فهرس الكتاب

الصفحة 1251 من 11127

782 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضم المهملة وفتح الميم وتشديد المثناة التحتية (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) هو ابن عبد الرحمن بن الحارث، وقد مرَّ في باب (( الاستهام في الأذان ) ) [خ¦615] (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد كلُّهم مدنيُّون، وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي أيضًا.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذَا قَالَ الإِمَامُ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} ) وأراد أن يقول آمين (فَقُولُوا آمِينَ) موافقين له في ذلك (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ) بالتَّأمين (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) قال الخطَّابيُّ هذا لا يخالف ما قال (( إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا ) )؛ لأنَّه نصَّ بالتَّعيين مرَّةً، ودلَّ بالتَّقدير أخرى، فكأنَّه قال إذا قال الإمام {وَلَا الضَّالِّينَ} وأمَّن فقولوا آمين.

ويحتمل أن يكون الخطاب في حديث أبي صالحٍ يعني حديث هذا الباب لمن تباعد عن الإمام فكان بحيث لا يسمع التَّأمين؛ لأنَّ جهر الإمام به أخفضُ من قراءته على كلِّ حالٍ فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه إذا كثرت الصُّفوف وتكاثفتِ الجموع.

وقال العينيُّ ذكر الخطَّابي الوجهين بالاحتمال الذي لا يدلُّ عليه ظاهر ألفاظ الحديثين، فنحن أيضًا نقول يحتمل أنَّ الجهر فيه لأجل تعليمه للنَّاس بذلك لأنَّا لا ننازع في استحباب التَّأمين للإمام وللمأموم أيضًا، وإنَّما النِّزاع في الجهر به، فنحن اخترنا الإخفاء؛ لأنَّه دعاء والسُّنَّة في الدُّعاء الإخفاء، والدَّليل على أنَّه دعاء قوله تعالى في سورة يونس {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس 89] .

قال أبو العالية وعكرمة ومحمَّد بن كعب والرَّبيع بن موسى كان موسى عليه الصَّلاة والسَّلام يدعو وهارون عليه السلام يؤمِّن فسمَّاهما الله تعالى داعيين، فإذا ثبت أنَّه دعاءٌ فإخفاؤه أفضل من الجهر به لقوله تعالى

ج 4 ص 453

{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف 55] .

وقد ذكرنا أخبارًا وآثارًا فيما مضى تدلُّ على الإخفاء، فإن قيل تظاهرت الأحاديثُ بالجهر أيضًا منها ما رواه الطبريُّ في «التهذيب» من حديث عليٍّ رضي الله عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قال {وَلَا الضَّالِّينَ} قال آمين، ومدَّ بها صوته ) ).

وروى ابن ماجه أيضًا عن عليٍّ رضي الله عنه سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال (( {وَلَا الضَّالِّينَ} قال آمين ) ).

ومنها ما رواه البيهقيُّ في «المعرفة» عن ابن أمِّ الحصين عن أمِّه أنَّها صلَّت خلف النبيِّ صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول آمين، وهي في صفِّ النِّساء.

فالجواب أنَّه قد تظاهرت الآثار بالإخفاء أيضًا كما ذكر، وحديث الطبريِّ فيه ابن أبي ليلى وهو ممَّن لا يحتجَّ به، والمعروف عنه أيضًا بخلافه، وحديث ابن ماجه، قال البزَّار في «سننه» هذا حديثٌ لم يثبتْ من جهة النَّقل.

وحديث أمِّ الحصين يُعارضه حديث وائلٍ أنَّه صلَّى مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلمَّا قال (( {وَلَا الضَّالِّينَ} قال آمين، وخفض بها صوته ) )، والرِّجال أدرى بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم من النساء.

قال النوويُّ في هذا الحديث دَلالةٌ ظاهرةٌ على أنَّ تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده، هذا وفيه نظر.

وقال أيضًا وأوَّلوا (( إذا أمَّن ) )بأنَّه إذا أراد التَّأمين جمعًا بين الحديثين، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يحتاج إلى هذا التَّأويل الذي هو خلافُ الظاهر؛ لأنَّ كلاًّ منهما ورد في حالةٍ، ففي حالة أمرِ المأموم بالتَّأمين سكتَ عن تأمين الإمام، وفي حالةٍ أُخرى بيَّن أنَّ الإمام يؤمِّن أيضًا، والمقصودُ استحباب التأمين للإمام وللمأموم أيضًا، وقد ثبت ذلك بالحديثين المذكورين، والله أعلم.

وأمَّا مطابقة الحديث للترجمة فقال الزين ابن المُنيِّر إنَّه من جهة أنَّ في الحديث الأمر بقول آمين، والقولُ إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى أُريد به الإسرار، أو حديث النَّفس قيِّد بذلك.

وقال العينيُّ إنَّ المطلق يتناول الجهر والإخفاء وتخصيصُه بالجهر والحمل عليه تحكُّمٌ فلا يجوز، وقال ابنُ رُشَيد تؤخذ المناسبة منه من جهات منها أنَّه قال (( إذا قال الإمام فقولوا ) )فقابل القول بالقول، والإمام إنَّما قال ذلك جهرًا فكان الظَّاهر الاتِّفاق في الصفة، ومنها أنَّه قال (( فقولوا ) )ولم يقيِّده بجهرٍ ولا غيره وهو مطلقٌ في سياق الإثبات، وقد عُمِل به في الجهر بدليل ما تقدَّم؛ يعني في مسألة الإمام، والمطلق إذا عمل به في صورة لم يكن حجَّة في غيرها باتِّفاق.

ومنها

ج 4 ص 454

أنَّه تقدَّم أنَّ المأموم مأمورٌ بالاقتداء بالإمام، وقد تقدَّم أنَّ الإمام يجهرُ فلزم جهره بجهره انتهى.

وفي كلٍّ من هذه الوجوه نظرٌ.

أمَّا الأوَّل ففيه أنَّ ظاهر الحديث أن لا يقولها الإمام، كما روي عن مالك فضلًا عن الجهر بها، وأمَّا الثاني فلأنَّ الجهر بها في الحديث الذي نطقَ بتأمين الإمام غير منصوصٍ عليه، على ما مرَّ.

وأمَّا هذا الأخير فقد سبق إليه ابن بطَّال، وتعقِّب بأنَّه يستلزم أن يجهر المأموم بالقراءة؛ لأنَّ الإمام جهر بها. لكن يمكن أن ينفصلَ عنه بأنَّ الجهر بالقراءة خلف الإمام قد نُهِيَ عنه فبقي التَّأمين داخلًا تحت عموم الأمر باتِّباع الإمام.

ويتقوَّى ذلك بما تقدَّم عن عطاء أنَّ ابن الزُّبير ومن خلفه كانوا يؤمِّنون جهرًا. وروى البيهقيُّ من وجهٍ آخر عن عطاء قال أدركت مائتين من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد إذا قال الإمام {وَلَا الضَّالِّينَ} سمعت لهم رجَّةً بآمين.

ثمَّ الجهر للمأموم ذهبَ إليه الشافعيُّ في القديم وعليه الفتوى، وقال الرافعيُّ قال الأكثر في المسألة قولان أصحهما أنَّه يجهر.

وأمَّا عند أصحابنا الحنفيَّة فالمذهب هو الإخفاء، وقد تقدَّم التَّفصيل في ذلك.

(تَابَعَهُ) أي تابع سميًّا (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابنُ علقمة اللَّيثي (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وهذه المتابعة وصلها أحمد والدَّارمي عن يزيد بن هارون وابن خُزيمة من طريق إسماعيل بن جعفر والبيهقيُّ من طريق النَّضر بن شُمَيل ثلاثتهم عن محمَّد بن عَمرو نحو رواية سميٍّ عن أبي صالحٍ ولفظ البيهقيِّ (( إذا قال الإمام {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقال من خلفه آمين، ووافق ذلك قول أهل السَّماء، غُفِر له ما تقدم من ذنبه ) ).

(وَ) تابع سميًّا أيضًا (نُعَيْمٌ) على صيغة التَّصغير (الْمُجْمِرِ) على صيغة الفاعل، من الإجمار، وقد مرَّ في أوَّل كتاب (( العلم ) ) [خ¦136] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وقد وصلها النسائيُّ وابن خُزيمة والسرَّاج وابن حبَّان وغيرهم من طريق سعيد بن أبي هلال عن نُعيم المُجمر قال صلَّيت وراء أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ قرأ بأمِّ القرآن حتَّى بلغ {وَلَا الضَّالِّينَ} فقال آمين، وقال النَّاس آمين، ويقول كلَّما سجد الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال الله أكبر، ويقول إذا سلم والذي نفسي بيده إنِّي لأشبهُكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

بوَّب عليه النسائي (( الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) )، وهو أصحُّ حديثٍ ورد في ذلك، وقد تعقِّب استدلاله باحتمال أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه أراد بقوله أشبهكُم؛ أي في معظم الصَّلاة لا في جميع أجزائها.

وقد رواه جماعة غير نُعَيم عن أبي هريرة رضي الله عنه بدون ذكر البسملة، كما سيأتي قريبًا [خ¦785] ، والجواب أنَّ نُعَيمًا ثقة فيقبل

ج 4 ص 455

زيادته، والخبر ظاهرٌ في جميع الأجزاء، فيحمل على عمومه حتَّى يثبت دليلٌ يخصُّه، فليتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت