61 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) ؛ أي كما في رواية ابن عساكر، وقد مر في باب «إفشاء السلام» [خ¦8] (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المذكور في باب «علامة المنافق» [خ¦33] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) وقد مر في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما، أنه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ) أي من جنس الشجر (شَجَرَةً) بالنصب على أنه اسم إنّ، والشجرة، والشجر ما كان على ساق من نبات الأرض، ومن العرب من يقول شِجَر وشِجَرة _ بكسر الشين وفتح الجيم _ وهي لغة لبني سليم، وأرض شجراء كثيرة الأشجار ولا يقال وادٍ أشجر.
(لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا) بفتح الراء، وأما الورِق _ بكسر الراء _ فهو الدراهم المضروبة وهذه الجملة في محل النصب على أنها صفة لشجرة (وَإِنَّهَا) بكسر الهمزة عطفًا على «إنّ» الأولى، (مِثْلُ) ؛ بكسر الميم وسكون المثلَّثة، وفي رواية بفتحهما كشبه وشبه لفظًا ومعنى.
(الْمُسْلِمِ) ؛ قال الزمخشري المَثَل بفتحتين في أصل كلامهم بمعنى المِثْل _ بكسر الميم وسكون المثلثة _ يقال مِثْل ومَثَل ومثيل كشِبْه وشَبَه وشبيه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده «مثل» ولم يضربوا مثلًا ولا رأوه أهلًا للتيسير، ولا جديرًا بالتداول والقبول إلا قولًا فيه غرابة من بعض الوجوه، ثم إن لضرب المثل شأنًا في إبراز خبايا الأمور ورفع الأستار عن الحقائق، فإن الأمثال تري المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في صورة المتيقن والغائب كأنه مشاهد.
هذا فاعلم أن المثل له مفهوم لغوي وهو النظير، ومفهوم
ج 1 ص 420
عرفي وهو القول السائر، ومعنى مجازي وهو الحال العجيبة، واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد الشجاع للحال العجيبة والصفة الغريبة كأنه قيل حال المسلم وشأنه العجيب كحال النخلة، فالمسلم هو المشبَّه والنخلة هو المشبَّه بها، لكن قلب التشبيه؛ إيهامًا بأن المسلم أتم منها، وأما وجه التشبيه فقد اختلفوا فيه فقيل هو كثرة خيرها ودوام ظلِّها وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى تيبس، وبعد أن تيبس يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها وأوراقها وأغصانها فتستعمل جذوعًا وحطبًا وعصيًا ومخاصر وحصرًا وحبالًا وأواني وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها، ثم آخرها نواها ينتفع به علفًا للإبل وغيرها، ثم جمال نباتها [1] وحسن ثمرها، وهي كلها منافع وخير وجمال، وكذلك المؤمن خير كله من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ومواظبته على صلاته، وصيامه، وذكره، والصدقة وسائر الطاعات وهو الصحيح في وجه التشبيه.
وأما ما قيل في وجهه من أن النخلة إذا قطعت رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر، ومن أنها لا تَحمل حتى تُلقح، ومن أنها تموت إذا غرقت أو فسد ما هو كالقلب لها، ومن أن لطلعها رائحة المني، ومن أنها تَعشق كالإنسان، ومن أنها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة من حيث إن التشبيه إنما وقع بالمسلم، وهذه المعاني مشتركة بين الآدميين لا تختص بالمسلم، وأضعف منها كلها ما قيل إن ذلك لكونها خلقت من فضل طينة آدم عليه السلام فهي كالعمَّة للأناسي، فإنه وإنْ رُويَ فيه حديث مرفوع لكنَّه لم يثبت، ثم إن وجه التشبيه بينهما منْ عدم سقوط الورق خصوصًا ما رواه الحارث بن أبي أسامة في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال (( إن مَثَلَ المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أنملة أتدرون ما هي؟ ) )قالوا لا، قال (( هي النخلة لا تسقط لها أنملة، ولا تسقط لمؤمن دعوة ) ).
(فَحَدِّثُونِي) بكسر الدال فعل أمر؛ أي إن عرفتموها فأخبروني (مَا هِيَ؟) أي أي شجرة تلك الشجرة، والجملة سدت مسد مفعولي التحديث (فَوَقَعَ النَّاسُ)
ج 1 ص 421
أي ذهب أفكارهم (فِي شَجَرِ) أي إلى أشجار (الْبَوَادِي) وفي بعض الروايات بحذف الياء، وهي لغة وهي جمع بادية من البدو وهو الظهور، والمعنى فجعل كل منهم يفسرها بنوع من أنواع شجر البوادي وذهلوا عن النخلة.
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) ، أي ابن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما، (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ) أي ظننت أنها النخلة، ومنشأ ظنه الجمار الذي أُتِيَ به صلى الله عليه وسلم على ما سيأتي، هذا ففيه إشارة إلى أن المُلغَزَ له ينبغي أن يتفطن بقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وإن المُلغِزَ ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للغز بابًا يدخل منه، بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه.
(فَاسْتَحْيَيْتُ) ؛ أن أتكلم؛ هيبة منه وتوقيرًا لمن عنده من الصحابة الكبار، وفي رواية مجاهد كما يأتي في باب «الفهم في العلم» (( فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم ) ) [خ¦72] ، وفي رواية عنه (( فإذا أنا عاشر عشرة أنا أَحْدَثُهم ) ) [خ¦5444] ، وفي رواية نافع (( ورأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم ) ) [خ¦4698] ، وفي رواية مالك عن عبد الله ابن دينار عند المؤلف في باب «الحياء في العلم» (( قال عبد الله فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا ) ) [خ¦131] زاد ابن حبان في (( صحيحه ) ) (( أحسبه قال حُمْرَ النَّعم ) )، وفي رواية قال (( لو قلتها كان أحب إلي من كنز وكنزين ) ).
(ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا) بصيغة الأمر، لكن المراد منه الطلب والسؤال، فإن الأمر إذا كان خطابًا لمن دونه يكون حقيقة في بابه، وإذا كان خطابًا لمن يساوي الأمر كان التماسًا، وإذا كان لمن هو أعلى منه يكون طلبًا وسؤالًا (مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هِيَ النَّخْلَةُ) .
وفي الحديث فوائد منها جواز امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه لهم إن لم يفهموه، وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن الأغلوطات» ، قال الأوزاعي (أحد رواته هي صعاب المسائل، فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنُّت المسؤول أو تعجيزه أو تخجيله أو غير ذلك) ، ومنها التحريض على الفهم في العلم، وقد بوب عليه المؤلف باب «الفهم في العلم» [خ¦72] ، ومنها استحباب الحياء ما لم يؤدِّ إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر رضي الله عنه أن يكون ابنه لم يسكت، وقد بوب عليه
ج 1 ص 422
المؤلف في «العلم» وفي «الأدب» [خ¦6122] ، ومنها جواز ضرب الأمثال والأشباه؛ لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني؛ لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة، ومنها التلويح إلى أن التشبيه لا عموم له، ولا يلزم أن يكون المشبَّه نظير المشبَّه به من جميع الوجوه فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله، ومنها توقير الكبير، وتقديم الصغير إياه في القول وعدم مبادرته بما فهمه، وإن ظن أنه الصواب على ما قيل، ومنها أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه مَن هو دونه؛ لأن العلم مِنَحٌ إلهية ومواهب رحمانية {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الحديد 29] ، ومنها ما استدل عليه مالك من أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا تقدح فيها إذا كان أصلها لله وذلك مستفاد من تمني عمر رضي الله عنه وقد سبق آنفًا، ووجه تمني عمر رضي الله عنه ما طُبِعَ الإنسان عليه من محبة الخير لنفسه ولولده، ومحبة ظهور فضيلة الولد في الفهم من صغره مع رجاء أن يزداد من النبي صلى الله عليه وسلم حظوة، ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم، وفيه إشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر رضي الله عنه حيث قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحمر النعم مع عِظم مقدارها وغلاء ثمنها، ومنها جواز تجمير النخل؛ أي قطع جمارها وليس ذلك من باب إضاعة المال، ولذا بوب عليه المؤلف في «الأطعمة» [خ¦5444] ، ومنها جواز بيع الجمار وقد بوب عليه أيضًا في «البيوع» [خ¦2209] عقيب حديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها فافهم [2] ، ومنها الدلالة على فضيلة النخلة، قال المفسرون في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً} لا إله إلا الله {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} هي النخلة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} في الأرض ضارب بعروقه فيها {وَفَرْعُهَا} رأسها وأعلاها {فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا} تعطى ثمرها {كُلَّ حِينٍ} أي وقت أقَّته الله تعالى لإثمارها {بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم 24 - 25] بإرادة خالقها وتكوينها.
شبه الإيمان بالنخلة؛ لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، وشبَّه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة وأغصانها وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت
ج 1 ص 423
وزمان بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، وقال القرطبيُّ (موقع التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوتٌ للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورًا بدينه، وأنه ينتفع بكل ما صدر عنه حيًا وميتًا) انتهى.
وقد ورد ذلك صريحًا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر هذه الآية فقال (( أتدرون ما هي؟ ) )قال ابن عمر رضي الله عنهما لم يخفَ عليَّ أنها النخلة، فمنعني أن أتكلم لمكان سِنِّي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( هي النخلة ) )، وروى ابن حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من يخبرني عن شجرة مَثَلها مَثَل المؤمن أصلها ثابت وفرعها في السماء ) )فذكر الحديث، وروى البزار أيضًا من طريق سفيان بن حسين، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مثل المؤمن مثل النخلة ما أتاك منها نفعك ) )هكذا أورده مختصرًا وإسناده صحيح، هذا وقال البزار لم يرو هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السياق إلا ابن عمر رضي الله عنهما وحده، ولمِا ذكره الترمذي قال وفي الباب عن أبي هريرة، وأشار بذلك إلى حديث مختصر أورده عبد بن حُميد في (( تفسيره ) )لفظه (( مثل المؤمن مثل النخلة ) ).
وروى الترمذي أيضًا والنسائي وابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {كلمةً طيبةَ كشجرةٍ طيبة} [ابراهيم 24] قال (( هي النخلة ) )تفرد برفعه حماد بن سلمة، ثم مناسبة هذا الحديث للترجمة من جهة قوله «فحدثوني ما هي» ، وقولهم «حدثنا ما هي يا رسول الله» ؟
فإن قلت الترجمة بثلاثة ألفاظ التحديث والإخبار والأنباء، وليس في هذا الحديث إلا لفظ التحديث، فالجواب أن ألفاظ الحديث مختلفة، ففي رواية عبد الله بن دينار المذكورة هاهنا لفظ (( حدثوني ) )، وفي رواية نافع عنه في «التفسير» عند المؤلف أيضًا (( أخبروني ) ) [خ¦4698] ، وفي رواية الإسماعيلي عن نافع عنه (( أنبئوني ) )فاشتمل الحديث المذكور باختلاف رواياته على الألفاظ الثلاثة المذكورة في الترجمة والله أعلم.
[1] في هامش الأصل قوله ثم جمال نباتها عطف على قوله كثرة خيرها، فافهم. منه.
[2] في هامش الأصل وجه الفهم هو الإشارة إلى جواب ما اعترض به ابن بطال على تبويبه من أن بيع الجمار مما أجمع على جوازه فلا حاجة إلى التبويب عليه، وحاصل الجواب أنه لما ورد النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها فكأن متخيلًا يتخيل أن هذا من ذاك فبوب عليه؛ دفعًا لهذا التوهم. منه.