694 - (حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) بن إبراهيم الأعرج البغداديُّ، من صغار شيوخ البخاري، مات قبل البخاري بسنة ببغداد يوم الاثنين لثلاث ليال بقين من صفر، سنة خمس وخمسين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المثناة التحتية وبالموحدة، أبو علي الكوفي، سكن بغداد، وأصله من خراسان، وَلِيَ قضاء حمص والموصل وطبرستان، ومات بالرَّيِّ سنة تسع ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية(عَبْدُ الرَّحْمَنِ
ج 4 ص 233
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ)مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما المدني (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) هو أبو أسامة مولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المثناة التحتية وتخفيف المهملة، مولى أمِّ المؤمنين ميمونة رضي الله عنها (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
ورجال هذا الإسناد ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي. وتفرَّد بإخراج متنه البخاري.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُصَلُّونَ) أي الأئمَّة (لَكُمْ) أي لأجلكم (فَإِنْ أَصَابُوا) أي فإن أتمُّوا أركانها وشروطها وسنَّتها، يدلُّ عليه ما أخرجه الحاكم على شرط البخاري، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه (( من أمَّ النَّاس فأتمَّ _ وفي نسخة فأصاب _ فالصَّلاة له ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه، ولا عليهم ) ). ويدلُّ عليه أيضًا ما أخرجه ابن حبَّان عن أبي هريرة رضي الله عنه (( يكون أقوام يصلُّون الصَّلاة فإن أتمُّوا فلكم ولهم ) ).
وأخرج الدَّارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا (( سيليكُم بعدي ولاةٌ فاسمعوا وأطيعوا فيما وافق الحقَّ، وصلُّوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا فعليهم ) ).
وقال ابن بطَّال إن أصابوا؛ يعني الوقت، فإنَّ بني أميَّة كانوا يؤخِّرون الصَّلاة تأخيرًا شديدًا. هذا ويدلُّ عليه ما رواه أبو داود بسند جيِّد عن قَبيصة بن وقَّاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخِّرون الصَّلاة، فهي لكم، وهي عليهم، فصلُّوا معهم ما صلُّوا القبلة ) ).
وما رواه أبو داود أيضًا من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا (( من أمَّ بالنَّاس فأصاب الوقت فله ولهم ) ). وما رواه النَّسائي وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (( لعلَّكم تدركون أقوامًا يصلُّون الصَّلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلُّوا في بيوتكم في الوقت الذي تعرفون، ثمَّ صلُّوا معهم، واجعلوها سبحة ) )، وهو حديث حسنٌ.
فعلى هذا يكون المعنى فإن أصابوا الوقت؛ أي ولهم ثواب صلاتهم، ولا يحتاج إلى ذكره، إذ معلوم أنَّ من أتى بطاعة فثوابها له.
(فَلَكُمْ) أي ثواب صلاتكم، أو المراد ما هو أعمُّ من الإتمام وإصابة الوقت، ويدلُّ عليه ما في رواية أحمد في هذا الحديث (( فإن صلُّوا الصَّلاة لوقتها، وأتمُّوا الرُّكوع والسُّجود، فهي لكم ولهم ) ). وزاد أحمد عن الحسن بن موسى بهذا السَّند (( ولهم ) )أي ثواب صلاتهم، وهو يغني عن تكُّلف توجيه حذفها.
(وَإِنْ أَخْطَؤُوا) أي وإن ارتكبوا الخطيئة في صلاتهم بأن يكونوا مُحدِثين، أو جُنُبًا، أو في بدنه أو ثوبه نجاسة (فَلَكُمْ) ثواب صلاتكم جماعة (وَعَلَيْهِمْ) عقاب ما ارتكبوه من الخطيئة، أو المعنى وإن أخطأوا الوقت بأن يؤخِّروها عن وقتها، فلكم ثواب ما صلَّيتم في الوقت فرادى، وثواب الجماعة أيضًا إن صلَّيتم معهم لغير سبحة [1] ، وعليهم عقاب ذلك التَّأخير، وليس المراد من الخطأ هنا ما هو في مقابلة العمد؛ لأنَّه مرفوع عن هذه الأمَّة، ولا إثم فيه.
ج 4 ص 234
قال المهلَّب وفي الحديث جواز الصَّلاة خلف البرِّ والفاجر إذا خيف منه، يعني إذا كان ذا شوكة. وقال البغوي في «شرح السنَّة» فيه دليل على أنَّه إذا صلَّى بقومٍ محدِثًا تصح صلاة المأمومين، وعليه الإعادة، وهذا هو مذهب الشَّافعية؛ لأنَّ الاقتداء بالإمام عندهم في مجرَّد المتابعة لا في الصحَّة والفساد كما عند الحنفيَّة. وثمرة الخلاف تظهر في مسائل
منها أنَّ الإمام إذا ظهر أنَّه كان محدثًا، أو جنبًا لا يعيد المؤتم صلاته عندهم. ومنها أنَّه يجوز اقتداء القائم بالمومئ. ومنها أنَّ قراءة الإمام لا تنوب عن قراءة المأموم. ومنها جواز اقتداء المفترض بالمتنفِّل، وبمن صلَّى فرضًا آخر. ومنها أنَّ المقتدي يقول سمع الله لمن حمده أيضًا.
وأمَّا عند الحنفيَّة فالحكم بالعكس في كلها، ودليلهم في ذلك ما رواه الحاكم مصحِّحًا عن سهل بن سعد رضي الله عنه (( الإمام ضامن ) )يعني صلاتهم في ضمن صلاته صحَّة وفسادًا.
ثمَّ إنَّه استدلَّ به قوم على صحَّة الائتمام بمن يخلُّ بشيء من الصَّلاة ركنًا كان أو غيره إذا أتمَّ المأموم، وهو وجه عند الشَّافعية بشرط أن يكون الإمام الخليفة، أو نائبه، والأصحُّ عندهم صحَّة الاقتداء إلَّا بمن عُلِم أنَّه ترك واجبًا. ومنهم من استدلَّ به على الجواز مطلقًا بناء على أنَّ المراد بالخطأ ما يقابل العمد.
قال ومحلُّ الخلاف في الأمور الاجتهاديَّة كمن يصلِّي خلف من لا يرى قراءة البسملة، ولا أنَّها من أركان القراءة؛ لأنَّها آية من الفاتحة، بل يرى أنَّ الفاتحة تجزئ بدونها.
قال فإنَّ صلاة المأموم تصحُّ إذا قرأ هو البسملة؛ لأنَّ غاية حال الإمام في هذه الحالة أن يكون أخطأ، وقد دلَّ الحديث على أنَّ خطأ الإمام لا يؤثِّر في صحَّة صلاة المأموم إذا أصاب.
تنبيه قال بعض العلماء المراد بقوله وإن أخطأوا فلكم؛ يعني صلاتكم في بيوتكم في الوقت، وكذلك كان جماعة من السَّلف يفعلون.
روي أنَّ الحجَّاج لمَّا أخَّر الصَّلاة بعرفة صلَّى ابن عمر رضي الله عنهما في رحله ووقف، فأمر به الحجَّاج فحبس، وكان يؤخِّر الصَّلاة يوم الجمعة، وكان أبو وائل يأمرهم أن يصلُّوا في بيوتهم، ثمَّ يأتوا الحجَّاج فيصلُّوا معه، وفعله مسروقٌ مع زياد. وكان عطاء وسعيد بن جبير في زمن الوليد إذا أخَّر الصَّلاة صلَّيا في محلهما، وفعله مكحول مع الوليد أيضًا، وهو مذهب مالك.
وفي «التَّلويح» كان جماعة من السَّلف يصلُّون في بيوتهم في الوقت، ثمَّ يعيدون معهم، وعن بعض السَّلف أنَّهم لا يعيدون. وقال النَّخعي كان عبد الله يصلِّي معهم إذا أخَّروا عن الوقت قليلًا. وروى ابن أبي شيبة عن وكيع نا هشام قال سألت أبا جعفر محمَّد بن عليِّ عن الصَّلاة خلف الأمراء؟ قال صلِّ
ج 4 ص 235
معهم.
وقيل لجعفر بن محمَّد كان أبوك يصلِّي إذا رجع إلى البيت، فقال لا والله ما كان يزيد على صلاة الأئمَّة.
[1] من قوله (( في الوقت. .. إلى قوله لغير سبحة ) )ليس في (خ) .