63 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي، وقد مر في أول كتاب «بدء الوحي» [خ¦2] (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (اللَّيْثُ) بن سعد المذكور في الحديث الثاني من كتاب «بدء الوحي» [خ¦3] (عَنْ سَعِيدٍ) أي ابن أبي سعيد (هُوَ الْمَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة، ولفظة «هو» ساقطة في رواية أبي ذر، وقد تقدَّم ذكره في باب «الدين يسر» [خ¦39] .
(عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النون وكسر الميم، أبو عبد الله القرشي المدني الليثي، أو الكناني وجدُّه أبو نمر شهد أُحدًا مع المشركين، ثم هداه الله إلى الإسلام، سمع أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار وغيرهم، وروى عنه مالك، وسعيد المقبُري، وسليمان بن بلال وغيرهم.
قال ابن سعد شريك بن عبد الله كان ثقة، كثير الحديث، وقال يحيى بن معين ليس به بأس، وقال ابن عدي شريك رجل مشهور من أهل الحديث، حدث عنه الثقات وحديثه لا بأس به إلا أن يروي عنه ضعيف، روى له الجماعة إلا الترمذي، توفي بعد ستة وأربعين ومئة. (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ومنها أن رواته ما بين تنيسي وبصري ومدني، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرجه أبو داود في «الصلاة» ، والنسائي في «الصوم» ، وابن ماجه في «الصلاة» أيضًا، وأما مسلم فلم يخرجه من هذا الوجه بل أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه.
فإن قلت هذا الحديث فيه اختلاف من وجهين
أحدهما أن
ج 1 ص 431
النسائي رواه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن الليث قال حدثني محمد بن عجلان وغيره عن سعيد.
والثاني أن النسائي أخرجه أيضًا، وكذا البغوي من طريق الحارث بن عمير، عن عبيد الله العمري، عن سعيد، عن أبي هريرة، وأخرج ابن منده من طريق الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبُري، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فالجواب أما عن الأول فإنه يمكن أن يكون الليث قد سمع من سعيد بواسطة، ثم لقيه فحدثه به، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق يونس بن محمد عن الليث حدثني سعيد، وكذا رواية ابن منده من طريق وهب عن الليث.
وأما عن الثاني فإن الليث أثبتهم في سعيد.
(يَقُولُ بَيْنَمَا) أصله «بين» زيدت عليه «ما» ، وفي نسخة بإشباع فتحة النون بغير ميم وهو من الظروف الزمانية اللازمة للإضافة إلى الجملة وهي هنا قوله (نَحْنُ جُلُوسٌ) جمع جالس كشهود وشاهد (مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ) أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاللام للعهد.
(دَخَلَ رَجُلٌ) ؛ جواب «بينما» ، وفي رواية وقد مر أن الأصمعي لا يستفصح «إذ» ، و «إذا» في جواب «بين» و «بينما» (عَلَى جَمَلٍ) وهو زوج الناقة، وتسكين الميم فيه لغة وهو في محل الرفع على أنه صفة رجل (فَأَنَاخَهُ) أي أبركه ذلك الرجل، ويقال أيضًا أناخ الجمل نفسه؛ أي برك.
(فِي الْمَسْجِدِ) ؛ أي في رحبته أو ساحته، ففيه حذف؛ لتتفق هذه الرواية بالروايات الأخر، فإن في رواية أبي نُعيم (( أقبل على بعير له حتى أتى المسجد فأناخه، ثم عقله فدخل المسجد ) )، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما (( فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل ) )فلا دلالة [1] فيه على طهارة أبوال الإبل.
(ثُمَّ عَقَلَهُ) ؛ بتخفيف القاف؛ أي شد على ساقه حبلًا بعد أن ثنى ركبتيه، والحبل الذي يشد به هو العقال والجمع عقل.
وقال الأصمعي عقلت البعير أعقله عقلًا وهو أن يثني وطيفه مع ذراعه فيشدهما جميعًا في وسط الذراع، والوطيف هو مستدق الساق والذراع من الإبل.
(ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ) ؛ استفهام مرفوع على أنه مبتدأ، خبرُه (مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ) ؛ مهموز، يقال اتكأ على الشيء فهو متكئ، والموضع متكَأ، وتوكأت على العصا وكل من استوى على وطاء فهو متكئ، وهو المعني في الحديث والجملة الاسمية وقعت حالًا، وفيه دليل على جواز الاتكاء بين الناس في المجالس.
ج 1 ص 432
(بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ) ؛ بفتح الظاء والنون، في (( الفائق ) )يقال أقام فلان بين أظهر قومه وبين ظهرانيهم؛ أي بينهم، وإقحام لفظة (الظهر) ؛ لتدل على أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن معنى التثنية فيه أن ظهرًا منهم قُدَّامه، وظهرًا وراءه فهو محفوف بهم من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا وإن لم يكن محفوفًا، وأما زيادة الألف والنون بعد التثنية فإنما هي؛ للتأكيد كما تزاد في النسبة نحو نفساني، وقباني، ولحياني في النسبة إلى النفس والرقبة واللحية، وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من ترك التكبر.
(فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ) ؛ والمراد به البياض النَّيِّر الزهر، وأما ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم أنه ليس بأبيض ولا آدم، فإن المراد به الأبيض الصِّرف كلون الجِصِّ كريه المنظر فإنه لون البرص، ويقال المراد بالأبيض هو الأبيض المشرب بحمرة، يدل عليه ما جاء في رواية الحارث بن عمير قال أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا هو الأمغر المرتفق. قال حمزة بن الحارث (هو الأبيض المشرَّب بحمرة) ، وقال الليث (الأمغر الذي في وجهه حمرة مع بياض صاف) . وفيه جواز تعريف الرجل بصفته من البياض والحمرة والطَّول والقصر ونحو ذلك.
(فَقَالَ لَهُ) ؛ صلى الله عليه وسلم، (الرَّجُلُ) ؛ الداخل، (ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟) ؛ بفتح النون على أنه منادى مضاف بحذف حرف النداء، وفي رواية بإثبات حرف النداء.
(فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَجَبْتُكَ) أي سمعتك، أو المراد إنشاء الإجابة أو نزل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق، وإنما لم يجبه عليه السلام بنعم ونحوه؛ لأنه أخلَّ بما يجب من رعاية التعظيم والأدب حيث قال «ابنَ عبد المطلب» و «أيكم محمد» ؟ لا سيما مع قوله تعالى {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور 63] ، ثم إنه إما أن يكون قَدِمَ مسلمًا أو لا، فإن كان الأول كما هو مختار المصنِّف، وقد رجحه القاضي عياض فيحمل ما صدر منه من ترك الأدب على أنه لم يكن في ذلك الوقت واقفًا على آداب الشرع ولا على النهي، على أنه كانت فيه بقية من جفاء الأعراب وجهلهم كما ظهرت في قوله بعد ذلك (( فمشدد عليك ) )، وفي قوله في رواية ثابت «وزعم رسولك أنك تزعم» ، وإن كان الثاني كما رجحه القرطبي فلا حاجة
ج 1 ص 433
إلى الاعتذار.
(فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنِّي سَائِلُكَ) ؛ وفي رواية (فَمُشَدِّدٌ) ؛ بكسر الدَّال الأولى المشدَّدة، (عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ) ؛ والفاء عاطفة على قوله (( سائلك ) )، (فَلاَ تَجِدْ) ؛ بكسر الجيم والجزم على أنَّه نهي مِنَ الموجدة.
قال الحافظ العسقلانيُّ (ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني، يقال في الغضب موجِدة، وفي المطلوب وجودًا، وفي الضالة وُجدانًا، وفي الحب وَجدًا _ بالفتح _ وفي المال وُجدًا _ بالضم _ وفي الغنى جِدة _ بكسر الجيم وتخفيف الدال المفتوحة _ على الأشهر في جميع ذلك، وقالوا أيضًا في المكتوب وِجادة وهي مولَّدة والمعنى هنا لا تغضب) .
(عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ) ؛ النبي صلى الله عليه وسلم، (سَلْ عَمَّا بَدَا) ؛ من البدو؛ أي ظهر، (لَكَ فَقَالَ أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ) الباء للقسم؛ أي بحق ربك (وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ) بالمد في المواضع كلها؛ لأن فيه همزتين الأولى همزة الاستفهام، والثانية همزة لفظة الجلالة وهو مرفوع على أنه مبتدأ خبره قوله
(أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ) وفي رواية (اللَّهُمَّ نَعَمْ) والجواب حصل بنعم، وإنما ذكر «اللهم» ؛ تبركًا بها، وكأنه استشهد بالله في ذلك تأكيدًا لصدقه فإن كلمة اللهم تستعمل على ثلاثة أنحاء الأول للنداء المحض وهو ظاهر، والثاني للإيذان بندرة المستثنى كما يقال اللهم إلا أن يكون كذا، والثالث للدلالة على تيقن المجيب في الجواب المقترن هو به؛ كقولك لمن قال أزيدٌ قائمٌ اللهم نعم، أو اللهم لا، كأنه يناديه «تعالى» مستشهدًا على ما قال في الجواب كما فصله محمود العيني.
(قَالَ) ؛ وفي رواية ابن عساكر أي ذلك الرَّجل، (أَنْشُدُكَ) بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة؛ أي أسألك، وقال الجوهري (نشدت فلانًا أنشده نشدًا إذا قلت له نشدتك الله؛ أي سألتك بالله كأنك ذكرته إياه فنشد؛ أي تذكر) ، وقال البغوي في (( شرح السنة ) ) (أصله من النشيد وهو رفع الصوت، والمعنى سألتك رافعًا صوتي) .
(بِاللَّهِ) ؛ بباء القسم، (آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ) أي بأن نصلي بنون الجمع،
ج 1 ص 434
وفي رواية بتاء الخطاب وكل ما وجب عليه وجب على أمته حتى يقوم دليل على الخصوصية.
(الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) وفي رواية بالإفراد على إرادة الجنس، فيجوز وصفه بالخمس والأول أوجه، ويؤيده رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه بلفظ (إن علينا خمس صلوات ليومنا وليلتنا) .
(فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قال) صلى الله عليه وسلَّم (اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ) ؛ الرجل (أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ) بالنون، وفي رواية بتاء الخطاب على ما تقدم في الصلاة (هَذَا الشَّهْرَ) أي شهر رمضان، والإشارة فيه لنوعه ولا لشخصه (مِنَ السَّنَةِ؟) أي من كل سنة.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ) الرجل (أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ) بتاء الخطاب (هَذِهِ الصَّدَقَةَ) المعهودة وهي الزكاة (مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا) بتاء الخطاب أيضًا وبالنصب عطفًا على قوله (( تأخذ ) ) (عَلَى فُقَرَائِنَا؟) هذا خارج مخرج الأغلب؛ لأنهم معظم الأصناف الثمانية، ويمكن أن يكون ذكرهم؛ لرعاية المقابلة.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اللَّهُمَّ نَعَمْ) ولم يتعرض للحج في رواية شريك هذه، وقد ذكره مسلم وغيره في رواية ثابت عن أنس، وكذا في حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم، وقال ابن التِّين (إنما لم يذكره؛ لأنه لم يكن فُرِض بَعْدُ) ، قيل وكأن الحامل له على ذلك ما جزم به الواقدي ومحمد بن حبيب أن قدوم ضمام كان سنة خمس فتكون قبل فرض الحج وفيه نظر من وجوه
الأول أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول، وآية النهي في المائدة ونزولها متأخرًا جدًا.
الثاني أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة شرفنا الله تعالى برؤيتها.
الثالث أن في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد وهو بكر بن هوازن في الإسلام إلا بعد وقعة حنين، وكانت في شوال سنة ثمان، فالصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما.
(فَقَالَ الرَّجُلُ) المذكور لرسول الله صلى الله عليه وسلم. (آمَنْتُ بِمَا) ؛ أي بالذي (جِئْتَ بِهِ) من الوحي، وهذا يحتمل
ج 1 ص 435
أن يكون إخبارًا وهو مختار المؤلف كما سبق الإشارة إليه، ورجحه القاضي عياض أيضًا، وأنه حضر بعد إسلامه مستثبتًا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما أخبرَ به رسوله إليهم؛ لأنه قال في حديث ثابت عن أنس رضي الله عنه عند مسلم وغيره (( فإن رسولك زعم ) )، وقال في رواية كُريب عن ابن عباس عند الطبراني (( أتتنا كتبك، وأتتنا رسلك ) )واستنبط منه الحاكم أصل طلب علو الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة، ويحتمل أن يكون قوله «آمنت» إنشاء.
ورجحه القرطبي لقوله «زعم» والزعم القول الذي لا يُوثق به كما قاله ابن السِّكيت وغيره، قيل وفيه نظر؛ لأن الزعم يطلق على القول المحقق أيضًا كما نقله أبو عمرو الزاهد في «شرح فصيح» شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله زعم الخليل في مقام الاحتجاج.
وقال محمود العيني (أصل وَضْعِه كما قاله ابن السكيت) ، واستعماله في القول المحقق مجاز يحتاج إلى قرينة، ثم إنه مما يؤيد كونه إخبارًا أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرسالة وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاءً لطلب معجزة تُوجِب له التصديق كما قاله الكرماني.
وعكسه القرطبي حيث استدل به على صحة إيمان المقلد بالرسول ولو لم تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح حيث قال (وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفي منهم بمجرد اعتقاد الحق جزمًا من غير شك وتزلزُلٍ، خلافًا للمعتزلة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قرَّر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تَعرُّف رسالته وصدَّقه بمجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكره عليه، ولم يقل له يجب عليك في ذلك النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية) انتهى.
ومما يؤيد كونه إنشاء ما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن إسحاق وغيره أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة ... الحديث، وفي آخره (( حتى إذا فرغ قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله ) ).
(وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي) ؛ كلمة «مَنْ» موصولة و «رسول» مضاف إليها، ويجوز تنوينه وكسر «مَنْ» لكن لم تأت به الرواية (مِنْ) بكسر الميم (قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ) ؛
ج 1 ص 436
بكسر الضاد المعجمة (بْنُ ثَعْلَبَةَ) ؛ بالمثلثة المفتوحة والمهملة والموحدة، (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ) بن هوازن وهم أَظْأر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي العرب سعود قبائل شتى منها سعد تيم، وسعد هذيل، وسعد قيس، وسعد بكر، وفي المَثَل بكل وادٍ بنو سعد، ووقع في رواية كُريب عن ابن عباس رضي الله عنهما عند الطبراني (( جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مسترضعًا فيهم فقال أنا وافد قومي ورسولهم ) )، وعند أحمد والحاكم (( بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم علينا. .. ) )فذكر الحديث، وزاد مسلم في آخر الحديث قال (( والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لئن صدق ليدخلن الجنة ) )، ووقع في رواية عُبيد الله بن عمر، عن المقبُري، عن أبي هريرة (( أن ضمامًا قال بعد قوله وأنا ضمام بن ثعلبة، فأما هذه الهناة إن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية؛ يعني الفواحش فلمَّا أن ولي قال النبي صلى الله عليه وسلم «فقُه الرجل» قال فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ما رأيت أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام ) )، ووقع في آخر حديث ابن عباس عند أبي داود (( فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام ) )، وفي الحديث من الفوائد غير ما ذكر منها قبول خبر الواحد أن قوم ضمام لم يقولوا له لا نقبل خبرك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتينا من طريق آخر. ومنها جواز الاستحلاف على الخير ليعلم اليقين، وفي مسلم (( فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال نعم ) )، ومنها جواز نسبة الشخص إلى جده إذا كان أشهر من أبيه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين (( أنا ابن عبد المطلب ) )، فإن قلت كيف قال عليه السلام ذلك وكان يكره الانتساب إلى الكفار؟ فالجواب أنه عليه السلام قال ذلك لرؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته عليه السلام فذكرهم بها، ولخروج الأمر على الصدق.
