66 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ؛ بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس، وقد مر في باب «تطوع قيام رمضان» [خ¦37] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاري البخاري، ابن أخي أنس لأمه كان يسكن دار جده بالمدينة وهو تابعي، سمع أباه وعمه لأم أنس بن مالك وغيرهما، واتفقوا على توثيقه، وهو أشهر إخوته وأكثرهم حديثًا، وهم عبد الله، ويعقوب، وإسماعيل، وعمر بنو عبد الله، وكان مالك لا يقدم على إسحاق أحدًا في الحديث، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، روى له الجماعة.
(أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء اسمه يزيد (مَوْلَى عَقِيلِ) بفتح العين (بْنِ أَبِي طَالِبٍ) وقيل مولى أخيه علي رضي الله عنه، وقيل مولى أختهما أم هانئ ولكنه كان يلزم عقيلًا فنسب إليه، روى عن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي واقد رضي الله عنهم، وكان شيخًا قديمًا، وأما عقيل
ج 1 ص 449
فهو أخو علي لأبوين رضي الله عنهما وهو أسن من علي بعشرين سنة، شهد بدرًا مع المشركين فأُسِرَ يومئذ، ثم أسلم، وكان أعلم قريش بأيامها وأنسابها ومثالبها ومناقبها، وترك عليًا ولحق بمعاوية ومات بعد ما عَمِيَ في دولته.
(أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) بالقاف والدال المهملة، واسمه الحارث بن مالك، أو ابن عوف، أو عوف بن الحارث واشتهر بكنيته (اللَّيْثِيِّ) بالمثلثة، قال بعضهم شهد بدرًا ولم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكر بعضهم أنه كان قديم الإسلام، ويقال أسلم يوم الفتح وأخبر عن نفسه أنه شهد حُنينًا قال وكنت حديث عهد بكفر، وهذا يدل على تأخر إسلامه، وشهد بعد النبي صلى الله عليه وسلم اليرموك، ثم جاور بمكة ومات بها سنة ثمان وستين، ودفن في مقبرة المهاجرين.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين حديثًا، اتفقا على حديث وهو هذا، وزاد مسلم حديثًا آخر، وفي الصحابة أبو واقد ثلاثة أحدهم هذا، وثانيهم أبو واقد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثالثهم أبو واقد النميري.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار، ومنها أن رجاله كلهم مدنيون، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، ومنها أنه ليس للبخاري عن أبي واقد غير هذا الحديث لم يروه عنه إلا أبو مرة، ولم يروه عن أبي مرة إلا إسحاق، وقد أخرج متنه المؤلف في «الصلاة» أيضًا [خ¦474] ، وأخرجه مسلم في «الاستئذان» ، وأخرجه الترمذي في «الاستئذان» [1] وقال حسن صحيح، وأخرجه النسائي في «العلم» .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا) قد مر غير مرة أن «بينما» أصله «بين» زيدت فيه لفظة «ما» ، وفي بعض النسخ بإشباع فتحة النون بغير كلمة «ما» وهي من الظروف اللازمة الإضافة إلى الجملة وهي هنا قوله (هُوَ جَالِسٌ) مبتدأ وخبر (فِي الْمَسْجِدِ) النبوي (وَالنَّاسُ مَعَهُ) جملة حالية (إِذْ أَقْبَلَ) جواب «بينما» وعامله (ثَلاَثَةُ نَفَرٍ) النفر بالتحريك للرجال من ثلاثة إلى عشرة، وفي (( العباب ) )(النفَر والنفير عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، وجمعه أنفار وأنفرة ونفراء، ومعناه ثلاثة هم نفر؛ أي رجال لا أن معناه أنفار ثلاثة حتى يكون أقل ما يفهم منه تسعة كما اشتبه على بعضٍ وهو اسم جمع، ولذا وقع مميزًا للثلاثة كالجمع، ومن قبيله
ج 1 ص 450
قوله تسعة رهط؛ أي أقبل ثلاثة رجال من الطريق فدخلوا المسجد مارِّين).
(فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) منهم (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) حين رأوا مجلسه صلى الله عليه وسلم (وَذَهَبَ وَاحِدٌ) يدل على هذا المعنى ما في حديث أنس رضي الله عنه فإذا ثلاثة نفر يمرون فلما رأوا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إليه اثنان منهم واستمر الثالث ذاهبًا فسقط ما يقال كيف قال أولًا أقبل ثلاثة، وثانيًا أقبل اثنان، ولا يخلو من أن يكون المقبل اثنين أو ثلاثة.
(قَالَ) ؛ أي أبو واقد (فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي وقفا على مجلسه صلى الله عليه وسلم، أو أشرفا عليه ومنه وقفته على ذنبه؛ أي أطلعته عليه، وقال بعضهم (على) بمعنى (عند) ، وتعقبه محمود العيني بأنها لم تجيء بمعنى عند فمن ادعى ذلك فعليه البيان، وزاد الترمذي والنسائي وكذا أكثر رواة (( الموطأ ) ) «فلما وقفا سلَّما» ، ولم يذكره المؤلف هنا ولا في «الصلاة» ، وكذا لم يقع في رواية مسلم، وعلى ثبوته يستفاد منه أن الداخل يبدأ بالسلام، وأن القائم يسلم على القاعد، وإنما لم يذكر رد السلام عليهما؛ اكتفاء بشهرته.
وقال الحافظ العسقلاني (أو يستفاد منه أن المستغرق في العبادة يسقط عنه الرد، ولم يذكر أيضًا أنهما صليا تحية المسجد، فإما أن يكون ذلك قبل أن تشرع، أو كانا على غير وضوء، أو وقع فلم ينقل للاهتمام بغير ذلك من القصة، أو كان في غير وقت تنفل من الأوقات المكروهة) .
(فَأَمَّا) بفتح الهمزة تفصيل لأحوالهم (أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً) ؛ بضم الفاء، وفي رواية ابن عساكر بفتحها وقد تقدم أنهما لغتان [خ¦66 قبل] (فِي الْحَلْقَةِ) بإسكان اللام (فَجَلَسَ فِيهَا) أي في الفرجة أو في الحلقة (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء؛ أي الثاني من الاثنين (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) ويستفاد من ذلك استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم، وأن من سبق إلى موضع منها كان أحق به (وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ) من الإدبار وهو التولي.
(ذَاهِبًا) أي مستمرًا في ذهابه ولم يرجع (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي عما كان مشتغلًا به من الخطبة، أو تعليم العلم، أو الذكر أو نحو ذلك (قَالَ أَلاَ) بالتخفيف حرف تنبيه، ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام و «لا» للنفي.
(أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟)
ج 1 ص 451
وفي الكلام طيٌّ كأنهم قالوا أخبرنا يا رسول الله فقال (أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى) بقصر الهمزة؛ أي لجأ (إِلَى اللَّهِ) أو انضم إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَآوَاهُ) بالمد (اللَّهُ) إليه؛ أي جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته وجنته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظل عرشه فنسبة الإيواء الذي هو الإنزال عندك وهو لا يتصور في حق الله تعالى مجاز عن لازمه الذي هو إرادة إيصال الخير مما ذكرنا فيكون ذكر الملزوم وإرادة اللازم ويُسمَّى مثل هذا المجاز مجاز المشاكلة والمقابلة كما في قوله تعالى {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران 54] .
(وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء أيضًا (فَاسْتَحْيَا) أي ترك المزاحمة حياء من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، قاله القاضي عياض، ويقال معناه استحيى من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في رواية الحاكم و «مضى الثاني قليلًا ثم جاء فجلس» (فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ) أي جازاه بمثل فعله بأن رَحِمَهُ ولم يعاقبه، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة وذلك؛ لأن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يذم به، وهو محال على الله تعالى فيكون مجازًا عن ترك العقاب، فيكون هذا أيضًا من قبيل ذِكر الملزوم وإرادة اللازم.
(وَأَمَّا الآخَرُ) الثالث (فَأَعْرَضَ) أي عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلتفت إليه بل ولىَّ مدبرًا (فَأَعْرَضَ اللَّهُ) تعالى (عَنْهُ) أي جازاه بأن سخط عليه، وهذا أيضًا كالأول والثاني، فإن الإعراض هو التفات إلى جهة أخرى وذلك غير مستقيم في حق الله تعالى فيكون مجازًا عن السخط والغضب المجاز عن إرادة الانتقام.
واعلم أن إعراض الله تعالى عنه محمول على أنه ذهب مَعرِضًا لا لعذر، ويحتمل أن يكون منافقًا فاطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أمره، وأما من ذهب لعذر لا إعراضًا عن نبيه صلى الله عليه وسلم فلا يستحق لسخط الله وغضبه تعالى، ثم إن الأفعال الثلاثة يحتمل أن تكون إخبارًا وأن تكون إنشاء لكن ما وقع في حديث أنس رضي الله عنه «وأما الآخر فاستغنى فاستغنى الله عنه» يؤيد كونها إخبارًا، فافهم.
وفي الحديث من الفوائد غير ما ذكرناه في الأثناء فضل ملازمة حلق الذكر والعلم، وجلوس العالم والمذكِّر في المسجد، وفضل سد خلل الحلقة، وقد ورد الترغيب في سد خلل الصفوف
ج 1 ص 452
في الصلاة، وجواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ فإن خشي ذلك استحب الجلوس حيث ينتهي، والثناء على من زاحم في طلب الخير، واستحباب القرب من العالم الكبير فيسمع كلامه، وأن من جلس في مجلس علم فهو في كنف الله وإيوائه، قال ابن بطال وكذلك يجب على العالم أن يؤوي المتعلم لقوله «فآواه الله» ، وأنَّ مَن قصد العلم ومجالسه فاستحيى ممن قصده فإن الله يستحيي منه فلا يعذبه، وأن من حسن الأدب أن يجلس المرء حيث ينتهي ولا يُقِيم أحدًا، وقد روي ذلك في الحديث أيضًا، واستحباب الثناء على من فعل جميلًا كالاستحياء، وأن من أعرض عن مجالسة العلم فإن الله يعرض عنه، وجواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة، ثم إن الحافظ العسقلاني قال (لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية واحد من الثلاثة المذكورين والله أعلم) .
[1] (( وأخرجه الترمذي في الاستئذان ) )ليست في (خ) .