فهرس الكتاب

الصفحة 1118 من 11127

700 -701 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) وفي رواية الأَصيليِّ (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنه.

(أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) رضي الله عنه (كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وزاد مسلم من رواية منصور عن عمرو (( عشاء الآخرة ) )، وكأنَّ العشاء هي التي كان يواظِبُ فيها على الصَّلاة مرَّتين [1] .

(ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) وفي رواية منصور المذكورة (( فيصلِّي بهم الصَّلاة ) )، وللمؤلِّف في (( الأدب ) ) [خ¦6106] (( فيصلِّي بهم الصَّلاة ) )؛ أي المذكورة.

ج 4 ص 245

وفي رواية ابن عُيينة (( فصلَّى ليلة مع النَّبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثمَّ أتى قومه فأمَّهم ) ). وفي رواية الحميدي عن ابن عُيينة (( ثمَّ يرجع إلى بني سَلِمة فيصلِّيها بهم ) )، ولا مخالفة فيه؛ لأنَّ قومه هم بنو سلمة.

وفي رواية الشَّافعي عنه (( ثمَّ يرجع فيصلِّيها بقومه في بني سَلِمة ) ). ولأحمد عنه (( ثمَّ رجع فيؤمُّنا ) )، ثمَّ إنَّ هذا الحديث بعض الحديث الذي يأتي عقيبه، وإنَّما قطعه للتَّنبيه على فائدتين

إحداهما الإشارة بالطَّريق الأوَّل إلى علوِّ الإسناد.

الثَّانية الإشارة بالطَّريق الثَّاني إلى التَّصريح بسماع عَمرو بن دينار من جابر رضي الله عنه.

(قَالَ) أي المؤلِّف رحمه الله، وفي رواية سقط لفظ (( قال ) ) (وَحَدَّثَنِي) بواو العطف والإفراد، وفي رواية سقط الواو، وفي أخرى (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم المعجمة وسكون النون، محمَّد بن جعفر (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار.

(قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنه (قَالَ كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) رضي الله عنه، وسقط في رواية لفظ (( ابن جبل ) ) (يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ) من عنده صلى الله عليه وسلم (فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) بني سلِمة في تلك الصَّلاة.

قال الحافظ العسقلانيُّ وفي هذا ردٌّ على من زعم أنَّ الصَّلاة التي كان يصلِّيها مع النَّبي صلى الله عليه وسلم غير الصَّلاة التي يصلِّيها مع قومه. وتعقَّبه محمود العيني بوجوه

الأوَّل أنَّ الاحتجاج به من جهة تَرْكِ النَّبي صلى الله عليه وسلم إنكارَه، وشرط ذلك علمُه بالواقعة، وجائز أن لا يكون علم بها.

الثَّاني أنَّ النِّيَّة أمر مبطَّن لا يطَّلَع عليه إلَّا بإخبار الناوي، ومن الجائز أن يكون معاذ كان يجعل صلاته معه صلى الله عليه وسلم بنيَّة النَّفل ليتعلَّم سنَّة القراءة منه، وأفعال الصَّلاة، ثمَّ يأتي قومه فيصلِّي بهم صلاة الفرض.

لا يقال يستبعد من معاذ أن يتركَ فضيلة الفرض خلف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويأتي به مع قومه، بل لا يُظَنُّ ذلك بمعاذ بعدما سمع قول النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إذا أقيمت الصَّلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة ) )ولعلَّ صلاةً واحدةً مع النَّبي صلى الله عليه وسلم خير له من كلِّ صلاة صلَّاها في عمره، ولاسيَّما في مسجده الذي الصَّلاة الواحدة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه؛ لأنَّه يقال أليس تفوتُ فضيلةَ الصَّلاة معه صلى الله عليه وسلم من سائر أئمَّة مساجد المدينة،

ج 4 ص 246

وفضيلة النَّافلة خلفه صلى الله عليه وسلم مع أداء الفرض مع قومه يقوم مقام أداء الفريضة خلفه صلى الله عليه وسلم، وامتثال أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم في إمامة قومه زيادة طاعة. وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا أقيمت الصَّلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة ) )فيمكن أن يجابَ عنه بأنَّ حاصله النَّهي عن التلبُّس بصلاة غير الَّتي أقيمت من غير تعرُّض لنيَّة فرضٍ أو نفل، فافهم.

الثَّالث أنَّه قال المهلَّب يحتمل أن يكون حديث معاذ كان في أوَّل الإسلام وقت عدم القرَّاء، وفي وقت لا عِوَضَ للقوم من معاذ، فكانت حالة ضرورة، فلا يجعل أصلًا يقاس عليه غيره، وسيجيء ما فيه.

