكبيره، قال فالتفتَ إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنَا، فلمَّا سلَّم قال (( إن كدتُم لتفعلون فعلَ فارس والرُّوم فلا تفعلوا ) )الحديث، وهو حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم.
لكن ذلك لم يكن في مرض موته، وإنَّما كان ذلك حيث سقط عن الفرس، كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضًا قال ركبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا بالمدينة فصرعَه على جذم [3] نخلة، فانفكَّت قدمه. الحديث أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيحٍ.
فلا حجَّة على هذا لما ادَّعاه إلَّا أنَّه تمسَّك بقوله في رواية أبي الزُّبير (( وأبو بكر يُسمع النَّاس التكبير ) ).
وقال إنَّ ذلك لم يكن إلَّا في مرض موته؛ لأنَّ صلاته في مرضه الأوَّل كانت في مشربة عائشة رضي الله عنها، ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يُسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته، فإنَّها كانت في المسجد بجمع كثير من الصَّحابة، فاحتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى أن يُسمعهم التَّكبير. انتهى.
ولا راحة له فيما تمسَّك به؛ لأنَّ إسماع التَّكبير في هذا لم يُتَابِع أبا الزُّبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنَّه حفظه، فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر رضي الله عنه التَّكبير في تلك الحالة؛ لأنَّه يُحمَل على أنَّ صوته صلى الله عليه وسلم كان خفيًّا من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتَّكبير، فكان أبو بكر رضي الله عنه
ج 4 ص 218
يجهر عنه بالتَّكبير لذلك، ووراء ذلك كله أنَّه أمر محتملٌ لا يُترك لأجله الخبر الصَّريح بأنَّهم صلُّوا قيامًا، كما تقدَّم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنَّهم استمرُّوا قيامًا إلى أن انقضت الصَّلاة.
نعم وقع في مرسل عطاء المذكور متَّصلًا به بعد قوله وصلَّى النَّاس وراءه قيامًا، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما صلَّيتم إلا قعودًا، فصلُّوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإن صلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا ) ).
وهذه الزِّيادة تقوِّي ما قال ابن حبَّان إنَّ هذه القصَّة كانت في مرض النَّبي صلى الله عليه وسلم الأخير، ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلَّى إمامهم قاعدًا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم في هذه المرَّة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نُسِخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب، فيحمل أمره الأخير بأن يصلُّوا قعودًا على الاستحباب؛ لأنَّ الوجوب قد رُفع بتقريره لهم، وتَرْكِ أمرهم بالإعادة، والله أعلم.
وممَّا احتج به محمَّد رحمه الله على ما ذهب إليه من عدم صحَّة إمامة القاعد أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما صلَّى بهم قاعدًا؛ لأنَّه لا يصحُّ التقدم بين يديه صلى الله عليه وسلم لنهي الله تعالى عن ذلك، وأنَّ الأئمَّة شفعاء، ولا يكون أحد شافعًا له صلى الله عليه وسلم.
وتعقِّب بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو ثابت بلا خلاف. وصحَّ أيضًا أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى خلف أبي بكر رضي الله عنه كما تقدَّم [خ¦687] ، فقد تبيَّن بذلك أنَّ المراد من التقدُّم بين يديه في غير الإمامة.
وأنَّ المراد بكون الأئمَّة شفعاء كونهم شفعاء في حقِّ مَن يحتاج إلى الشفاعة، ثمَّ لو سُلِّم أنَّه لا يجوز أن يؤمَّه أحد لا يدل ذلك على منع إمامة القاعد. وقد أمَّ قاعدًا جماعةٌ من الصَّحابة بعده صلى الله عليه وسلم منهم أُسَيْد بن حُضَيْر وجابر وقيس بن قَهْد وأنس بن مالك رضي الله عنهم. والأسانيد عنهم بذلك صحيحة أخرجها عبد الرَّزَّاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وغيرهم، بل ادَّعى ابن حبَّان إجماع الصَّحابة على صحَّة إمامة القاعد كما تقدَّم.
وقال أبو بكر ابنُ العربي لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النَّبي صلى الله عليه وسلم يَخْلُص عند السَّبك، واتِّباع السنَّة أولى، والتَّخصيص لا يثبت بالاحتمال. قال إلَّا أنِّي سمعتُ بعض الأشياخ يقول الحال أحد وجوه التَّخصيص، وحال النَّبي صلى الله عليه وسلم والتبرُّك به، وعدم العوض عنه
ج 4 ص 219
يقتضي الصَّلاة معه على أيِّ حال كان عليها، وليس ذلك لغيره، وأيضًا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصوَّر في حقِّه صلى الله عليه وسلم، وإنَّما يتصوَّر في حقِّ غيره.
والجواب عن الأوَّل ردُّه بعموم قوله صلى الله عليه وسلم (( صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي ) ).
وعن الثَّاني بأنَّ النقص إنَّما هو في حقِّ القادر في النَّافلة، وأمَّا المعذور في الفريضة، فلا نقصَ في صلاته عن القائم، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل وكأنه أراد الإجماع السكوتي على ما لا يخفى. منه.
[2] قوله (( قال الحافظ العسقلاني وقد وجدته مصرحًا به أيضًا في مصنف عبد الرزاق ) )ليس في (خ) .
[3] في هامش الأصل الجذم الغصن. (( قاموس ) ).