فهرس الكتاب

الصفحة 1190 من 11127

745 - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجُمَحيُّ مولاهم المصريُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن جميل الجمحيُّ القرشي من أهل مكَّة، ذكر الطَّبريُّ أنَّه مات سنة تسع وستين ومائة.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الرحمن أبو بكر، أو أبو محمد، واسم أبي مُلَيكة _ بضم الميم وفتح اللام _ زهير بن عبد الله التَّيميُّ الأحول المكِّي، القاضي على عهد ابن الزبير (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) وفي رواية زيد .

ورجال هذا الإسناد ما بين بصري ومكِّي، وفيه رواية التَّابعي عن الصَّحابيَّة، وقد أخرج متنه المؤلف في (( الشرب ) )أيضًا [خ¦2364] ، وأخرجه النسائي وابن ماجه في (( الصَّلاة ) )أيضًا.

(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلاَةَ الْكُسُوفِ) روى جماعة أنَّ الكسوف يكون في الشمس والقمر، وروى جماعة فيهما بالخاء المعجمة، وروى جماعة في الشَّمس بالكاف، وفي القمر بالخاء، والكثير في اللغة _وهو اختيار الفرَّاء_ أن يكون الكسوف للشَّمس، والخسوف للقمر، يقال كسفت الشمس وكسفها الله عزَّ وجلَّ وانكسفت، وخسفه الله وانخسف.

وذكر ثعلب في «الفصيح» أنَّ كسفت الشمس وخسف القمر أجود في الكلام.

وفي «التهذيب» لأبي منصور خسف القمر وخسفت الشمس، إذا ذهب ضوءهما.

وقال أبو عُبيدة معمر بن المثنَّى خسف القمر وكسف واحد، ذهب ضوءه، وقيل الكسوفُ أن يكسف

ج 4 ص 340

ببعضهما، والخسوف بكلِّهما قال الله تعالى {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص 81] .

وقال ابنُ حبيب في «شرح الموطأ» الكسوف تغيير اللَّون، والخسوف انخسافهما.

وقال القزَّاز كَسفت الشمس والقمر تكسف كسوفًا، فهي كاسفة، وكُسفت فهي مكسوفة، وقوم يقولون انكسفت وهو غلطٌ.

وقال الجوهريُّ والعامَّة تقول انكسفت. وفي «المحكم» كسفها الله وأكسفها، والأوَّل أعلى، والقمر كالشَّمس.

وقال اليزيدي خسف القمر يخسفُ خُسُوفًا، فهو خَسِفٌ وخَسِيف وخَاسف وانْخَسفت انْخِسَافًا، قال والخسفُ أكثر في ألسنة الناس.

وفي «شرح الفصيح» كسفت الشمس؛ أي اسودَّت في رأي العين، مِن سَتْرِ القمر إيَّاها عن الأبصار، وبعضهم يقول كُسِفَت على ما لم يسم فاعله، وانكَسَفت.

(فَقَامَ) صلى الله عليه وسلم (فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ) رأسه (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ) رأسه (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي من الصَّلاة بعد أن فرغَ منها على هذه الهيئة.

(فَقَالَ قَدْ دَنَتْ) أي قربت من الدُّنوِّ (مِنِّي الجنَّةُ، حَتَّى لَو اجترأتُ عَلَيهَا) أي على الجنَّة، من الجراءة، وإنما عبَّر بذلك؛ لأنَّه لم يكن مأذونًا من عند الله تعالى لذلك (لجَئِتْكُمُ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا) بكسر القاف فيهما؛ أي بعنقودٍ من عناقيدها.

قال الجوهريُّ العنقود وبجمعه جاء القرآن {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} [الحاقة 23] ، والقطاف _ بالكسر وبالفتح _ وقت القَطف _ بالفتح _، يقال قطفت العنب قطفًا.

وقال ابن الأثير القِطف _ بالكسر _ كلُّ ما يقطف كالذَّبح والطَّحن، ويجمعُ على قطاف وقطوف، وأكثرُ المحدِّثين يرويه بفتح القاف، وإنَّما هو بالكسر.

(وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ) أي بفتح الهمزة (رَبِّ أَوَأَنَا مَعَهُمْ) كذا للأكثر بهمزة الاستفهام بعدها واو عاطفة على مقدر يدلُّ عليه السِّياق، وفي رواية بحذف الهمزة، وهي مقدَّرة، وفي رواية ابن ماجه (( وأنا فيهم ) ).

(فَإِذَا امْرَأَةٌ) كلمة (( إذا ) )للمفاجأة، وقوله (( امرأة ) )، مبتدأ وقوله (حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ) جملة معترضةٌ بينه وبين خبره؛ أي قال نافع بن عمر

ج 4 ص 341

حسبتُ أنَّ أبا مُلَيكة قال، أو المعنى قال أبو هريرة رضي الله عنه حسبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (تَخْدِشُهَا) بفتح المثناة الفوقية وكسر الدال المهملة وبالشين المعجمة، من الخَدْش، وهو قشرُ الجلد بعودٍ ونحوه (هِرَّةٌ) بالرفع، فاعل تخدشها.

(قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ) المرأة (قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لاَ أَطْعَمَتْهَا) أي لا أطعمت المرأة الهرَّة، ويروى بالضمير الرَّاجع إلى المرأة (وَلاَ أَرْسَلَتْهَا) ويروى (تَأْكُلُ) من الأحوال المنتظرة.

(قَالَ نَافِعٌ) أي ابن عمر (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي ابن مليكة، ويروى (قَالَ مِنْ خَشِيشِ الأَرْضِ أَوْ) قال من (خَشَاشِ) أي خشاش الأرض، بدل خشيش الأرض، والخَشِيش _ بفتح الخاء المعجمة وبالشينين المعجمتين _ هو حشرات الأرض وهوامُّها.

والخِشاش _ بكسر الخاء المعجمة _ وقيل مثلَّث الخاء المعجمة، هو الحشرات أيضًا.

وقال ابن الأثير تأكل من خشاش الأرض.

وفي رواية وهو بمعناه، ويروى _ بالحاء المهملة _ وهو يابس النبات، وهو وهمٌ، وقال القاضي عياض هو تصحيفٌ. وقيل إنما هو حُشيش _ بضم الحاء المهملة _ تصغير حشاش على الحذف، أو حشيش بغير حذف.

وقال الخطَّابيُّ الحشيش ليس بشيءٍ، وإنَّما هو الخَشاش _ مفتوحة الخاء المعجمة _ وهي حشرات الأرض.

واعلم أنَّ صلاة الكسوف سنَّة وليست بواجبة على ما هو الأصحُّ. وقال بعض مشايخنا بالوجوب للأمر بها في قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا رأيتم شيئًا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة ) )، ولا يخفى أنَّه لا يستقيم دليلًا على الوجوب، ثمَّ هي ثابتةٌ بالكتاب وهو قوله تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء 59] ، والكسوف آيةٌ من آيات الله تعالى يخوِّف به عباده؛ ليتركوا المعاصي، ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى الَّتي فيها فوزٌ وفلاح.

وبالسُّنَّة وهي ما ذكرناه، وبالإجماع فإنَّ الأمَّة قد أجمعتْ عليها من غير إنكارٍ، ثمَّ هي يصلَّى بها في المسجد الجامع، وفي مصلَّى العيد، قاله الطحاوي.

وقالت الشَّافعية والحنابلة السنة أن يُصلِّى بها في المسجد؛ لأنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم فعلها فيه، ولأنَّ وقت الكسوف يَضِيْقُ عن الخروج إلى المصلَّى، وأما وقتها فالوقت الذي يجوز فيه أداء النَّافلة، وعن مالكٍ لا يصلِّي بعد الزوال، رواه ابن القاسم. وفي رواية ابن وهب يصلِّي وإن زالت الشمس، وعنه لا يصلِّي بعد العصر، ومذهب أبي حنيفة رحمه الله إن طلعت مكسوفة لا يصلِّي حتَّى يدخل وقت الجواز. قال ابن المنذر وبه أقول خلافًا للشَّافعيِّ.

ج 4 ص 342

وفي «المحيط» لا يصلَّى في الأوقات الثلاثة، وذكر أبو عمر في «الاستذكار» قال اللَّيث بن سعد حججتُ سنة ثلاثة عشرة ومائة، وعلى الموسم سليمان بن هشام، وبمكَّة شرَّفها الله تعالى عطاء بن أبي رباح وابن شهاب وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وعَمرو بن شعيب وأيُّوب بن موسى، فكسفت الشمس بعد العصر فقاموا قيامًا يدعون الله تعالى في المسجد، فقلتُ لأيوب ما لهم لا يصلون؟ فقال جاء النَّهي عن الصَّلاة بعد العصر، فلذلك لا يصلُّون، وإنَّما يذكرون حتَّى تنجلي الشَّمس، وهو مذهب الحسن بن أبي الحسن وابن عُلَيَّة والثَّوري.

وقال إسحاق يصلُّون بعد العصر ما لم تصفرَّ الشمس، وبعد صلاة الصُّبح، ولا يصلُّون في الأوقات الثلاثة، فلو كسفت عند الغروب لا يصلَّى إجماعًا.

وقال ابن قدامة إذا كان الكسوف في غير وقت صلاة جعل الدُّعاء مكان الصلاة. وهذا ظاهر المذهب؛ لأنَّ النافلة لا تفعل في أوقات النَّهي سواء كان لها سبب أو لم يكن، روي ذلك عن الحسن وأبي بكر بن عمر وابن حزم وأبي حنيفة ومالك وأبي ثور، ونصَّ عليه أحمد.

روى قتادة قال انكسفتِ الشمس ونحن بمكة شرَّفها الله تعالى بعد العصر فقاموا قيامًا يدعون، فسألت عطاء عن ذلك فقال هكذا يصنعون. وروى إسماعيل بن سعيد عن أحمد أنَّهم يصلُّونها في أوقات النَّهي. قال أبو بكر بن عبد العزيز وبالأول أقول، وهو أظهر القولين.

وأمَّا صفتها فهي كهيئة النافلة عندنا، يعني بغير أذانٍ ولا إقامة مثل صلاة الفجر والجمعة في كل ركعة ركوعٌ واحد، وبه قال النَّخعيُّ والثُّوري وابن أبي ليلى، وهو مذهب عبد الله بن الزبير. ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وروي ذلك أيضًا عن ابن عمر وأبي بَكرة وسَمُرة بن جندب وعبد الله بن عَمرو وقَبيصة الهلالي والنُّعمان بن بَشير وعبد الرَّحمن بن سَمُرة.

وعند الشَّافعي ومالك وأحمد وأبي ثور وعلماء الحجاز صلاة الكسوف ركعتان في كلِّ ركعةٍ ركوعان وسجودان، وعن أحمد وإسحاق في كلِّ ركعة ثلاث ركوعات.

واحتجَّ الشَّافعي ومن معه بحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الأئمَّة السِّتَّة في كتبهم على ما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى [خ¦1051] . وحديث ثلاث ركوعات في كلِّ ركعة، أخرجه مسلم عن عطاء عن جابر رضي الله عنه قال كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى ست ركعاتٍ بأربع سجدات.

وذكر في «الخلاصة الغزالية» إذا انكسفت الشَّمس في وقتٍ مكروهٍ، أو

ج 4 ص 343

غير مكروه نودي للصَّلاة جامعة، وصلَّى الإمام بالنَّاس في المسجد ركعتين، وركع في كلِّ ركعة ركوعين، وأوائلها أطول من أواخرها، ثمَّ ذكر قراءة الطِّوال الأربع في أوَّل القرآن في القيام الأربع، ثم قال ويسبِّح في الرُّكوع الأوَّل قدر مائة آية، وفي الثَّاني قدر ثمانين، وفي الثالث قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين آيةً.

وعند طاوس بن كيسان وحبيب بن أبي ثابت وعبد الملك بن جُرَيح صلاة الكسوف ركعتان في كلِّ ركعة أربع ركوعات وسجدتان. ويحكى هذا عن عليٍّ وابن عبَّاس رضي الله عنهما، واحتجوا في ذلك بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرجه مسلم عن طاوس، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه صلى في كسوف قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ قرأ ثمَّ ركع، ثمَّ سجد، قال والأخرى مثلها.

وقال قتادة وعطاء ابن أبي رباح وإسحاق وابن المنذر صلاة الكسوف ركعتان في كلِّ ركعةٍ ثلاث ركوعاتٍ وسجدتان. وعند سعيد بن جُبير وإسحاق بن راهويه في رواية، ومحمد بن جريرٍ الطَّبري وبعض الشافعيَّة لا توقيت في الرُّكوع في صلاة الكسوف، بل يُطيل أبدًا يركع ويسجد إلى أن تنجليَ الشَّمس.

وقال القاضي عياض قال بعض أهل العلم إنَّما ذلك بحسب مُكث الكسوف فما طالَ مُكثه زاد تكرار الرُّكوع فيه، وما قصرَ اقتصر فيه، وما توسَّط اقتصد فيه، قال وإلى هذا نحى الخطَّابي وابن راهويه وغيرهما.

وقد يعترض عليه بأنَّ طولها ودوامها لا يعلم من أوَّل الحال ولا من الرَّكعة الأولى.

وأصحابنا احتجُّوا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما أخرجه أبو داود والتِّرمذي في «الشمائل» ، والنسائي عن عطاء بن السَّائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما قال انكسفت الشَّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكد يركع، ثمَّ ركع فلم يكد يرفع، ثمَّ رفع فلم يكد يسجد، ثمَّ سجد فلم يكد يرفع، ثمَّ رفع، وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. الحديث.

وبحديث النُّعمان بن بشير رضي الله عنه رواه أبو قلابة عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا خسفت الشمس والقمر فصلُّوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة ) )، رواه النسائي وأحمد والحاكم في «مستدركه» وقال على شرطهما. ورواه أبو داود ولفظه كسفت الشَّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يصلِّي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلتْ. وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضًا. وقال البيهقي هذا مرسل

ج 4 ص 344

أبي قِلابة عن النُّعمان؛ لأنه لم يسمع منه، وقال ابن حزم أبو قِلابة أدرك النُّعمان، وروى هذا الخبر عنه، وصرَّح ابن عبد البر بصحَّة هذا الحديث. وقال مِن أحسن حديث ذهب إليه الكوفيُّون حديث أبي قِلابة عن النعمان، فردَّ كلام البيهقي؛ لأنَّه بلا دليل، ولأنَّه نافٍ وغيره مثبت.

وبحديث قَبيصة الهلاليِّ أخرجه أبو داود عنه قال كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فزعًا يجرُّ ردائه وأنا معه يومئذٍ بالمدينة، فصلَّى ركعتين، فأطال فيهما القيام، ثمَّ انصرف فانجلتْ، فقال (( إنَّما هذه الآيات يخوِّف الله بها، فإذا رأيتموها فصلُّوا كأحدث صلاةٍ صلَّيتموها من المكتوبة ) ). وأخرجه النَّسائي أيضًا، والحاكم في «المستدرك» وقال صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال البيهقي _ بعد أن رواه _ سقط بين أبي قِلابة وقَبيصة رجلٌ هو هلال بن عامر. وقال النوويُّ في «الخلاصة» وهذا لا يقدح في صحَّة الحديث.

وبحديث أبي بكرة رضي الله عنه أخرجه البخاريُّ عن الحسن عنه، قال خسفت الشَّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج يجرُّ رداءه حتَّى انتهى إلى المسجد، وثاب الناس إليه فصلَّى ركعتين فانجلت الشمس. ويأتي في بابه [خ¦1063] .