الرَّابع أنَّه يحتمل أنَّه كان يصلِّي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاة النَّهار، ومع قومه صلاة اللَّيل؛ لأنَّهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون صلاة النَّهار في منازلهم، فأخبر الرَّاوي بحال معاذ في وقتين لا في وقتٍ واحدٍ.

الخامس أنَّه حديث منسوخٌ، كما سيذكر مفصَّلًا إن شاء الله تعالى.

(فَصَلَّى) بهم (الْعِشَاءَ) كذا في معظم الرِّوايات، ووقع في رواية لأبي عَوانة، والطَّحاوي من طريق محارب (( صلَّى بأصحابه المغرب ) )، وكذا في رواية عبد الرَّزَّاق من رواية أبي الزُّبير.

وقال الحافظ العسقلانيُّ فإن حُمِلَ على تعدُّد القصَّة، أو على أنَّ المراد بالمغرب العشاء مجازًا، وإلَّا فما في «الصَّحيح» أصحُّ.

وتعقَّبه محمود العيني بأنَّ رجال الطَّحاوي في روايته رجال الصَّحيح، فمن أين الأصحيَّة في رواية العشاء؟

(فَقَرَأَ) معاذ رضي الله عنه (بِالْبَقَرَةِ) بالموحدة، وفي نسخة بدون الواو [2] ، وقد استدلَّ به على من يكره أن يقول البقرة، بل يقول سورة البقرة، لكن في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان، عن محمَّد بن بشَّار _ شيخ البخاري _ فيه (( فقرأ سورة البقرة ) )، ولمسلم عن ابن عيينة نحوه، وللمؤلِّف في (( الأدب ) ) [خ¦6106] (( فقرأ بهم البقرة ) ).

وقال الحافظ العسقلانيُّ والظَّاهر أنَّه من تصرُّف الرُّواة.

وقال محمود العيني بل من تعدُّد القصَّة. هذا والمراد أنَّه ابتدأ في قراءتها، وبه صرَّح مسلم، ولفظه (( فافتتح سورة البقرة ) )، وفي رواية محارب (( فقرأ بسورة البقرة _ أو النِّساء _ ) )على الشكِّ، وللسَّرَّاج من رواية مِسْعر عن محارب (( فقرأ بالبقرة والنِّساء ) ). ولعلَّه إن صحَّ قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثَّانية بالنِّساء.

ووقع عند أحمد من حديث بُريدة بإسناد قويٍّ (( فقرأ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ) )، وهي شاذَّة إلَّا إن حُمِل على التعدُّد.

(فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) يحتمل أن يُراد به المعهودُ من رجل معيَّن، ويحتملُ أن يراد به الجنس، والمعرَّف تعريف الجنس كالنكرة في مؤدَّاه، فكأنَّه قال واحد من الرِّجال.

ووقع في رواية الإسماعيلي (( فقام رجل فانصرف ) )، وفي رواية مسلم بن حبَّان [3] (( فتجوَّز رجل فصلَّى صلاة ) )، ولابن عُيينة عند مسلم (( فانحرفَ رجل فسلَّم، ثمَّ صلى وحده ) ).

وقال الحافظ العسقلاني

ج 4 ص 247

وهو ظاهر في أنَّه قَطَعَ الصَّلاة، لكن ذكر البيهقيُّ أنَّ محمَّد بن عبَّاد شيخ مسلم تفرَّد عن ابن عيينة بقوله (( ثمَّ سلَّم ) )، وأنَّ الحفَّاظ من أصحاب ابن عيينة، وكذا من أصحاب شيخه عَمرو بن دينار، وكذا من أصحاب جابر لم يذكروا السَّلام.

وكأنَّه فهم أنَّ هذه اللَّفظة تدلُّ على أنَّ الرَّجل قطع الصَّلاة؛ لأنَّ السَّلام يتحلَّل به من الصَّلاة، وسائر الرِّوايات تدلُّ على أنَّه قطع القدوة فقط، ولم يخرج من الصَّلاة، بل استمرَّ فيها منفردًا.

وقال الرَّافعي في «شرح المسندَ» في الكلام على رواية الشَّافعي عن ابن عُيينة في هذا الحديث (( فتنحَّى رجل من خلفه فصلَّى وحده ) )هذا يحتمل من جهة اللَّفظ أنَّه قطع الصَّلاة وتنحَّى عن موضع صلاته، واستأنفها لنفسه، لكنَّه غير محمول عليه؛ لأنَّ الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه. انتهى.

ولهذا استدلَّ به الشَّافعية على أنَّ للمأموم أن يقطع القدوة، ويتمَّ صلاته منفردًا، ونازع النَّووي فيه فقال لا دَلالة فيه؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه فارقه، وبنى على صلاته، بل في الرِّواية التي فيها أنَّه سلَّم دليلٌ على أنَّه قطع الصَّلاة من أصلها، ثمَّ استأنفها، فيدلُّ على جواز قطع الصَّلاة، وإبطالها لعذر.

وقالت الحنفيَّة والمالكيَّة في المشهور عندهم لا يجوز ذلك؛ لأنَّ فيه إبطال عمل، وقد قال تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] .

ثمَّ إنَّه لم يقع في شيء من الطُّرق المتقدِّمة تسمية هذا الرَّجل، ولكن روى أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» ، والبزَّار من طريقه، عن طالب بن حبيب، عن عبد الرَّحمن بن جابر، عن أبيه قال مرَّ حزم بن أبي كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلِّي بقومه صلاة العتمة، فافتتحَ بسورةٍ طويلة، ومع حزمٍ ناضحٌ له. الحديث.

قال البزَّار لا نعلم أحدًا سمَّاه عن جابر إلَّا ابن جابر. انتهى.

وقد رواه أبو داود في «السُّنن» من وجهٍ آخر قال حَدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال حَدَّثنا طالب بن حبيب، قال سمعت عبد الرَّحمن بن جابر يحدِّث عن حزم بن أبي كعب أنَّه أتى معاذًا، وهو يصلِّي بقوم صلاة المغرب، في هذا الخبر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا معاذ لا تكن فتَّانًا فإنَّه يصلِّي وراءك الكبير والضَّعيف، وذو الحاجة، والمسافر ) ).

وقوله (( في هذا الخبر ) )أشار به إلى ما رواه عَمروٌ عن جابر كان معاذ يصلِّي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثمَّ يرجع يؤمُّنا، الحديث، فجعله كما ترى عن ابن جابر عن حزمٍ صاحب القصَّة، وابن جابر لم يدرك حزمًا.

ج 4 ص 248

ووقع عنده أيضًا صلاة المغرب، وهو نحو ما تقدَّم من الاختلاف في رواية محارب. ورواه ابن لَهيعة عن أبي الزُّبير عن جابر، فسمَّاه حازم، وكأنَّه صحَّفه أخرجه ابن شاهين من طريقه، وقيل اسم ذلك الرَّجل حرام.

روى أحمد في «مسنده» والنَّسائي وأبو يعلى وابن السَّكن بإسناد صحيحٍ عن عبد العزيز عن صهيب عن أنس رضي الله عنه قال كان معاذ رضي الله عنه يؤمُّ قومه، فدخل حرام وهو يريد أن يسقيَ نخله الحديث، كذا بِرَاءٍ بعد حاءً مهملة. قال ابن الأثير حرام ضدُّ حلالٍ هو ابن مِلحان _ بكسر الميم _ خال أنس بن مالك رضي الله عنه. انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وظنَّ بعضهم أنَّه حرام بن مِلْحان خال أنس رضي الله عنه، وبذلك جزم الخطيب في «المبهمات» ، لكن لم أره منسوبًا في الرِّواية، ويحتمل أن يكون تصحَّف من حزم.

وإلى ذلك يومئ صنيع ابن عبد البر فإنَّه ذكر في «الصَّحابة» حرام بن أبي كعب، وذكر له هذه القصَّة، وعزى بتسميتهِ لرواية عبد العزيز بن صهيبٍ، عن أنسٍ. ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنَّه بنى على أنَّ اسمه تصحَّف، والأب واحدٌ، سمَّاه جابرٌ، ولم يسمِّه أنس رضي الله عنهما. انتهى.

وتعقَّبه محمود العيني بأنَّ عدم رؤيته منسوبًا في الرِّواية لا يدلُّ على أنَّه مصحَّف من حزم.

وقال في «التَّلويح» وهو في «مسند أحمد» بسند صحيحٍ عن أنس رضي الله عنه (( كان معاذ يؤمُّ قومه فدخل حرام _ يعني ابن مِلْحان _، وهو يريد أن يسقي نخله، فلمَّا رأى معاذًا طوَّل تحوَّل ولحق بنخله يسقيه ) ).

وجاء في تسميته قول آخر أخرجه أحمد أيضًا من رواية معاذ بن رفاعة عن رجل من بني سلِمة يقال له سُليم أنَّه أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبيَّ الله إنَّا نظلُّ في أعمالنا فنأتي حين نمسي فنصلِّي، فيأتي معاذ بن جبل فينادي بالصَّلاة، فنأتيه فيطوِّل علينا، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( يا معاذ لا تكن فاتنًا ) ).

وفيه أنَّه استُشهِد بأُحُد، وهذا مرسلٌ؛ لأنَّ معاذ بن رفاعة لم يدركه، وقد رواه الطَّحاوي، والطَّبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رفاعة أنَّ رجلًا من بني سلِمة. فذكره مرسلًا.

ورواه البزَّار من وجه آخر عن جابر، وسمَّاه سُليمًا أيضًا، لكن وقع عند ابن حزم من هذا الوجه أنَّ اسمه سَلْم _ بفتح أوله وسكون اللام _، وكأنَّه تصحيفٌ، والله أعلم.

وجمع بعضهم بين الاختلاف بتعدُّد الواقعة، وأيَّد ذلك بالاختلاف في الصَّلاة هل هي المغرب أو العشاء؟

وبالاختلاف في السُّور هل هي البقرة، أو {اقْتَرَبَتِ} ، وبالاختلاف في عذر الرَّجل هل هو لأجل التَّطويل فقط؛ لكونه جاء من العمل، وهو تَعْبان، أو لكونه أرادَ أن يسقي نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النَّخل، كما في حديث بُرَيدة رضي الله عنه.

هذا واستُشكل بأنَّه كيف يظنُّ بمعاذ أنَّه صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 249

أمره بالتخفيف، ثمَّ يعود إلى التَّطويل.

وأُجيب عنه باحتمال أن يكون قرأ أوَّلًا بالبقرة، فلمَّا نهاه قرأ {اقْتَرَبَتِ} ، وهي طويلة بالنَّسبة إلى السُّور التي أمره أن يقرأها على ما سيأتي.

ويحتمل أن يكون النَّهي أوَّلًا وقع لما يخشى من تنفير بعض من يدخل في الإسلام، ثمَّ لمَّا اطمأنَّت نفوسهم بالإسلام ظنَّ أنَّ المانع زال فقرأ {اقْتَرَبَتِ} ؛ لأنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطُّور، فصادف صاحب الشُّغل.

وجمع النَّووي باحتمال أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، فانصرف رجل، ثمَّ قرأ في الثَّانية {قْتَرَبَتِ} فانصرف آخر.

تتمة قد وقع في رواية أبي الزُّبير عند مسلم (( فانطلق رجل منَّا ) )، وهذا يدلُّ على أنَّه من بني سلِمة، وربَّما يقوِّي رواية من سمَّاه سليمًا، والله أعلم.

(فَكَانَ مُعَاذٌ) بالرفع اسم كان، وخبرها قوله (يَنَالُ مِنْهُ) أي يصيب من الرَّجل المذكور؛ أي يعيبه، ويتعرَّض له بالإيذاء، وينسبه إلى سوء، وقد فُسِّرَ ذلك في رواية سليم بن حيَّان، ولفظه (( فبلغ ذلك معاذًا فقال إنَّه منافق ) )، وكذا لأبي الزُّبير، ولابن عيينة فقالوا له أنافقت يا فلان؟ قال لا والله، ولآتينَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنَّه، وكأنَّ معاذًا رضي الله عنه قال ذلك في غيبته، وبلَّغه إلى الرَّجل أصحابُه.

وفي رواية المستملي على صيغة الماضي من التَّفاعل، وفي رواية الكشميهنيِّ بالهمزة والنون المشددة، والأولى تدلُّ على كثرة وقوع ذلك منه بخلاف الثانية.

(فَبَلَغَ) ذلك (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقد بيَّن ابن عُيينة، وكذا محارب بن دثار وأبو الزُّبير أنَّه الذي جاء فاشتكى من معاذ، وفي رواية النَّسائي فقال معاذ رضي الله عنه لئن أصبحتُ لأذكرنَّ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأرسل إليه فقال (( ما حملك على الذي صنعت ) )فقال يا رسول الله عملتُ على ناضح لي بالنَّهار، فجئت وقد أقيمت الصَّلاة، فدخلت المسجد فدخلت معه في الصَّلاة، فقرأ بسورة كذا وكذا، فانصرفت فصلَّيت في ناحية المسجد، وكأنَّ معاذًا رضي الله عنه سبقه بالشَّكوى، فلمَّا أرسل إليه جاءه، فاشتكى من معاذ.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم أنت (فَتَّانٌ) أنت (فَتَّانٌ) أنت (فَتَّانٌ) قال ذلك (ثَلاَثَ مِرَارٍ) ويروى للتَّأكيد، وفي رواية ابن عُيينة (( أفتَّان أنت ) )، وزاد محارب (( ثلاثًا ) )بهمزة الاستفهام على سبيل

ج 4 ص 250

الإنكار، ومعناه أنت منفِّر؛ لأنَّ التَّطويل سبب لخروجهم من الصَّلاة، وللتَّكرُّه للصَّلاة في الجماعة.

وروى البيهقي في «الشُّعب» بإسناد صحيحٍ عن عمر رضي الله عنه قال (( لا تُبَغِّضوا الله إلى عباده يكون أحدكم إمامًا فيطوِّل على القوم الصَّلاة حتَّى يبغِّض إليهم ما هم فيه ) ).

وقال الدَّاودي يحتمل أنَّه يريد بقوله (( فتَّان ) )؛ أي معذِّب؛ لأنَّه عذَّبهم بالتَّطويل، ومنه قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج 10] قيل معناه عذَّبوهم.

(أَوْ) شكٌّ من الرَّاوي، وقال البرماوي والكرماني شكٌّ من جابر رضي الله عنه (فَاتِنًا، فَاتِنًا، فَاتِنًا) ونصبه على أنَّه خبر (( تكون ) )المقدر. وفي رواية أبي الزُّبير (( أتريد أن تكون فاتنًا؟ ) ).

ولأحمد في حديث معاذ بن رفاعة المتقدِّم (( يا معاذ لا تكن فاتنًا ) )، وزاد في حديث أنس رضي الله عنه (( لا تطوِّل بهم ) ).

(وَأَمَرَهُ) صلى الله عليه وسلم أن يقرأ (بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ) اعلم أنَّ المفصَّل عبارة عن السَّبع الأخير من القرآن، وسمِّي به؛ لكثرة الفصول التي تقع بين السُّورتين من البسملة في هذا السَّبع، أو لكثرة الفواصل، وقيل لقلَّة المنسوخ فيه.

واختلف في أوَّله فقيل من الحجرات، وقيل من القتال، وقيل من الفتح، وقيل من قاف. وحكى القاضي عياض أنَّه من الجاثية، والأصح أنَّه {ق} . وقد روي هذا في حديث مرفوع على ما ذكره الخطَّابي، وهو على ثلاثة أقسام طوال، وقصار، وأوساط.

فالطِّوال من إحدى السُّور المذكورة إلى سورة {عمَّ} ، وقيل إلى {كُوِّرت} ، وأوساطه من سورة {عمَّ} ، أو {كُوِّرت} إلى سورة الضُّحى، وقصاره منها إلى آخر القرآن.

وقيل الطِّوال من إحداها إلى سورة الصفِّ، والأوساط من سورة الصَّف إلى سورة الانشقاق، والقصار منها إلى الآخر. فلفظ (( أوسط ) )يحتمل أن يريد به المتوسِّط، والسّور التي مثَّل بها، كما سيأتي من قصار المتوسِّط.

ويحتمل أن يريد به المعتدل؛ أي المناسب للحال من المفصَّل، والله أعلم.

(قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينار (لاَ أَحْفَظُهُمَا) أي السُّورتين المأمور بهما، وكأنَّه قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سليم بن حيَّان عن عمرو (( اقرأ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ) )، ونحوها. وقال في رواية ابن عيينة (( اقرأ بكذا، واقرأ بكذا ) )قال ابن عيينة فقلت لعمرو إنَّ أبا الزُّبير حَدَّثنا عن جابر أنَّه قال (( اقرأ بـ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} ، {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ) )فقال عمرو نحو هذا، وجزم بذلك محارب [4] في حديثه عن جابر.

وفي رواية اللَّيث عن أبي الزُّبير عند مسلم مع الثَّلاثة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، وزاد ابن جريج عن أبي الزُّبير {وَالضُّحَى} أخرجه عبد الرَّزَّاق. وفي رواية الحميديِّ

ج 4 ص 251

عن ابن عيينة مع الثَّلاثة الأول {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} .

واستدلَّ الشَّافعي رحمه الله تعالى بهذا الحديث على صحَّة اقتداء المفترض بالمتنفِّل بناء على أنَّ معاذًا رضي الله عنه كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثَّانية النَّفل، وبه قال أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وهو قول عطاء وطاوس وسليمان بن حرب وداود. وقال أصحابنا لا يصلِّي المفترض خلف المتنفِّل، وبه قال مالك وأحمد في رواية أبي الحارث عنه. وقال ابن قدامة اختار هذه الرِّواية أكثر أصحابنا، وهو قول الزُّهري والحسن البصري وسعيد بن المسيِّب والنَّخعي وأبي قِلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري. وقال الطَّحاوي وبه قال مجاهد وطاوس.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ويدلُّ على صحَّة اقتداء المفترض بالمتنفِّل ما رواه عبد الرَّزَّاق والشَّافعي، والطَّحاوي والدَّارقطني وغيرهم من طريق ابن جُريج عن عَمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب، وزاد (( هي له تطوُّع، ولهم فريضة ) ). وهو حديث صحيحٌ، ورجاله رجال الصَّحيح. وقد صرَّح ابن جريج في رواية عبد الرَّزَّاق بسماعه فيه، فانتفتْ تهمة تدليسه.

وتعقَّبه محمود العيني بأنَّ هذه زيادة قد تكلَّموا فيها، فزعم أبو البركات ابن تيميَّة أنَّ الإمام أحمد ضعَّف هذه الزِّيادة، وقال أخشى أن لا تكون محفوظة لأنَّ ابن عيينة يزيد فيها كلامًا لا يقوله أحد.

وقال ابنُ قدامة في «المغني» وروى الحديث منصور بن زاذان وشعبة، فلم يقولا ما قال سفيان بن عُيينة. وقال ابنُ الجوزي لا تصحُّ، ولو صحَّت؛ لكان ظنًّا من جابر، وكذا قال ابنُ العربي ما يقاربه.

وقال الطَّحاوي إنَّ ابنَ عيينة روى عن عمرو حديث جابر أتمَّ من سياق ابن جُريج، ولم يذكر هذه الزِّيادة.

وما قاله الحافظ العسقلانيُّ من أنَّ تعليل الطَّحاوي له بهذا غير قادح في صحَّته؛ لأنَّ ابن جُريج أسنُّ وأجلُّ من ابن عيينة وأقدم أخذًا عن عَمرو منه، ولو لم يكن كذلك، فهي زيادةٌ من ثقةٍ حافظٍ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقُّف في الحكم بصحَّتها.

فتعقَّبه محمود العيني بأنَّ هذه مكابرة فهلَّا ذكر هذا عند قول أحمد، وهو أجلُّ من ابن جريج وابن عيينة هذه الزِّيادة ضعيفة، أو عند كلام ابن الجوزي إنَّ هذه الزِّيادة لا تصحُّ، أو عند كلام ابن العربي.

وهذا الرَّافعي الذي هو من أكابر أئمَّتهم، وممَّن يعتَمد عليهم، ويؤخذ عنهم قال في شرح هذا الحديث هذا غير محمول على ما قالوا؛ لأنَّ الفرض لا يقطع بعد الشُّروع فيه، وكون ابن جريج

ج 4 ص 252

أسنُّ من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو بن دينار على تقدير التَّسليم لا يستلزم نفي ما قاله الطَّحاوي. وقد قال الطَّحاوي يحتمل أن تكون هذه الزِّيادة مدرجة.

وأمَّا ردُّ الحافظ العسقلاني كونها مدرجة بأنَّ الأصل عدم الإدراج حتَّى يثبت التَّفصيل فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، ولاسيَّما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإنَّ الشَّافعي رحمه الله أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار، عنه.

فتعقَّبه محمود العيني أيضًا بأنَّه يدلُّ على كونها مدرجة جواز أن تكون من ابن جريج، أو من عَمرو بن دينار، أو من جابر، فمن أيِّ هذه الثَّلاثة كان هذا القول، فليس فيه ما يدلُّ على حقيقة ما كان يفعل معاذ، ولو ثبت أنَّه عن معاذ لم يكن فيه دليل على أنَّه كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا قوله (( فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه ) )فغير صحيح؛ لأنَّه يلزم منه أن لا يوجد مدرج أصلًا، فليتأمَّل.

وقال الحافظ العسقلانيُّ أيضًا بأنَّ كونها ظنًّا من جابر مردود؛ لأنَّ جابرًا رضي الله عنه كان ممَّن يصلِّي مع معاذ، فهو محمول على أنَّه سمع ذلك منه، ولا يظنُّ بجابر أنَّه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلَّا إذا كان ذلك الشَّخص أطلعه عليه. ثمَّ إنَّه يمكن أن يقال أيضًا إنَّها حكاية حال لم نعلم كيفيَّتها فلا يعمل بها.

وقال ابن بطَّال ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيَّات، وأيضًا لو جاز بناء الفرض على النَّفل لما شرعت صلاة الخوف مع كلِّ طائفة بعضها، وارتكاب الأعمال التي لا تصحُّ الصَّلاة معها في غير الخوف؛ لأنَّه كان يمكنه صلى الله عليه وسلم أن يصلِّي مع كلِّ طائفة جميع الصَّلاة، وتكون الثَّانية نافلة له، وللطَّائفة الثانية فريضة.

وقال الحافظ العسقلانيُّ قد ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم صلاة الخوف على وجه لا يقع فيه منافاة لصلاة الأمن كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة. ولمسلم عن جابر نحوه. وأمَّا صلاته بهم على نوع من المخالفة، فلبيان الجواز.

وأجاب عنه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّهم لا يختلفون في أنَّ رأي الصَّحابي إذا لم يخالفه غيره حجَّة، والواقع هنا كذلك، فإنَّ الذين كان يصلِّي بهم معاذ كلُّهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبيًّا، وأربعون بدريًّا، قاله ابن حزم.

قال ولا يحفظ عن غيرهم من الصَّحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر وابنه وأبو الدَّرداء وأنس وغيرهم رضي الله عنهم.

وقال محمود العيني يحتمل أن تكون عدم المخالفة بناء على ظنِّهم أنَّ ما فعله كان بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويكون من هذا الوجه أيضًا عدم امتناع غيرهم عن ذلك.

ج 4 ص 253

وقال الطَّحاوي أيضًا لو سلَّمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجَّة أيضًا؛ لاحتمال أنَّ ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة تصلَّى فيه مرَّتين؛ أي فيكون منسوخًا.

وقد تعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّه يتضمَّن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنَّه يلزم إقامة الدَّليل على ما ادَّعاه من إعادة الفريضة.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وكأنَّه لم يقف على كتابه، فإنَّه قد ساق فيه دليلًا على ذلك، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما رفعه (( لا تصلُّوا الصَّلاة في اليوم مرَّتين ) ). ومن وجه آخر مرسل أنَّ أهل العالية كانوا يصلُّون في بيوتهم، ثمَّ يصلُّون مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فبلغه ذلك فنهاهم، لكن في الاستدلال به على تقدير صحَّته نظر؛ لاحتمال أن يكون النَّهي عن أن يصلُّوها مرَّتين على أنَّها فريضة، وبذلك جزم البيهقيُّ جمعًا بين الحديثين.

بل لو قال قائل هذا النَّهي منسوخٌ بحديث معاذ رضي الله عنه لم يكن بعيدًا، لا يقال القصَّة قديمة؛ لأنَّ صاحبها استشهدَ بأُحد؛ لأنَّه يقال كانت أُحدٌ في أواخر الثَّالثة، فلا مانع أن يكون النَّهي في الأولى، والإذن في الثَّانية مثلًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم للرَّجلين الذين لم يصلِّيا معه (( إذا صلَّيتما في رحالكما ثمَّ أتيتما مسجد جماعةٍ فصلِّيا معهم فإنَّهما نافلة ) )أخرجه أصحاب السُّنن من حديث يزيد بن الأسود العامري، وصحَّحه ابن خزيمة وغيره.

وكان ذلك في حجَّة الوداع في أواخر حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويدلُّ على الجواز أيضًا (( أمره صلى الله عليه وسلم لمن أدرك الأئمَّة الذين يأتون بعده، ويؤخِّرون الصَّلاة عن ميقاتها أن صلُّوها في بيوتكم في الوقت، ثمَّ اجعلوها معهم نافلة ) ).

هذا وقد استدلَّ الطَّحاوي أيضًا على أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى معاذًا عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث (( إمَّا أن تصلِّي معي، وإمَّا أن تخفِّف عن قومك ) ). ودعواه أنَّ معناه إمَّا أن تصلِّي معي، ولا تصلِّي بقومك، وإمَّا أن تخفِّف بقومك، ولا تصلِّي معي.

ونظر فيه الحافظ العسقلاني بأنَّ لمخالِفِهِ أن يقول بل التَّقدير إمَّا أن تصلِّي معي فقط إذا لم تخفِّف، وإمَّا أن تخفِّف بقومك فتصلِّي معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التَّخفيف بترك التَّخفيف؛ لأنَّه هو المسؤول عنه، المتنازع فيه.

وتعقَّبه محمود العيني بأن الذي قدَّره المخالف باطل؛ لأنَّ لفظ الحديث (( لا تكن فتَّانًا إمَّا أن تصلِّي معي، وإمَّا أن تخفِّفَ عن قومك ) ). فهذا يدلُّ على أنَّه يفعلُ أحد الأمرين إمَّا الصَّلاة معه أو بقومه، ولا يجمعهما، فدلَّ على أنَّ المراد

ج 4 ص 254

عدم الجمع ومنعه، وكلُّ أمرين يقع الجمع بينهما كان بين نقيضيهما منعٌ الخلوِّ كما بيَّن هكذا في موضعه.

وقال بعضهم [5] كان فعل معاذ رضي الله عنه للضَّرورة لقلَّة القرَّاء في ذلك الوقت، وفيه أنَّ القدر المجزئ من القرآن في الصَّلاة كان حافظوه كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمرٍ ممنوعٍ منه شرعًا في الصَّلاة، قاله ابن دقيق العيد.

ثمَّ من جملة فوائد الحديث استحباب تخفيف الصَّلاة مراعاة لحال المأمومين، وقد روى البخاري ومسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا صلَّى أحدكم للنَّاس فليخفِّف، فإنَّ فيهم الضَّعيف والسَّقيم والكبير، وإذا صلَّى لنفسه فليطوِّل ما شاء ) ). فهذا يدلُّ على أنَّ الإمام ينبغي أن يراعيَ حال قومه، وهذا لا خلاف لأحدٍ في ذلك.

وقيل لا يُكْرَه التَّطويل إذا علم رضا المأمومين، ويُشكِل عليه أنَّ الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتمَّ به بعد دخوله في الصَّلاة، كما في حديث الباب. فعلى هذا يكره التَّطويل مطلقًا إلَّا إذا فُرِضَ في مصلٍّ بقوم محصورين راضين في مكان لا يدخله غيرهم.

ومنها أنَّ الحاجة من أمور الدُّنيا عذر في تخفيف الصَّلاة. ومنها على ما قيل جواز إعادة الصَّلاة الواحدة في اليوم الواحد مرَّتين، وفيه أنَّه ليس على إطلاقه؛ لأنَّ إعادتها على سبيل أنَّهما فرض ممنوعة كما ذكر. ومنها جواز خروج المأموم من الصَّلاة بعذر، وأمَّا بغير عذر فلا، كما هو ظاهر سياق الحديث.

قال النَّووي في «شرح المهذَّب» اختلف العلماء فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلَّى بعضها، هل يجوز له أن يخرجَ منها، فاستدلَّ أصحابنا بهذا الحديث على أنَّ للمأموم أن يقطعَ القدوة، ويُتِمَّ صلاته منفردًا، وإن لم يخرج منها. وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه

أصحُّها أنَّه يجوز لعذر، ولغير عذرٍ.

والثَّاني لا يجوز مطلقًا.

والثَّالث يجوز لعذر، ولا يجوز لغيره، وتطويل القراءة عذر على الأصحِّ.

وقال ابن المُنيِّر لو كان كذلك؛ أي لو جاز لعذر، ولغير عذر لا يكون لأمر الأئمَّة بالتخفيف فائدة. انتهى. وفيه نظر؛ لأنَّ فائدة الأمر بالتَّخفيف المحافظة على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جواز الصَّلاة منفردًا.

وقال أصحابنا الحنفيَّة لا يجوز شيءٌ من ذلك، وهو مشهور مذهب مالك، وعن أحمد روايتان؛ لأنَّ فيه إبطال العمل، والقرآن قد منع عن ذلك.

ومنها جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلِّي فيه بالجماعة، وقيَّده الحافظ العسقلانيُّ بقوله إذا كان بعذر. ومنها الإنكار بلطف لوقوعه بصورة الاستفهام، ويؤخذ منه

ج 4 ص 255

تعزير كل أحد بحسبه، والاكتفاء في التعزير بالقول، والإنكار في المكروهات، وأمَّا تكراره ثلاثًا فللتَّأكيد، وقد تقدَّم في العلم أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يعيدُ الكلمة ثلاثًا لتُفْهَم عنه [خ¦94] .

ومنها اعتذار من وقع عنه خطأ في الظَّاهر، وجواز الوقوع في حقِّ من وقع في محذورٍ ظاهر، وإن كان له عذر باطن للتَّنفير عن فعل ذلك، وأنَّه لا لوم على من فعل ذلك متأوِّلًا، وأنَّ التَّخلف عن الجماعة من صفة المنافق، والله أعلم.

[1] أي معاذ يواظب على صلاة العشاء مرتين؛ مرة مع النبي صلى الله عليه وسلم متأتمًا به ومرةً مع قومه إمامًا فيهم.

[2] كذا في المخطوط، والصواب الباء.

[3] في هامش الأصل سليم بن حيَّان. نسخة صحيحة.

[4] من قوله (( اقرأ بـ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} . .. إلى قوله بذلك محارب ) )ليس في (خ) .

[5] في هامش الأصل قوله وقال بعضهم هو المهلب. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت