فهرس الكتاب

الصفحة 1220 من 11127

765 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ المصريُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ) بضم الجيم وفتح الموحدة (ابْنُ مُطْعِم) بضم الميم وكسر العين، وفي رواية ابن خزيمة من طريق سفيان عن الزُّهري (( حدَّثني محمد بن جبير ) ) (عَنْ أَبِيهِ) جبير بن مطعم بن عديٍّ رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلف في (( الجهاد ) ) [خ¦3050] و (( التفسير ) )أيضًا [خ¦4854] ، وأخرجه مسلم وأبو داود في (( الصَّلاة ) )، وأخرجه النسائيُّ في (( الصلاة ) (( التفسير ) )، وابن ماجه في (( التفسير ) ).

(قَالَ) أي أنَّه قال (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صلَّى الله عليهِ وسلَّم قَرَأَ) وفي رواية ابنِ عساكر بلفظ المضارع، وكذا هو في «الموطأ» وعند مسلم (فِي) صلاة (الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ) أي بسورة الطور.

قال ابن الجوزيِّ يحتمل أن تكون (( الباء ) )بمعنى (( من ) )، كقوله تعالى {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان 6] أي قرأ ببعضها.

وقال الطحاويُّ يجوز أن يريدَ بقوله {وَالطُّورِ} قرأ ببعضها، وذلك جائزٌ في اللغة، يقال فلان يقرأ القرآن، إذا قرأ بعضه، ويحتمل أن يكون معناه قرأ بكلِّها قال فنظرنا في ذلك هل يروى فيه شيءٌ يدلُّ على أحد التَّأويلين، فإذا صالح بن عبد الرحمن وابن أبي داود قد حدَّثانا قالا نا سعد بن منصور، قال نا هُشَيم، عن الزهريِّ، عن محمد بن جبير بن مطعم،

ج 4 ص 404

عن أبيه قال قدمت المدينة على عهد النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم لأكلِّمه في أسارى بدرٍ، فانتهيت إليه وهو يصلِّي في صلاته صلاة المغرب، فسمعتُه يقول {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور 7] ، فكأنَّما صدع قلبي فلمَّا فرغ كلمته فيهم، فقال شيخ لو كان أتاني لشفَّعته فيهم؛ يعني أباه مُطعم بن عديٍّ.

فهذا هُشَيم قد روى هذا الحديث عن الزُّهري فبيَّن القصَّة على وجهها، وأخبر أنَّ الذي سمعه من النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم من هذه السُّورة هو هذه الآية خاصَّة، انتهى.

وفيه نظرٌ من وجوه

الأول أنَّه ليس في السِّياق ما يقتضي قوله خاصَّة.

والثاني أنَّه رواه ابن ماجه فلمَّا سمعته يقرأ {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} إلى قوله {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [الطور 38] كاد قلبي يطير.

وقد وقع عند البخاريِّ في (( التفسير ) )سمعتُه يقرأ بالطُّور فلمَّا بلغ هذه الآية {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} الآيات إلى قوله {الْمُسَيْطِرُونَ} [الطور 35 - 37] كاد قلبي يطير، ونحوه لقاسم بن أصبغ.

وفي رواية أسامة ومحمد بن عَمرو سمعتُه يقرأ {وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} [الطور 1 - 2] .

وفي رواية ابن سعدٍ عنه قال قدمتُ المدينة في فداء أسرى بدرٍ فاضطجعتُ في المسجد بعد العصر وقد أصابني الكِرَى فنمتُ فأقيمت صلاة المغرب، فقمتُ فزعًا بقراءةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغرب {وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} [الطور 1 - 2] فاستمعت قراءته حتَّى خرجت من المسجد، وكان يومئذٍ أوَّل ما دخل الإسلام في قلبي.

والثالث إنَّ قوله (( هُشيم عن الزُّهري ) )خالفه الطبرانيُّ في «معجمه الصغير» قال رواهُ إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدِّه، وقال ولم يروه عن إبراهيم إلَّا هُشيم تفرَّد به عنه عروة بن سعيد الرِّبعي وهو ثقةٌ، ثمَّ رواية البخاري أصحُّ من غيره.

وفي «الاستيعاب» روى جماعة من أصحابِ ابن شهاب، عنه، عن محمد بن جبير، عن أبيه (( المغرب أو العشاء ) )، ثمَّ إنَّ الطحاويَّ قد ادَّعى أنَّ الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيدِ بن ثابت أيضًا، وكذا أبداه الخطابيُّ احتمالًا ونظر فيه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه لو كان قرأَ بشيءٍ منها يكون قدر سورةٍ من قصار المفصَّل لما كان لإنكار زيدٍ معنى.

وقد روى حديث زيدٍ هشامُ بن عروة، عن أبيه أنَّه قال لمروان إنَّك لتُخِفُّ القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد كان رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعًا. أخرجه ابنُ خزيمة،

ج 4 ص 405

واختلف على هشام في صحابيَّهِ والمحفوظ عن عروة أنَّه زيد بن ثابت، وقال أكثرُ الرواة عن هشامٍ عن زيد بن ثابت، أو أبي أيوب، وقيل عن عائشة رضي الله عنهم.

أخرجه النسائيُّ مقتصرًا على المتن دون القصة، ثمَّ إن الطُّور على ما رُوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما هو الجبل الذي كلَّمه الله موسى عليه السلام عليه، لغة سريانيَّة.

وفي «المحكم» الطور الجبل، وقد غلب على طورِ سيناء جبل بالشَّام، وهو بالسِّريانيَّة طوري، والنسبة إليه طُوريٌّ وطورانيٌّ.

وزعم ابنُ عبيد البكريُّ أنَّه جبل ببيت المقدس ممتدٌّ ما بين مصر وإيلياء سمِّي بطور ابن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وهو طور سيناء وطور سينين.

وأمَّا طور زيتا بالقصر فجبل بقرب رأس عين وبالبيت المقدس أيضًا جبل يعرف بطور زيتا، وهو الذي جاء فيه الحديث (( مات بطورِ زيتا سبعون ألف نبيٍّ قتلهم الجوع ) ).

وهو شرقي وادي سلوان، وعلى مدينة طبريَّة جبلٌ يقال له الطور، مطلٌّ عليها، وبأرض مصر جبل يقال له الطُّور وفاران، يشتمل على عدَّة قُرى، وطور عَبْدَين اسم بليدة بنواحي نصيبين، وفي قبلى البيت المقدس جبلٌ عالٍ يقال له الطُّور، فيه فيما يقال قبر هارون عليه السلام.

ومن فوائد الحديث أنَّ القراءة في المغرب جهريَّة ولذلك وضع البخاريُّ الباب، فإن أسرَّ فيها فإن كان عمدًا يكون تاركًا للسنَّة وإن كان سهوًا يجب عليه سجدتا السهو، وقد مرَّ تفصيله.

ومنها أنَّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم قرأ في المغرب من طوال المفصل، وقد ذكر أنَّ قراءته صلَّى الله عليهِ وسلَّم ليست كقراءة غيره وله أحوالٌ في ذلك كما ذكر، وقد مرَّ أيضًا أنَّ قراءته في المغرب بالطور ونحوها يجوزُ أن تكون لبيان الجواز وأن تكون لعلمه بعدم المشقَّة، وأمَّا إذا شقَّ ذلك على المأمومين فالأمر على التَّخفيف، ألا ترى كيف أنكر على معاذ رضي الله عنه لمَّا طوَّل الصلاة بافتتاحه بسورة البقرة، فقال له (( أفتَّان أنت يا معاذ؟! قالها مرتين، لو قرأت بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} ، و {الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} فإنَّه يصلِّي خلفك ذو الحاجة والضَّعيف والصَّغير والكبير ) )رواه الطحاويُّ بهذا اللفظ. ورواه البخاريُّ ومسلم أيضًا.

وقد احتجَّ بالحديث من ذهب إلى أنَّ المستحبَّ قراءة السُّورة التي قرأها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وفيه نظرٌ.

وقد استدلَّ به أيضًا الخطابيُّ وغيره على امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق، وفيه نظرٌ لأنَّ من قال أنَّ لها وقتًا واحدًا لم يحده بقراءةٍ معيَّنة بل قالوا لا يجوز تأخيرها عن أول غروب الشَّمس وله أن يمدَّ القراءة فيها ولو غاب الشَّفق.

واستَشكل المحبُّ الطبريُّ إطلاق هذا، وحمله الخطابيُّ قبله على أنَّه يوقع ركعةً في أول الوقت ويديم الباقي ولو غاب الشَّفق ولا يخفى ما فيه لأنَّ تعمُّد إخراج بعض الصلاة عن الوقت ممنوعٌ ولو أجزأت، فلا يحمل ما ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم على ذلك.

واختلف في المراد في المفصَّل مع الاتِّفاق على أنَّ منتهاه آخر القرآن هل هو من أوَّل الصافات، أو الجاثية، أو القتال، أو الفتح، أو الحجرات، أو ق، أو الصفِّ، أو تبارك، أو سبِّح، أو الضُّحى إلى آخر القرآن أقوالٌ أكثرها مستغرب اقتصر في «شرح المهذب» على أربعة من الأوائل سوى الأول والرابع، وحكى الأوَّل والسَّابع والثامن ابن أبي الصَّيف اليمنيُّ، وحكى الرابع والعاشر الدِّزْمَارِي في «شرح التنبيه» ، وحكى التَّاسع المرزوقيُّ في «شرحه» ، وحكى الخطَّابي والماوردي العاشر، والرَّاجح الحجرات، ذكره النوويُّ.

ونقل المحبُّ الطَّبري قولًا شاذًا أنَّ المفصَّل جميع القرآن.

وأمَّا ما أخرجه الطَّحاوي من طريق زُرادة بن أوفى قال أقرأني أبو موسى كتاب عمر رضي الله عنهما إليه إقرأ في المغرب آخر المفصَّل، وآخر المفصَّل من {لَمْ يَكُنِ} إلى آخر القرآن، فليس تفسيرًا للمفصَّل بل لآخره، فدلَّ على أنَّ أوَّله قبل ذلك، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت