فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 11127

67 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مسرهد، وقد تقدم في باب «من الإيمان أن يحب لأخيه» [خ¦13] وأنه قيل في آبائه إنه رقية العقرب (قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ) ؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة، ابن الفضل بن لاحق أبو إسماعيل الرقاشي البصري، سمع ابن المنكدر وعبد الله بن عون وغيرهما، وروى عنه أحمد وقال إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، قال أبو زرعة وأبو حاتم ثقة، وقال محمد بن سعد كان ثقة كثير الحديث، وقال إنَّه كان يصلِّي كلَّ يوم أربعمائة ركعة ويصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان عثمانيًَّا، توفي سنة ست وثمانين ومئة، روى له الجماعة.

(قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) ؛ أي عبد الله بن عون _ بفتح المهملة وبالنون _ ابن أرطبان البصري، وأَرْطَبان _ بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح المهملة وتخفيف الموحدة والنون _ مولى عبد الله بن مغفل الصحابي رأى أنس بن مالك ولم يثبت له منه سماع، وسمع القاسم ابن محمد، والحسن، ومحمد بن سيرين وغيرهم، وروى عنه شعبة، والثوري، وابن المبارك، وآخرون، وعن خارجة قال (صحبت ابن عون أربعًا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة) ، وقال أبو حاتم هو ثقة، وقال عمرو بن علي ولد سنة ست وستين، ومات وهو ابن خمس وثمانين، ويقال توفي سنة إحدى وخمسين ومئة،

ج 1 ص 454

وقال ابن حجر سنة خمسين ومئة على الصحيح، روى له الجماعة.

(عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) ؛ محمد وقد مر في باب «اتباع الجنائز» [خ¦47] (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث أبو بحر _ بالموحدة وبالمهملتين _ الثقفي البصري، وهو أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة سنة أربع عشرة، سمع أباه وعليًا وغيرهما، أخرج له البخاري هنا، وفي غير موضع عن ابن سيرين، وعبد الملك بن عمير، وخالد الحذاء عنه عن أبيه، قال ابن معين توفي سنة ست وتسعين، روى له الجماعة، (عَنْ أَبِيهِ) ؛ أبي بكرة وقد تقدم في باب «المعاصي من أمر الجاهلية» . [خ¦31] ، ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم بصريون، ومنها أن رواته ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم عبد الله بن عون، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وقد أخرج متنه المؤلف في «الحج» [خ¦1741] ، و «التفسير» [خ¦4662] ، و «الفتن» [خ¦7078] ، و «بدء الخلق» [خ¦3197] ، وأخرجه مسلم في «الديات» ، والنسائي في «الحج» و «العلم» .

(ذَكَرَ) ؛ أي أبو بكرة؛ يعني أنه كان يحدثهم فذكر (النَّبِيَّ) بنصب «النبي» (صلى الله عليه وسلم) وفي رواية عن أبيه وهو ظاهر، وفي رواية أخرى ذكر بصيغة المجهول النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي قال أبو بكرة رضي الله عنه حال كونه قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية النسائي عن أبي بكرة قال (( وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ) )فالواو إما حالية وإما عاطفة على أن يكون المعطوف عليه محذوفًا، فافهم.

(قَعَدَ) ؛ مقول قال المقدر؛ أي ذكر أبو بكرة النبي صلى الله عليه وسلم قال قعد النبي صلى الله عليه وسلم (عَلَى بَعِيرِهِ) هو الجمل البازل، وقيل الجذع وقد يكون للأنثى، وحكي عن بعض العرب شربت من لبن بعيري وصرعتني بعيري.، وفي «الجامع» البعير بمنزلة الإنسان يَجْمَعُ المذكَّر والمؤنث من الناس، ويجمع على أبعرة وأباعر وأباعير وبعران، وإذا رأيت حملًا على البعد قلت هذا بعير، فإذا استثبته قلت جمل أو ناقة، وبنو تميم يقولون بعير وشعير بكسر الموحدة والشين المعجمة، والفتح هو الصحيح.

هذا وكان ذلك القعود بمِنى يوم النحر في حجة الوداع، وإنما قعد صلى الله عليه وسلم عليه؛ لحاجته إلى إسماع الناس، فالنهي عن اتخاذ ظهورها منابر محمول على ما إذا لم تدعُ حاجة إليه.

(وَ) إما حالية، أو عاطفة (أَمْسَكَ) أي تمسك (إِنْسَانٌ) قيل هو بلال رضي الله عنه بدليل ما رواه النسائي من طريق

ج 1 ص 455

أم الحصين قالت حججت فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل هو عمرو بن خارجة فإنه وقع في (( السنن ) )في حديثه قال كنت آخذًا بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فذكر بعض الخطبة، قال الحافظ العسقلاني (فهو أولى أن يفسَّر به المبهم من بلال؛ لأنه أخبر عن نفسه أنه كان ممسكًا بزمام ناقته صلى الله عليه وسلم قال لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة، فقد ثبت ذلك في رواية الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن ابن عون ولفظه خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته يوم النحر وأمسكتُ إما قال بخطامها، وإما قال بزمامها) .

واستفيد من ذلك أن الشك في قوله (بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ) ممن دون أبي بكرة لا منه، والخِطام بكسر الخاء كالزمام هو الخيط الذي يشد فيه البُرَة، ثم يشد في طرفه المقود، وقد يسمى المقود زمامًا ويقال زممت البعير خطمته.

والبُرَة _ بضم الباء وفتح الراء المخففة _ حلقة من صفر تُجعل في لحم أنف البعير، وقال الأصمعي (تجعل في أحد جانبي المنخرين، وفائدة إمساك الزمام؛ صون البعير عن الاضطراب والإزعاج لراكبه) .

(قَالَ) ؛ وفي رواية أي النبي صلى الله عليه وسلم (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا) مقول القول (فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ) بفتح الهمزة؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم (سَيُسَمِّيهِ) بالسين المؤكدة للتسمية كما في قوله تعالى {سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} حيث قال الزمخشري (السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد إذا قلت سأنتقم منك) .

(سِوَى اسْمِهِ، قَالَ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (أَلَيْسَ) هذا اليوم (يَوْمَ النَّحْرِ) الاستفهام تقريري؛ أي هو يوم النحر كما في قوله تعالى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر 36] أي هو كاف عبده.

(قُلْنَا) وفي رواية (بَلَى) حرف مختص بالنفي ونفيد إبطاله سواء كان مجردًا أو مقرونًا بالاستفهام حقيقة أو توبيخًا أو تقريرًا كما فيما نحن فيه، وفي قوله تعالى {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف 172] أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد مع أن نفي النفي إثبات في رده بـ «بلى» .

ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية لو قالوا نعم كفروا؛ لأن نعم تصديق للخبر بنفي أو إيجاب، ولذلك قال جماعة من الفقهاء لو قال أليس لي عليك ألف؟ فقال بلى لزمته، ولو قال نعم لم تلزمه، وقال آخرون تلزمه فيهما، وجروا في ذلك على مقتضى العرف لا اللغة.

(قَالَ) ؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم،

ج 1 ص 456

(فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمهِ، فَقَالَ) ؛ وفي رواية أي النبي صلى الله عليه وسلم، (أَلَيْسَ) ؛ هذا الشهر، (بِذِي الْحِجَّةِ) بكسر الحاء وفتحها والكسر أفصح، وقيل الفتح أشهر فتدبر، ويجمع على ذوات الحجة، وأما ذو القِعدة فهو _ بكسر القاف _ ويجمع على ذوات القعدة أيضًا.

(فقُلْنَا بَلَى) ؛ هكذا في رواية الكُشميهني وكريمة، وقد سقط في رواية المستملي والأَصيلي والحمُّويي السؤالُ عن الشهر والجواب الذي قبله، ولفظهم هكذا وتوجيهه ظاهر وهو أنه من إطلاق الكل على البعض، ووقع في مسلم وغيره السؤال عن البلد أيضًا، فهذه ثلاثة أسئلة عنده عن اليوم، وعن الشهر، وعن البلد، وهي ثابتة عند المؤلف في «الأضاحي» من رواية أيوب [خ¦5550] ، وفي «الحج» أيضًا من رواية قرة كلاهما عن ابن سيرين [خ¦1741] ، وذكر في أول حديثه خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال (( أتدرون أي يوم هذا؟ ) )قلنا الله ورسوله أعلم فسكتَ حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، وذكر قولهم «الله ورسوله أعلم» في الجواب عن الأسئلة الثلاثة، وكذلك وقع عنده في «الحج» من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال (( أيها الناس أي يوم هذا؟ ) )قالوا يوم حرام، قال (( فأي بلد هذا؟ ) )قالوا بلد حرام قال (( فأي شهر هذا؟ ) )قالوا شهر حرام [خ¦1739] ، وهذه الرواية تشعر بأنهم أجابوه بقولهم هذا يوم حرام، وبلد حرام، وشهر حرام وهي مخالفة لرواية أبي بكرة المذكورة هاهنا، أنهم سكتوا حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، والجواب أن الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بكرة لم يجيبوا بل سكتوا، أو قالوا الله ورسوله أعلم.

ويمكن أن تكون رواية ابن عباس بالمعنى؛ لأن في حديث أبي بكرة عند المصنف هنا وفي «الحج» قلنا بلى [خ¦1741] ، فقولهم «بلى» ، بمعنى قولهم «يوم حرام» بالاستلزام وكذا في السؤالين الآخرين، وغاية ما في الباب أن أبا بكرة رضي الله عنه نقل سياق الحديث بتمامه واختصره ابن عباس، قال الحافظ العسقلاني (وكان ذلك بسبب قرب أبي بكرة منه؛ لكونه آخذًا بخطام ناقته صلى الله عليه وسلم) ، قيل ويحتمل أن تكون الخطبة متعددة في يوم النحر، وقال الحافظ (يحتاج ذلك إلى دليل فليتأمل) .

وفي سكوتهم عن كل سؤال

ج 1 ص 457

أو قولهم «الله ورسوله أعلم» كما ثبت في الرواية حُسْنُ أدبهم؛ لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه، ولذا قال في رواية الباب «حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه» ، وفيه إشارة أيضًا إلى تفويض الأمور بالكلية إلى الشارع والانعزال عما ألفوه من المتعارف المشهور.

قال القرطبي (سؤاله صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان؛ لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، ويستشعروا عظمة ما يخبرهم به، ولذلك بالغ في تحريم هذه الأشياء) وقال

(فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ) ؛ أي سفكها بغير حق، (وَأَمْوَالَكُمْ) ؛ أي وأخذها أيضًا، (وَأَعْرَاضَكُمْ) ؛ أي وثلبها كذلك، وهي جمع عِرض _ بكسر المهملة _ وهو موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه، هكذا قدروا في الأشياء المذكورة، وقال القسطلاني نقلًا عن (( مصابيح الجامع ) )إن الأَوْلى أن يقدر في الثلاثة كلمة واحدة هي لفظة الانتهاك التي بمعنى تناول الشيء بغير حق، فكأنه قال فإن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، من غير حاجة إلى تقدير في كل واحد من الثلاثة، ولا إلى التقييد بكونها بغير حق لإفادة معنى الانتهاك مفاد هذا القيد.

(بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) ومناط تشبيه الدماء والأموال والأعراض في الحرمة باليوم وبالشهر وبالبلد أنهم ما كانوا يرون انتهاك حرمة اليوم والشهر والبلد بحال، وكان تحريمها ثابتًا في نفوسهم مقررًا عندهم بخلاف الدماء والأموال والأعراض، فإنهم كانوا في الجاهلية يستبيحونها، فأعلمهم الشارع بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه كتحريم هذا اليوم في هذا الشهر في هذا البلد، وإنما أوقع تحريم اليوم المذكور مشبهًا به؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون، واشتهر بينهم قبل تقرير الشرع، ولذا قدَّم السؤال عنها بأي يوم هذا، وأي شهر هذا، وحينئذ فإنما شبه الشيء بما هو أعلى منه من حيث الاشتهار والتقرير عندهم، فلا يَرِدُ أن المشبه به أخفض رتبة من المشبه، ومقتضى الحال أن يكون بالعكس فافهم، قال النووي (في هذا التشبيه دليل على استحباب ضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا) .

(لِيُبَلِّغِ) ؛ فعل أمر وكسرت الغين

ج 1 ص 458

لالتقاء الساكنين بقوله (الشَّاهِدُ) أي الحاضر في المجلس (الْغَائِبَ) عنه، والمراد إما تبليغ القول المذكور، أو تبليغ جميع الأحكام (فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى) أي قرب (أَنْ يُبَلِّغَ) بكسر اللام المشددة من التبليغ (مَنْ) أي الذي (هُوَ أَوْعَى) أي أحفظ وأفهم (لَهُ) أي للحديث الذي بلغه (مِنْهُ) صلة لأفعل التفضيل، وفصل بينهما مع أنهما كالمضاف والمضاف إليه بقوله «له» لكونه ظرفًا، وفي الظرف سعة كما جاز الفصل بين المضافين في قوله

~فَرِشْني بخيْرٍ لا أكُونَنْ ومِدْحَتي كناحِتِ يومًا صخْرَة بعَسِيلِ [1]

فإن قوله يومًا فصل بين «ناحت» الذي هو مضاف، وبين «صخرة» الذي هو مضاف إليه مع أن الفاصل غير أجنبي.

وفي الحديث من الفوائد أن العالم يجب عليه تبليغ العلم لمن لم يبلغه وتبيينه لمن لم يفهمه، وهو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وأنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم ما ليس لمن تقدمه، لكن ذلك يكون أقل؛ لأن (عسى) للأطماع لا لتحقيق الشيء، وأن حامل الحديث يؤخذ عنه وإن كان جاهلًا بمعناه وهو مأجور في تبليغه محسوب في زمرة أهل العلم، وأن ما كان حرامًا يجب على العالم أن يؤكد حرمته، ويغلظ عليه بأبلغ ما يجد، وأنه تجوز الخطبة على موضع عال؛ ليكون أبلغ في إسماعها للناس ورؤيتهم له، وأن المال والدم والعرض متساوية في الحرمة.

[1] في هامش الأصل قوله رشني أمر من راش يريش يقال رشت فلانًا إذا أصلحت حاله، والعَسِيل بفتح المهملة، على صيغة الفعيل مكنة العطار الذي يجمع به العطر. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت