775 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، ابن عبد الله الكوفيِّ الأعمى، وقد مرَّ في باب (( تسوية الصُّفوف ) ) [خ¦717] ، وفي رواية (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) بالهمزة، شقيق بن سلمة.
(قَالَ جَاءَ رَجُلٌ) هو نهيكُ بن سنان البجليُّ، سمَّاه منصورٌ في روايته عن أبي وائلٍ عند مسلم، ونَهِيك _ بفتح النون وكسر الهاء _ وسِنان _ بكسر السين المهملة _ وبنونين بينهما ألف (إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (فَقَالَ) له (قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ) كله (اللَّيْلَةَ) في ركعةٍ واحدةٍ، قد مرَّ غير مرَّةٍ أنَّ المفصل من سورة القتال أو الفتح أو الحجرات أو قاف إلى آخر القرآن، وسُمِّي مفصَّلًا لكثرة الفصل بين سوره بالبسملةِ على الصَّحيح، ولقول هذا الرَّجل قرأت المفصَّل سببٌ بيَّنه مسلم في أوَّل حديثه من رواية وكيع عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال جاء رجلٌ يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال يا أبا عبد الرَّحمن كيف تقرأُ هذا الحرف {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ} [محمد 15] ، أو غير ياسن؟ فقال عبد الله كلُّ القرآن أحصيتَ
ج 4 ص 434
غير هذا؟، قال إنِّي لأقرأ المفصل في ركعة.
(فَقَالَ) له ابن مسعود رضي الله عنه منكرًا عليه عدم التَّدبُّر وترك التَّرسُّل لا جواز الفعل (هَذًّا) بفتح الهاء وتشديد الذال المعجمة، من هذَّ يهذُّ هذًّا.
في «التهذيب» الهذُّ سرعة القطع وسرعة القراءة، وقال ابن التيانيِّ هذُّ القراءةِ سردها، وانتصابه على المصدريَّة؛ أي أتهذُّ هذًّا، وحرف الاستفهام فيه محذوفٌ تقديره أَهَذًّا، وهي ثابتةٌ في رواية منصور عند مسلم، والاستفهامُ فيه على سبيل الإنكار.
(كَهَذِّ الشِّعْرِ؟) وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ تلك الصِّفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر. وزاد مسلم من رواية وكيع أيضًا أنَّ أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوزُ تراقِيَهم، وزاد أحمد عن أبي معاوية وإسحاق عن الأعمش فيه (( ولكن إذا وقع في القلبِ فَرَسَخَ فيه نَفَعَ ) )، وهو في رواية مسلم دون قوله (( نفع ) ).
(لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ) جمع نظيرة؛ أي السُّور التي يشبه بعضُها بعضًا في الطُّول والقصر.
وقال صاحب «التلويح» النَّظائر المتماثلة في العدد، والمراد هنا المتقاربة؛ لأنَّ الدُّخان ستون آيةً وعمَّ يتساءلون أربعون آيةً.
وقال الحافظ العسقلانيُّ النظائر السُّور المتماثلة في المعاني، كالموعظة والحِكَم والقصص لا المتماثلة في عدد الآي، ثمَّ قال قال المحبُّ الطبريُّ كنت أظنُّ أنَّها متساويةٌ في العدد حتَّى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئًا متساويًا.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الذي قاله ليس بذاك إذ لا دخل للتَّماثل في المعاني في هذا الموضع، وإنَّما المراد التَّقارب في المقدار.
والذي يدلُّ على هذا ما رواه الطحاويُّ حدَّثنا ابن أبي داود، قال ثنا هشام بن عبد الملك، قال نا أبو عَوانة، عن حصين قال أخبرني إبراهيم، عن نهيك بن سنان السُّلمي أنَّه أتى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال قرأت المفصَّل اللَّيلة في ركعةٍ، فقال أهذًّا مثل هذِّ الشِّعر، أو نثرًا مثل نثرِ الدَّقلِ؟، وإنَّما فصَّل لتفصِّلوه، لقد علمنا النَّظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأُ عشرين سورةً النَّجم والرَّحمن على تأليف ابن مسعود كل سورتين في ركعةٍ، وذكر الدُّخان وعمَّ يتساءلون في ركعةٍ، فقلتُ لإبراهيم أرأيت ما دون ذلك كيف أصنع؟ قال ربَّما قرأت أربعًا في ركعة، انتهى.
وهذا ينادي بأعلى صوته أنَّ المراد من النَّظائر السُّور المتقاربة في المقدار لا في المعاني؛
ج 4 ص 435
لأنَّه ذكر فيه النَّجم والرَّحمن وهما متقاربان في المقدارِ؛ لأنَّ الرَّحمن ست وسبعون آية، والنَّجم ثنتان وستون آيةً وهي قريبةٌ من سورة الرَّحمن في كونهما من النَّظائر، وكذا ذكر فيه (( الدُّخان وعم يتساءلون ) )، فإنَّهما أيضًا متقاربان في المقدار فإنَّ الدُّخان سبع أو تسع وخمسون آيةً، وعمَّ يتساءلون أربعون آيةً أو إحدى وأربعون.
وقوله (( فقلت لإبراهيم أرأيتَ ما دون ذلك كيف أصنعُ؟ ) )، معناه ما دون السُّور الأربع المذكورة في المقدار، وهو الطُّول والقصر كيف أصنع؟ (( قال ربَّما قرأت أربعًا ) )؛ أي أربعًا من السُّور التي هي أقصرُ في المقدار من السُّور المذكورة التي هي الرَّحمن والنَّجم والدُّخان وعمَّ يتساءلون.
وقوله (( على تأليف ابن مسعود ) )، أراد به أنَّ سورة النَّجم كانت بحذاء سورة الرَّحمن في مصحفِ ابن مسعودٍ رضي الله عنه بخلاف مصحف عثمان رضي الله عنه.
(الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم يَقْرِنُ) بضم الراء وكسرها (بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) ولم يفسِّرها هاهنا، وقد فسَّرها في رواية أبي داود قال حدَّثنا عبَّاد بن موسى نا إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن إسحاق، عن علقمة والأسود قالا أتى ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه رجلٌ، فقال إنِّي أقرأ المفصَّل في ركعة، فقال أهذًّا كهذِّ الشِّعر، ونثرًا كنثر الدَّقَل؟ لكن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النَّظائر السورتين في ركعة الرَّحمن والنَّجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والذَّاريات والطُّور في ركعة، والواقعة ون في ركعة، وسأل والنَّازعات في ركعة، ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وعبس في ركعة، والمدَّثر والمزَّمل في ركعة، وهَلْ أَتَى ولَا أُقْسِمُ في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ والدخان في ركعة.
فإن قيل الدُّخان ليست من المفصَّل فكيف عدَّها منه.
فالجواب أنَّ فيه تجوُّزًا فلذلك قال في (( فضائل القرآن ) )من رواية واصلٍ عن أبي وائل ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم [خ¦5043] حيث أخرج الدخان من المفصل.
فإن قيل إنَّ قوله في رواية واصل
ج 4 ص 436
(( وسورتين من آل حم ) ) [خ¦5043] ، مشكلٌ لأنَّ الرِّوايات لم تختلف أنَّه ليس في العشرين من الحواميم غير الدُّخان.
فالجواب أنَّه محمولٌ على التَّغليب أو فيه حذف كأنَّه قال وسورتين إحداهما من آل حم.
وفي الحديث كراهة الإفراط في سرعة التِّلاوة؛ لأنَّه ينافي المطلوب من التَّدبُّر والتَّفكُّر في معاني القرآن، ولا خلاف في جواز السَّرد بدون تدبُّرٍ لكن القراءة بالتَّدبُّر أعظم أجرًا، وفيه جواز تطويل الرَّكعة الأخيرة على ما قبلها، والأَولى التَّساوي فيهما إلَّا في الصُّبح والأفضل فيها تطويل الرَّكعة الأولى على الثَّانية، وقد مرَّ تفصيله [خ¦755] .
وفيه جواز الجمع بين السُّور؛ لأنَّه إذا جاز الجمع بين السُّورتين ساغَ الجمع بين ثلاث فصاعدًا لعدم الفرق، وقد روى أبو داود وصحَّحه ابن خُزيمة من طريق عبد الله بن شقيق، قال سألتُ عائشة رضي الله عنها أكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يجمعُ بين السُّور؟ قالت نعم من المفصَّل.
ولا يخالفُ هذا ما سيأتي في (( التَّهجُّد ) ) [خ¦1135] أنَّه صلى الله عليه وسلم جمع بين البقرة وغيرها من الطِّوال لأنَّه يحمل على النَّادر.
وقال القاضي عياض _في حديث ابن مسعود رضي الله عنه_ هذا يدلُّ على أنَّ هذا القدر كان قدر قراءته غالبًا.
وأمَّا تطويله فإنَّما كان في التَّدبُّر والتَّرتيل، وما ورد غير ذلك من قراءة البقرة وغيرها في ركعةٍ فكان نادرًا.
وقال الحافظ العسقلاني ليس في حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه ما يدلُّ على المواظبة، بل فيه أنَّه كان يقرن بين هذه السُّور المعينات إذا قرأ من المفصل.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ آخر كلامه ينقض أوَّله؛ لأنَّ لفظة (( كان ) )تدلُّ على الاستمرار، وهو يدلُّ على المواظبة، فافهم.
وقال الكرمانيُّ وفيه دليلٌ على أنَّ صلاته صلى الله عليه وسلم من اللَّيل عشر ركعاتٍ، وكان يوتر بواحدةٍ.
وفيه أنَّا لا نسلِّم أنَّ ظاهر الحديث يدلُّ على هذا، ولئن سلَّمنا ما قاله، ولكن من أين يدلُّ على أنَّه كان يوتر بواحدةٍ بل فيه موافقةٌ لقول عائشة وابن عباس رضي الله عنهما أنَّ صلاته بالليل كانت عشر ركعاتٍ غير الوتر، وسيجيءُ تحقيقُ هذا في باب الوتر إن شاء الله تعالى.
وفيه أيضًا ما يقوِّي قول القاضي أبي بكر الباقلَّاني أنَّ تأليف السُّور كان عن اجتهادٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم؛ لأنَّ تأليفَ عبد الله المذكور مغايرٌ لتأليف مصحف عثمان رضي الله عنه.
تنبيه هذا الحديث هو الحديث الموصول في هذا الباب، فلهذا صدَّر التَّرجمة بما دلَّ عليه، والله أعلم.
ج 4 ص 437