(رَوَاهُ) ؛ وفي رواية أي الحديث المذكور، (مُوسَى) ؛ هو ابن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي المصري، وقد مر في باب «كيف كان بَدء الوحي» [خ¦5] وهو شيخ البخاري، لكنه يحتمل هنا أن يروي
ج 1 ص 437
عن شيخه موسى بالواسطة فيكون تعليقًا، وفائدة ذكر الاستشهاد به في تقوية ما تقدم.
وقال الحافظ العسقلاني وإنما علقه البخاري؛ لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة، وتعقبه محمود العيني بأنه قد روي له حديثًا واحدًا، وقال أحمد بن حنبل فيه ثبت ثبت ثقة ثقة، وقال ابن سعد ثقة ثبت، وقال شعبة سيد أهل البصرة، وقال أبو داود الطيالسي (كان من خيار الناس، سمع الحسن وابن سيرين وثابتًا البناني، فكيف يقول لم يحتج به، وقد أخرجه أبو عوانة في(( صحيحه ) )موصولًا بهذا الطريق، وكذا ابن منده في «الإيمان» ).
(وَ) رواه أيضًا (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) ؛ بن مصعب أبو الحسين الأزدي المعني الكوفي، والمعْني بسكون العين نسبة إلى معن بن مالك، قال الرشاطي (المعْني في الأزد وفي طيً، وفي ربيعة، فالذي في الأزد معن بن مالك، والذي في طيء معن بن عقود، والذي في ربيعة معن بن زائدة) ، ورَوى عن علي بن عبد الحميد أبو زرعة وأبو حاتم وقالا هو ثقة. وقال ابن عساكر (روى عنه البخاري تعليقًا وليس في البخاري سوى هذا الموضع المعلق، وأخرجه الترمذي موصولًا عن البخاري عنه، وأخرجه الدارمي أيضًا وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين كلاهما) .
(عَنْ سُلَيْمَانَ) ؛ أي كما في روايةٍ هو أبو سعيد القيسي البصري، وتوفي سنة خمس وستين ومئة (عَنْ ثَابِتٍ) البُناني _ بضم الموحدة وبالنون _ نسبة إلى بنانة بطن من قريش. وقال الزبير بن بكار كانت بنانة أمة لسعد بن لؤي حضنت بنيه فنسبوا إليها. وقال الخطيب بنانة هم بنو سعد بن لؤي بن غالب وأم سعد بنانة.
وثابت هذا هو ابن أسلم أبو أحمد البناني البصري، العابد، سمع ابن الزبير وابن عمر وأنسًا رضي الله عنهم، وروى عنه خلق كثير، قال أحمد ويحيى وأبو حاتم ثقة ولا خلاف فيه، وكفى به فخرًا ما قال أنس رضي الله عنه إن للخير أهلًا وإن ثابتًا من مفاتح الخير، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة، روى له الجماعة.
(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا) ؛ أي بمعناه واللفظ مختلف، وفي رواية سقط لفظ (( بهذا ) )، وفي رواية وقع بدله مثله، ولما فرغ المؤلف رحمه الله من تقرير العرض والقراءة من وجوه التحمل شرع في بيان المناولة من وجوهه المعتبرة فقال
[1] في هامش الأصل ووجه الدلالة على تقدير التسليم أنه لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم. منه.