وبحديث عبد الرحمن بن سَمُرة أخرجه مسلم وفيه (( فصلَّى ركعتين ) )، وقد تكلَّف الخصم في الجواب عن هذين الحديثين؛ لأجل أنَّهما عليهم، فقال النَّوويُّ قوله (( صلَّى ركعتين ) )؛ يعني في كل ركعةٍ قيامان وركوعان.

وقال القرطبيُّ يحتمل أنَّه إنَّما أخبر عن حكم ركعة، وسكت عن الأخرى، وقال العينيُّ في هذين الجوابين إخراج اللَّفظ عن ظاهره من غير ضرورةٍ فلا يجوز، وأيضًا في لفظ النَّسائي (( كما تصلُّون ) )، وفي لفظ ابن حبَّان (( مثل صلاتكم ) ).

وقال الطَّحاوي أكثر الآثار في هذا الباب موافق لمذهب أبي حنيفة ومن معه، وهو النَّظر عندنا؛ لأنَّا رأينا سائر الصَّلوات في المكتوبات والتَّطوُّع مع كلِّ ركعة سجدتان، فالنَّظر على ذلك أن تكون صلاة الكسوف مثلها.

وقال ابن حزم العمل بما صحَّ ورأى عليه أهل بلده، وقد يكون ذلك اختلاف إباحة وتوسعة غير سنَّة.

وقال العينيُّ الصواب أن يقال لم يختلفوا في صلاة الكسوف، بل تحيَّروا، فكلُّ واحدٍ منهم تعلَّق بحديث ورآه أولى من غيره بحسب ما أدَّى إليه اجتهاده في صحَّته، فأبو حنيفة رحمه الله تعلق بأحاديث مَنْ ذكرناهم من الصَّحابة رضي الله عنهم؛ لموافقتها القياس في أبواب الصَّلاة.

وقال أبو إسحاق المروزي وأبو الطَّيِّب وغيرهما تُحمل أحاديثنا على الاستحباب، وأحاديثهم على الجواز، وقال السُّروجي قلنا لم يفعل

ج 4 ص 345

ذلك بالمدينة إلَّا مرَّةً واحدة، فإذا حصل هذا الاختلاف من ركوعٍ واحد إلى عشر ركوعات يعمل بما له أصل في الشَّرع، انتهى.

وقال العينيُّ وفيه نظر؛ لأنَّه نقل صلاة الكسوف غير مرَّة، وفي غير سنة، فروى كلُّ واحدٍ ما شاهده من صلاته صلى الله عليه وسلم وضبطه من فعله.

وذكر النَّوويُّ في «شرح المهذب» أنَّ عند الشافعية لا تجوز الزيادة على ركوعين، وبه قطع جمهورهم، قال وهو ظاهر نصوصه.

وقال العينيُّ الزيادة من العدل مقبولةٌ عندهم، وقد صحَّت الزيادة على الركوعين ولم يعملوا بها، فكلُّ جوابٍ لهم عن الزِّيادة على الرُّكوعين فهو جواب لنا عما زاد على ركوع واحد.

وقال السَّرخسي وتأويل الرُّكوعين فما زاد أنَّه صلى الله عليه وسلم طوَّل الركوع فيها؛ فإنَّه عرضت عليه الجنَّة والنَّار، فملَّ بعض القوم وظنُّوا أنَّه رفع رأسه فرفعوا رؤوسهم، ومن خلف الصَّفِّ الأول ظنُّوا أنَّه ركع ركوعين، فرووه على حسب ما وقع عندهم. وقيل رفع رأسه صلى الله عليه وسلم ليختبرَ حال الشمس هل انجلتْ أو لا؟ هكذا فعل في كلِّ ركوعٍ.

وأمَّا صفة القراءة فيها فمذهب أبي حنيفة رحمه الله أنَّ القراءة تُخفى فيها، وبه قال مالك والشَّافعي. وقال النَّوويُّ في «شرح صحيح مسلم» أنَّ مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة واللَّيث بن سعد وجمهور الفقهاء أنَّه يُسِرُّ في كسوف الشَّمس، ويجهرُ في كسوف القمر.

وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق يجهر فيهما، وحكى الرَّافعيُّ عن الصَّيدلاني مثله، وقال المحبُّ ابن جريرٍ الطَّبري الجهرُ والإسرار سواء، وما حكاه النَّووي عن مالك هو المشهور، بخلاف ما حكاه التِّرمذيُّ.

وقد حكى ابن المنذر عن مالكٍ الإسرار كقول الشَّافعيِّ، وكذا روى ابن عبد البرِّ في «الاستذكار» .

وقال المازريُّ إنَّ ما حكاه التِّرمذيُّ عن مالك في الجهر بالقراءة رواية شاذَّة ما وقفت عليها في غير كتابه، قال وذكرها ابنُ شعبان عن الواقديِّ عن مالك.

وقال القاضي عياض في «الإكمال» ، والقرطبي في «المفهم» إنَّ معن بن عيسى والواقدي رويا عن مالك الجهر، قالا ومشهور قول مالك الإسرار فيها.

وأما ما حكاه التِّرمذيُّ عن الشَّافعي من الإسرار فهو المعروف عنه وهو الذي رواه البُوَيْطي والمزني، وحكى الرَّافعيُّ أنَّ أبا سليمان الخطَّابي ذكر أنَّ الذي يجيء على مذهب الشَّافعي الجهر فيهما، وتابعه النَّووي في «الروضة» على نقله ذلك، وتعقَّبه في «شرح المهذب» فقال إنَّ ما نقله عن الخطَّابي لم أره في كتابٍ له.

وتعقَّب صاحب «المهمات»

ج 4 ص 346

أيضًا الرَّافعي بأنَّ الذي نقله الخطَّابي في «معالم السنن» الإسرار.

وقال «شارح الترمذي» ما نقله الرَّافعي عن الخطَّابي موجودٌ عنه، وقد ذكره في كتاب «أعلام الجامع الصحيح» فقال بعد أن حكى عن مالك والشافعيِّ وأهل الرأي ترك الجهر بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال فحزرنا قراءته فلو جهر لما احتاج إلى الحزر.

وقال والجهر أشبه بمذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها أثبتت الجهر، قال ويجوز أنَّ ابن عباس رضي الله عنهما وقف في آخر الصفِّ فلم يسمع.

واحتجَّ الطحاويُّ لأبي حنيفة والشافعي ومن معهما في الإسرار بحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخرجه في «معاني الآثار» أنَّه قال ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف حرفًا، ورواه البيهقي وأحمد والطَّبراني وأبو يعلى في «مسانيدهم» ، وأبو نعيم في «الحلية» . وبحديث سَمُرة بن جُندب قال صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف لا نَسمع له صوتًا.

وأخرجه النَّسائي والطَّبراني مطوَّلًا، ثمَّ احتجَّ لأبي يوسف ومحمد ومن معهما في الجهر بحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف، ثمَّ قال ويجوزُ أن يكون ابن عبَّاس وسَمُرة بن جندب رضي الله عنهم لم يسمعا من النبيِّ صلى الله عليه وسلم في صلاته حرفًا، وقد جهر فيهما؛ لبعدهما منه، فهذا لا ينفي الجهر.

وقال أيضًا النَّظر في ذلك يقتضي أن يكون حكمها كحكم صلاة الاستسقاء عند من يراها، وصلاة العيدين؛ لأنَّ ذلك هو المفعول في خاصٍّ من الأيَّام، فكذلك هاهنا.

قال العيني فقد ظهر من كلامه أنَّه مع أبي يوسف ومحمد، وقد اختلفت الأحاديث في الجهرِ والإسرار في صلاة الكسوف؛ فعند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها (( أنَّه صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف ) ).

وقال البخاريُّ في صلاة الكسوف وعند أبي داود من رواية الأوزاعي عن الزُّهري بلفظ (( قراءة طويلة، فجهر بها ) )؛ يعني في الكسوف.

وفي رواية الترمذي من رواية سفيان بن حسين عن الزُّهري بلفظ (( صلَّى صلاة الكسوف وجهر فيها بالقراءة ) )، وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.

وعند أصحاب «السنن» من حديث سمُرة وابن عبَّاس رضي الله عنهما كما ذكرنا أنَّهما لم يسمعا حرفًا، ولا شكَّ أنَّ حديث عائشة رضي الله عنها أصرحُ بالجهر فيها، وحديثها متَّفق عليه.

وقد أجاب عنه القائلون بالإسرار بجوابين أحدهما ما قاله النَّووي في «شرح صحيح مسلم» أنَّ هذا عند أصحابنا والجمهور محمول على كسوف القمر، والثاني ما قاله ابن عبد البر

ج 4 ص 347

في «الاستذكار» في الإشارة إلى تضعيف الحديث.

وقال العيني يردُّ الجواب الأول ما رواه إسحاق بن راهويه عن الوليد بن مسلم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في كسوف الشمس، وجهر بالقراءة. رواه الخطَّابي في «أعلام الجامع» من طريق ابن راهويه.

وأمَّا تضعيف ابن عبد البر الحديث فكأنَّه من جهة سفيان بن حسين عن الزُّهري، فإن أحمد قال فيه ليس بذاك في حديثه عن الزُّهري، وعن يحيى ثقة في غير الزُّهري، ولا يدفع.

وقال العيني قال ابنُ شيبة يعقوبُ صدوقٌ ثقة، روى له مسلم في «مقدمة كتابه» واستشهدَ به البخاري، وروى له الأربعة، ومع ذلك فقد تابعه على ذلك عن الزُّهري عبد الرحمن بن نَمِر، وسليمان بن كثير وإن كانا ليِّني الحديث.

وقال «شارح الترمذي» وعلى هذا فالمختار الجهر، فلذلك قال الخطَّابي إنَّه أشبه بمذهب الشَّافعي لقوله إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي.

وقال البخاري حديث عائشة في الجهر أصحُّ من حديث سَمُرة، وقال البيهقيُّ في «الخلافيات» لكنَّه ليس بأصحَّ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي قال فيه نحوًا من قراءة سورة البقرة.

قال الشَّافعي فيه دليلٌ على أنَّه لم يسمع ما قرأ؛ لأنَّه لو سمعه لم يُقدِّره بغيره.

فإن قيل قال الشَّافعي وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال قمتُ إلى جنب النَّبي صلى الله عليه وسلم في خسوف الشمس، فما سمعت منه حرفًا.

فالجواب أنَّه لا يصحُّ هذا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ لأنَّ في إسناده ابن لَهيعة، وفي آخرَ الواقدي، وفي آخرَ الحكم بن أبان.

وأمَّا صلاة خسوف القمر فقال أصحابنا ليس في خسوف القمر جماعة، وقيل الجماعة جائزة عندنا، لكنَّها ليست بسنَّة لتعذُّر اجتماع الناس بالليل، وإنَّما يصلِّي كل واحد منفردًا. وعند مالك لا صلاةَ فيه، وعند الشَّافعي يصلَّى للخسوف كما يصلَّى للكسوف بجماعة وركوعين، وبالجهر بالقراءة وبخطبتين بينهما جلسة، وبه قال أحمد وإسحاق إلَّا في الخطبة.

واستدلَّ أبو حنيفة ومالك بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جمع لكسوف الشَّمس، ولمَّا خسف القمر في جمادى سنة أربع فيما ذكره ابن الجوزي وغيره لم يجمع فيه. وقال مالك لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جمع لخسوف القمر، ولا نقل أحدٌ من الأئمة بعده أنَّه جمع فيه.

وذكر ابن قُدامة أنَّ أكثر أهل العلم على مشروعيَّة الصَّلاة لخسوف القمر، فعله ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وبه قال عطاء والحسن وأبو ثور، وهو مرويٌّ عن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وجماعة المحدِّثين وعمر بن عبد العزيز

ج 4 ص 348

مستدلِّين بقوله (( إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم فصلُّوا ) ).

وروى الدَّارقطني من حديث إسحاق بن راشد عن الزُّهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي في كسوف الشَّمس والقمر أربع ركعاتٍ وأربع سجدات، ويقرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بـ {يس} . وفي حديث قَبيصة مرفوعًا (( إذا انكسفت الشَّمس والقمر فصلُّوا ) ).

وروى الدَّارقطنيُّ بسندٍ جيدٍ من حديث حبيب بن ثابت عن طاوس عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في كسوف الشَّمس والقمر ثمان ركعاتٍ في أربع سجداتٍ.

وبوَّب البخاري باب (( صلاة كسوف القمر ) )على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى [خ¦1062 قبل] .

فائدة قد اختلفتْ الأحاديث الواردة في كيفيَّة صلاة الكسوف في الاقتصار على ركعتين، كما في حديث أبي بكرة وغيره. وثلاث ركعات في كلِّ ركعة، كما في حديث جابر، وأربع ركعات في ركعتين، كما في حديث عائشة وغيره، وستُّ ركعات في ركعتين، كما في حديث جابر وغيره، وثمان ركعات في ركعتين، كما في حديث أبيِّ بن كعب، وخمسة عشر ركعةً في ثلاث ركعات، رواه الحاكم في «المستدرك» عن أبيِّ بن كعب.

وممَّا يستفاد من الحديث المذكور أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان اليوم، وهو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة.

وقيل إنَّ تعذيب الحيوان غير جائزٍ، وأنَّ المظلوم من الحيوان يسلَّط يوم القيامة على ظالمه، وفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.

فائدة أخرى اعلم أنَّ صلاة الكسوف رويت عن أربعة وعشرين نفسًا من الصَّحابة رضي الله عنهم، منهم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أخرج حديثه السِّتَّة ما خلا الترمذي [خ¦1053] ، وابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرج حديثه البخاريُّ [خ¦1052] ومسلم وأبو داود والتِّرمذي والنسائيُّ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أخرج حديثه أحمد.

وعائشة رضي الله عنها أخرج حديثها السِّتَّة [خ¦1049] [خ¦1050] ، وعبد الله بن عمرو أخرج حديثه البخاريُّ [خ¦1054] ومسلم والنسائيُّ، والنُّعمان بن بشير أخرج حديثه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه، والمغيرة بن شعبة أخرج حديثه الشَّيخان [خ¦1043] ، وأبو مسعودٍ أخرج حديثه الشَّيخان [خ¦1041] والنَّسائي وابن ماجه.

وأبو بكرة أخرج حديثه البخاري [خ¦1040] والنَّسائي، وسمُرة بن جندب أخرج حديثه أصحاب «السنن» من رواية ثعلبة بن عِبَاد _ بكسر العين وتخفيف الموحدة _.

وابن مسعود رضي الله عنه أخرج حديثه أحمد، وابن عمر رضي الله عنهما

ج 4 ص 349

أخرج حديثه الشَّيخان [خ¦1042] والنسائي، وقبيصة الهلالي أخرج حديثه أبو داود والنَّسائي، وجابر أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنَّسائي، وأبو موسى رضي الله عنه أخرج حديثه الشَّيخان [خ¦1059] والنَّسائي، وعبد الرَّحمن بن سمُرة أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنَّسائي.

وأُبيُّ بن كعب أخرج حديثه أبو داود، وبلال أخرج حديثه البزَّار والطَّبرانيُّ في «الكبير» و «الأوسط» ، وحذيفة أخرج حديثه البزَّار، ومحمود بن لَبِيد أخرج حديثه أحمد، وأبو الدَّرداء أخرج حديثه الطبرانيُّ في «الكبير» ، وأبو هريرة أخرج حديثه النَّسائي، وأمُّ سفيان أخرج حديثها الطبرانيُّ في «الكبير» ، وعقبة بن عامر أخرج حديثه الطبرانيُّ في «الكبير» رضوان الله عليهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت