فهرس الكتاب

الصفحة 1154 من 11127

724 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ) بضم الميم (ابْنُ أَسَدٍ) أبو عبد الله المروزي، نزيل البصرة، وقد مرَّ في باب (( إذا زار الإمام قومًا ) ) [خ¦686] (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) المروزيُّ السِّيْنَاني _ بكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى _ نسبة إلى سينان قرية من قرى مرو، مات سنة إحدى، أو اثنتين وتسعين ومئة.

(قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضم المهملة وفتح الموحدة (الطَّائِيُّ) أبو الهُذيل الكوفيُّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضم الموحدة وفتح المعجمة في الأول وفتح المثناة التحتية والمهملة في الثاني (الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، وسقط في رواية لفظ .

ورجال هذا الإسناد ما بين مروزي وكوفي ومدني. والحديث من أفراد البخاري. وليس لبشير في الكتب عن أنس غير هذا الحديث، وتابع الفضل في روايته أبو معاوية وإسحاق الأزرق عن سعيد، كما أخرجه الإسماعيلي عنهما.

(أَنَّهُ) أي أنسًا رضي الله عنه (قَدِمَ الْمَدِينَةَ) من البصرة (فَقِيلَ لَهُ مَا أَنْكَرْتَ) أي أيَّ شيء أنكرت (مِنَّا مُنْذُ) وفي رواية (يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) أنس رضي الله عنه (مَا أَنْكَرْتُ) منكم (شَيْئًا إِلاَّ أَنَّكُمْ لاَ تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ) .

ومطابقة حديث أنس للتَّرجمة من حيث إنَّ أنسًا رضي الله عنه حصل منه الإنكار على عدم إقامتهم الصُّفوف، وإنكاره يدلُّ على أنَّه يرى تسوية الصُّفوف واجبة، فتارك الواجب آثمٌ. وظاهر ترجمة البخاري تدلُّ على أنَّه يرى وجوب التَّسوية.

قال العيني وهو الصَّواب؛ لورود الوعيد الشَّديد في ذلك، والجمهور على أنَّها سنة، وليس الوعيد والإنكار للذَّمِّ الشَّرعي، بل للتَّحريض على الإتمام.

فإن قيل الإنكار قد يقع على ترك السنَّة، فلا يدلُّ على حصول الإثم. فالجواب على ما قيل إنَّه لعلَّه حمل الأمر في قوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ} [النور 63] على الحال والشَّأن، لا مجرَّد الصيغة، فيلزم منه أنَّ من خالف شيئًا من الحال التي كان النَّبي صلى الله عليه وسلم عليها أن يأثم لما يدلُّ عليه الوعيد المذكور في الآية، وإنكار أنس رضي الله عنه ظاهر في أنَّهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 283

من إقامة الصُّفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التَّأثيم.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وهو ضعيف؛ لأنَّه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأنَّ التَّأثيم إنَّما يحصل بترك الواجب. وأمَّا ما قال ابن بطَّال أنَّ تسوية الصُّفوف لما كانت من السُّنن المندوب إليها التي يستحقُّ صاحبها المدح دلَّ على أنَّ تاركها يستحقُّ الذَّمَّ فهو متعقَّب من جهة أنَّه لا يلزم من ذمِّ تارك السنَّة أن يكون آثمًا سلَّمنا، لكن يرد عليه التعقُّب المذكور قبله؛ يعني أن لا يبقى شيء مسنون. انتهى.

وقال العينيُّ وهو ضعيف؛ لأنَّا لا نسلِّم أن حصول التَّأثيم منحصرٌ على ترك الواجب، بل يحصل أيضًا بترك السنَّة، ولاسيَّما إذا كانت مؤكَّدة.

ثمَّ إنَّه يحتمل أن يكون البخاري أخذَ الوجوب من صيغة الأمر في قوله (( سوُّوا ) )، ومن عموم قوله (( صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي ) )، ومن ورود الوعيد على تركه، فَرَجَحَ عنده بهذه القرائن أنَّ إنكار أنس رضي الله عنه إنَّما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السُّنن. ومع القول بأنَّ التَّسوية واجبة، فصلاة من خالف، ولم يُسوِّ صحيحة؛ لأنَّها خارجة عن حقيقة الصَّلاة.

ألا ترى أنَّ أنسًا رضي الله عنه مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بالإعادة، ولا معتبر بما ذهب إليه ابن حزمٍ من بطلان صلاته، ونازع من ادَّعى الإجماع على عدمهِ بما صحَّ عن عمر رضي الله عنه أنَّه ضرب قدم أبي عثمان النَّهدي لإقامة الصفِّ. وبما صحَّ عن سويد بن غَفَلة قال كان بلال يسوِّي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصَّلاة فقال ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وفيه نظر؛ لجواز أنَّهما كانا يريان التعزير على ترك السنَّة.

وتعقَّبه العيني بأنَّه ناقض في قوله حيث قال فيما مرَّ عن قريب التَّأثيم إنَّما يحصل عن ترك واجبٍ، فإذا لم يكن تارك السنَّة آثمًا، فكيف يستحقُّ التعزير، بل الظَّاهر أنَّ ضربهما كان لترك الأمر الذي ظاهره الوجوب، ولاستحقاق الوعيد الشَّديد في التَّرك، فليتأمَّل.

(وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضم العين فيهما وسكون القاف في الأول وفتح الموحدة في الثاني، وهو أخو سعيد بن عبيد السَّابق ذكره، ويكنى بأبي الرَّحَّال _ بفتح الراء وتشديد المهملة _، وليس له في هذا «الصَّحيح» إلَّا هذا المعلَّق.

(عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) المذكور (قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ) رضي الله عنه، وفي رواية وقع (الْمَدِينَةَ بِهَذَا) أي بهذا الأثر المذكور، وأراد بهذا التَّعليق

ج 4 ص 284

بيان سماع بُشَير بن يسار عن أنس رضي الله عنه. وقد وصل هذا المعلَّق أحمد في «مسنده» عن يحيى القطَّان، عن عقبة بن عُبيد الطَّائي حدَّثني بُشَير بن يسار، قال (( جاء أنس إلى المدينة فقلنا ما أنكرت منَّا من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أنكرت منكم شيئًا غير أنَّكم لا تقيمون الصُّفوف ) ).

ثمَّ هذه القَدْمة لأنس رضي الله عنه غيرُ القَدْمة الَّتي تقدَّم ذكرها في باب (( وقت العصر ) ) [خ¦549] ، فإنَّ ظاهر الحديث فيها أنَّه أنكر تأخير الظُّهر إلى أوَّل وقت العصر، كما مضى، وهذا الإنكار أيضًا غير الإنكار الذي تقدَّم ذكره في باب (( تضييع الصَّلاة عن وقتها ) )حيث قال لا أعرف شيئًا ممَّا كان على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا الصَّلاة وقد ضيِّعت [خ¦529] . فإنَّ ذاك كان بالشَّام، وهذا بالمدينة، وهذا يدلُّ على أنَّ أهل المدينة في ذلك الزَّمان كانوا أمثل من غيرهم في التَّمسُّك بالسُّنن، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت