702 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس الكوفي، نسبه إلى جدِّه لشهرته به (قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي، هو ابن معاوية الجعفيُّ (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي خالد المشهور بالميزان (قَالَ سَمِعْتُ قَيْسًا) هو ابنُ أبي حازم (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدري الأنصاري لم يشهد بدرًا، وإنَّما قيل له البدريُّ؛ لأنَّه سكن بدرًا. ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيُّون، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي.
(أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على تسميتهِ، ووهم من زعم أنَّه حزم بن أبي كعب؛ لأنَّ قصَّته كانت مع معاذ لا مع أبيِّ بن كعب.
(قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ) أي لا أحضرها مع الجماعة، وفي رواية ابن المبارك في (( الأحكام ) ) [خ¦7159] (( والله إنِّي لأتأخَّر ) )بزيادة القسم، وفيه جواز مثل ذلك؛ لأنَّه لم ينكر عليه.
وقد تقدَّم في كتاب العلم في باب (( الغضب في العلم ) )بلفظ (( إنِّي لا أكاد أدرك الصَّلاة ) ) [خ¦90] ، وتقدَّم له توجيه. ويحتمل أيضًا أن يكون المراد أنَّ الذي أَلِفَهُ من التَّطويل اقتضى له أن يتشاغلَ عن المجيء في أوَّل الوقت وثوقًا بتطويله، بخلاف ما إذا لم يطوِّله، فإنَّه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أوَّل الوقت، فكأنَّه يعتمد على تطويله فيتشاغلُ ببعض شغله، ثمَّ يتوجَّه فيصادف أنَّه تارة يدركه، وتارة لا يدركه، فلذلك قال لا أكاد أدرك ممَّا يُطوِّل بنا؛ أي بسبب تطويله.
(مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) أي من تطويله فكلمة (( ما ) )مصدريَّة، وهو بدل من الأوَّل، ووقع في رواية سفيان الآتية قريبًا (( عن الصَّلاة في الفجر ) ) [خ¦704] وإنَّما خصَّها بالذِّكر؛ لأنَّها تُطوَّل فيها القراءة غالبًا، ولأنَّ الانصراف منها وقت التوجُّه لمن له حرفة إليها (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ) بالنصب على الحال من النَّبي صلى الله عليه وسلم، ونصب (غَضَبًا) على التَّمييز.
وقال الحافظ العسقلانيُّ (( أشدَّ ) )، بالنصب نعت لمصدر محذوفٍ؛ أي غضبًا أشد. وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه ليس بشيء لفساد المعنى، فافهم.
(مِنْهُ يَوْمَئِذٍ) أي يوم أخبر بذلك. قال ابنُ دقيق العيد وسبب الغضب إمَّا مخالفة الموعظة، أو التَّقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلُّمه.
وتعقَّبه تلميذه أبو الفتح اليعمري بأنَّه يتوقَّف على تقدُّم الإعلام بذلك.
وقال محمود العيني يحتمل أن يتقدَّم الإعلام بقصَّة معاذ، ولهذا لم يذكر في حديثه الغضب، وواجهه وحده بالخطَّاب، وهاهنا قال (( إنَّ منكم منفِّرين ) )بصيغة الجمع على ما سيأتي.
قال أبو الفتح المذكور ويحتمل أن يكون ما ظهرَ مِن الغضبِ؛ لإرادة الاهتمام بما يُلقيه لأصحابه؛ ليكونوا من سماعهِ على بال؛ لئلَّا يعود من فعل ذلك إلى مثله.
أقول ولعلَّ هذا التَّوجيه أولى من الأوَّل كما لا يخفى على من تأمَّل.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 257
(إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع، وهو من التَّنفير، يقال نَفَر يَنْفِر نُفُورًا ونِفَارًا، إذا فرَّ وذهب، وفيه تفسير للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ (( فتَّان ) ) [خ¦701] .
(فَأَيُّكُمْ) أي أيَّ واحد منكم (مَا صَلَّى بِالنَّاسِ) بزيادة (( ما ) )للتَّأكيد والتَّعميم، وزيادتها مع (( أي ) )الشرطيَّة كثيرة، ووقع في رواية سفيان (( فمن أمَّ بالنَّاس ) ) (فَلْيَتَجَوَّزْ) أي فليخفِّفْ بحيث لا يخلُّ بشيءٍ من الواجبات يقال تجوَّز في صلاته، أي خفَّف، وأصل اللام فيه أن تكون مكسورة، وجاز إسكانها.
قال ابن بطَّال لمَّا أمر الشَّارع بالتَّخفيف كان المطوِّل عاصيًا، ومخالفة العاصي جائزة؛ لأنَّه لا طاعة إلَّا في المعروف. وقال ابنُ دقيق العيد التَّطويل والتَّخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشَّيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم طويلًا بالنَّسبة إلى عادة [1] آخرين.
قال وقول الفقهاء لا يزيد الإمام في الرُّكوع والسُّجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يزيد على ذلك؛ لأنَّ رغبة الصَّحابة رضي الله عنهم في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلًا.
وقال أبو الفتح اليعمري الأحكام إنَّما تناط بالغالب لا بالصُّورة النَّادرة، فينبغي للأئمَّة التخفيف مطلقًا. قال وهذا كما شُرِع القصر في الصَّلاة في حقِّ المسافر، وعُلِّل بالمشقَّة، وهو مع ذلك يشرع ولو لم يشقَّ، عملًا بالغالب؛ لأنَّه لا يدري ما يطرأُ عليه، وهنا كذلك.
وقال محمود العيني ويؤيِّد كلامه صيغة الأمر بالتخفيف، فإنَّه أمرٌ بعد الغضب الشَّديد، وظاهره يقتضي الوجوب.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وأولى ما أُخِذَ حدَّ التَّخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنَّسائي عن عثمان بن أبي العاص أنَّ النَّبي صلى الله عليه سلم قال له (( أنت إمامُ قومكَ، واقْدِرِ القوم بأضعفِهم ) )إسناده حسنٌ، وأصله عند مسلم.
(فَإِنَّ فِيهِمُ) وفي رواية سفيان (( فإنَّ خلفه ) ) (الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ) كذا للأكثر، ووقع في رواية سفيان في العلم (( فإن فيهم المريض والضَّعيف ) ) [خ¦90] ، وكأنَّ المراد بالضَّعيف هنا المريض، وهناك من يكون ضعيفًا في خِلْقته كالنَّحيف والمسنِّ، وكلُّ مريضٍ ضعيفٌ من غير عكسٍ.
(وَذَا الْحَاجَةِ) ثمَّ إنَّه تعليل للأمر المذكور، ومقتضاه أنَّه متى لم يكن فيهم من يتَّصف بصفة من الصِّفات المذكورة، أو كانوا محصورين، ورضوا بالتَّطويل لم يضر التَّطويل؛ لانتفاء العلَّة، كذا قالوا، وفيه نظر؛ فإنَّ حكمة الحكم تراعى في النَّوع لا في الشَّخص، كما مرَّ.
ج 4 ص 258
[1] (( قوم طويلًا بالنسبة إلى عادة ) )ليس في (خ) .