729 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية (مُحَمَّدٌ) هو ابن سَلَام، قاله أبو نُعيم، وبه جزم ابن عساكر في روايته، وهو
ج 4 ص 291
السلمي البِيْكَنْدي _ بكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وفتح الكاف وسكون النون _، وفي لام (( سلام ) )تخفيف وتشديد، والتخفيف هو الرَّاجح.
(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (عَبْدَةُ) بفتح المهملة وسكون الموحدة، هو ابن سليمان الكلابي، ويقال العامري الكوفي، وكان اسمه عبد الرَّحمن وعبدة لقبه فغلب عليه، يكنى أبا محمد (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ) بفتح المهملة وسكون الميم، ابنة عبد الرَّحمن الأنصاريَّة المدنيَّة (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها.
ورجال هذا الإسناد ما بين بيكندي، وكوفي، ومدني، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده. وقد أخرج متنه أبو داود أيضًا في (( الصَّلاة ) ).
(قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أي في اللَّيل (فِي حُجْرَتِهِ) أي في حجرة بيته يدلُّ عليه ذكر جدار الحجرة حيث قال (وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ) وأوضح منه رواية حمَّاد بن زيد، عن يحيى عند أبي نُعيم بلفظ (( كان يصلِّي في حجرة من حجر أزواجه ) ).
والحجرة الموضع المنفرد بالدَّار، ويحتمل أن يكون المراد الحجرة التي كان احتجرها في المسجدِ بالحصيرِ، كما في الرِّواية التي بعد هذه [خ¦730] ، وكذا حديث زيد بن ثابت الذي بعده [خ¦731] .
ولأبي داود ومحمَّد بن نصر من وجهين عن أبي سلمةَ عن عائشة رضي الله عنها أنَّها هي التي نصبتْ له الحصير على باب بيتها، فإمَّا أن يحمل على التعدُّد، أو على المجازِ في الجدار، وفي نسبة الحجرة إليها.
(فَرَأَى النَّاسُ) بالرفع (شَخْصَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الشَّخص سواد الإنسان وغيره، يراه من بعيد، وإنما قال بلفظ الشَّخص؛ لأنَّه كان ذلك باللَّيل، فلم يبصروا إلَّا شخصه من غير تمييزٍ منهم لذاته المقدَّسة.
(فَقَامَ نَاسٌ) وفي رواية بزيادة همزة مضمومة (يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ) صلى الله عليه وسلم متلبِّسين بها، أو مقتدين بها، ومقتضاه أنَّهم كانوا خارج الحجرة، وهو صلى الله عليه وسلم داخلها (فَأَصْبَحُوا) أي دخلوا في الصَّباح، وهي تامَّة.
(فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَة) هكذا رواية الأكثرين؛ أي ليلة الغداة الثانية، أو من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، وفي رواية الأَصيليِّ (فَقَامَ مَعَهُ) صلى الله عليه وسلم (أُنَاسٌ) بالهمزة، وفي رواية الأَصيلي .
(يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ) أي الاقتداء به صلى الله عليه وسلم (لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا) يروى (حَتَّى إِذَا كَانَ) أي الوقت أو الزَّمان(بَعْدَ ذَلِكَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ
ج 4 ص 292
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَخْرُجْ)أي إلى الموضع المعهود الذي صلَّى فيه في تلك اللَّيالي، فلم يروا شخصه.
(فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ) أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفاد عبد الرَّزَّاق أنَّ الذي خاطبه بذلك عمر رضي الله عنه، أخرجه عن مَعْمر، عن الزُّهري، عن عروة، عنها.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ) أي تفرض (عَلَيْكُمْ صَلاَةُ اللَّيْلِ) قال الخطَّابي قد يقال عليه كيف يجوز أن يكتبَ علينا صلاة، وقد أكملَ الله تعالى الفرائض، وردَّ عدد الخمسين إلى الخمس، وقال {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق 29] .
فقيل إنَّ صلاة اللَّيل كانت واجبة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان أصحابه إذا رأوه يواظبُ على فعل يقتدون به، ويرونه واجبًا، فترَكَ النَّبي صلى الله عليه وسلم الخروج إليهم في اللَّيلة الرابعة، وتركَ الصَّلاة فيها؛ لئلا يدخل ذلك الفعل في الواجبات المكتوبة عليهم من طريق الأمر بالاقتداءِ بأفعال رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا من جهة فرض يُستَأنَفُ زائدًا على الخمس، وهذا كما يوجب الرَّجل على نفسه صلاة نذرٍ، ولا يلزمُ من ذلك زيادة في المفروض الشَّرعي.
وأمَّا قوله تعالى في ليلة الإسراء {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق 29] ، فالمراد به بالتَّنقيص، وفيه وجه آخر وهو أنَّ الله تعالى فرض الصَّلاة أوَّلًا خمسين، ثمَّ حطَّ بشفاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم معظمها تخفيفًا على أمَّته، فإذا عادت الأمَّة فيما استوهبت، وتبرَّعت في العمل به لم يُستنكر أن يكتبَ فرضًا عليهم، وقد ذكر الله عن النَّصارى أنَّهم ابتدعوا رهبانيَّة ما كتبها الله عليهم، ثمَّ لما قصَّروا فيها لحقتهم الملامة في قوله تعالى {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد 27] فأشفق النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل به تخفيفًا عن أمَّته.
قال المهلَّب وفي الحديث جواز الائتمام بمن لم ينوِ أن يكون إمامًا في تلك الصَّلاة؛ لأنَّ النَّاس ائتمُّوا به صلى الله عليه وسلم من وراء الحائط، ولم يعقد النَّبي صلى الله عليه وسلم النيَّة معهم على الإمامة، وهو قول مالك والشَّافعي وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا، إلَّا أنَّ أصحابنا قالوا لابدَّ من نيَّة الإمامة في حقِّ النِّساء.
وفيه أنَّ فعل النَّوافل في البيت أفضل. وقال ابن القاسم عن مالك إنَّ التنفُّل في البيوت أفضل منه في مسجد النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا للغرباء.
وفيه جواز النَّافلة في الجماعة. وفيه أيضًا شفقته صلى الله عليه وسلم على أمَّته خشية أن تكتب عليهم صلاة اللَّيل فيعجزوا عنها فترك الخروج لذلك. وفيه أنَّ الجدار ونحوه لا يمنع
ج 4 ص 293
الاقتداء بالإمام، وعليه ترجمة الباب، وإنَّما يجوز ذلك إذا لم يلتبس عليه حال الإمام.