783 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم، هو ابن يحيى (عَنِ الأَعْلَمِ) على وزن الأفضل، من عَلِم عَلَمًا _ بفتحتين _ إذا صار مشقوق الشَّفة العليا، وقيل السُّفلى، والمشهور أنَّ مشقوق السُّفلى يقال له أفلح، لا من العِلْم _ بكسر العين وسكون اللام _ ثمَّ فسَّره بقوله
(وَهْوَ زِيَادٌ) بكسر الزاي وتخفيف المثناة التحتية، هو ابن حسان بن قرَّة الباهليِّ من صغار التابعين، وقيل له الأعلم؛ لأنَّه كان مشقوق الشَّفة السفلى (عَنِ الْحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) بفتح الموحدة وسكون الكاف، اسمه نُفَيع بن الحارث بن كلدة، وكان من فضلاء الصحابة بالبصرة، وفي رواية سعيد بن أبي عَروبة عند أبي داود والنسائي عن الأعلم قال حدَّثني الحسن أن أبا بكرة حدثه.
ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعي عن الصحابي، وقد أخرج متنه أبو داود والنسائي.
(أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ) أي والحال أنَّه صلى الله عليه وسلم (رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ) وفي رواية النسائيِّ (( عن زياد نا الحسن أنَّ أبا بكرة حدَّثه أنَّه دخل المسجد والنَّبي صلى الله عليه وسلم راكعٌ ) )، وفي رواية أبي داود (( عن الحسن أنَّ أبا بكرة جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكعٌ ) )، وزاد الطبراني من رواية عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه (( وقد أقيمتِ الصَّلاة فانطلقَ يسعى ) )، وفي رواية الطَّحاويِّ (( عن الحسن عن أبي بَكرة قال جئتُ ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكعٌ، وقد حَفَزني النَّفس فركعتُ دون الصف ) ).
(فَذَكَرَ ذَلِكَ) الذي فعله من ركوعه دون الصَّفِّ (لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي داود (( فلمَّا قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم صلاته قال أيُّكم الذي ركعَ دون الصفِّ، ثمَّ مشى إلى الصَّفِّ؟
ج 4 ص 456
فقال أبو بكرة رضي الله عنه أنا )) .
وفي رواية الطبرانيِّ من رواية حمَّاد بن سلمة (( فلمَّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيُّكم دخل الصفَّ وهو راكعٌ ) ).
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا) أي على الخير، قال ابن المُنيِّر صوَّب النبيُّ صلى الله عليه وسلم فعل أبي بَكرة رضي الله عنه من الجهة العامَّة، وهي الحرص على إدراك فضيلة الجماعة وخطأه من الجهة الخاصَّة حيث قال
(وَلاَ تَعُدْ) أي إلى ما صنعت من السَّعي الشَّديد، ثمَّ من الرُّكوع دون الصفِّ، ثمَّ من المشي إلى الصفِّ، وقد ورد ما يقتضي ذلك في طرق الحديث، وقد تقدَّم بعضها.
وفي رواية عبد العزيز المذكورة (( فقال من السَّاعي ) )وفي رواية يونس بن عبيد عن الحسن عند الطبرانيِّ (( قال أيُّكم صاحب هذا النَّفَسِ؟ قال خشيتُ أن تَفُوتني الركعة معك ) )وله من وجهٍ آخر عنه في آخر الحديث (( صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبقَكَ ) )وفي رواية حمَّاد عند أبي داود وغيره (( أيُّكم الرَّاكع دون الصفِّ ) ). وقد تقدَّم من روايته قريبًا (( أيُّكم دخلَ الصفَّ وهو راكعٌ؟ ) ).
وتمسَّك المهلَّب بهذه الرِّواية الأخيرة فقال إنَّما قال له (( لا تَعُدْ ) )؛ لأنَّه مثل بنَفَسه في مشيه راكعًا؛ لأنَّها كمشية البهائم، ولم ينحصرِ النَّهي في ذلك، ولو كان منحصرًا لاقتضَى ذلك عدم الكراهة في إحرام المنفردِ خلف الصَّفِّ، وقد تقدَّم نقل الاتِّفاق على كراهتهِ.
وذهبَ إلى تحريمه أحمد وإسحاق وبعضُ محدِّثي الشَّافعيَّة كابنِ خُزيمة، وقال السفاقسيُّ عن الشافعيِّ؛ يعني لا تركع دون الصَّفِّ، وقيل لا تَعُد أن تسعى إلى الصَّلاة سعيًا يَحْفِزُك في النَّفس، وقيل لا تَعُد إلى الإبطاء.
وقال الطَّحاويُّ قوله لا تَعُد عندنا يحتمل معنيين
أحدهما لا تَعُد أن تركع دون الصَّفِّ حتَّى تقوم في الصَّفِّ، كما قد روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أتى أحدُكم الصَّلاة فلا يركع دون الصَّفِّ حتَّى يأخذَ مكانه في الصَّفِّ ) ).
وثانيهما لا تَعْدُ أن تسعى إلى الصَّفِّ سعيًا يَحْفِزك فيه النَّفس، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا أقيمتِ الصَّلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعون، وأتوها وأنتم تمشونَ عليكم السَّكينة، فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا ) ).
وقال القاضي البيضاويُّ يحتملُ أن يكون عائدًا إلى المشي إلى الصَّفِّ في الصَّلاة فإنَّ الخطوة
ج 4 ص 457
والخطوتين وإن لم تفسد الصَّلاة لكن الأولى التَّحرُّز عنها.
ثمَّ إنَّ قوله (( ولا تَعُد ) )في جميع الرِّوايات بفتح التاء وضم العين، من العودِ، وحكى بعضُ شرَّاح المصابيح أنَّه رُوي بضم أوله وكسر العين، من الإعادة. ويرجِّح الرِّواية المشهورة ما تقدَّم من الزِّيادة في آخره عند الطبرانيِّ (( صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبقَكَ ) ).
قال الطَّحاويُّ في هذا الحديث إنَّه ركع دون الصَّفِّ فلم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعادة. وروي عن ابن مسعودٍ وزيد بن ثابت رضي الله عنهما أنَّهما فعلا ذلك ركعا دون الصَّفِّ ومشيا إلى الصفِّ ركوعًا، وفعله عروة بن الزُّبير وسعيد بن جبير وأبو سلمة وعطاء.
وقال مالك والليث لا بأس بذلك إذا كان قريبًا قدر ما يلحق، وحدَّ القرب فيما حكاه القاضي إسماعيل عن مالكٍ أنَّه يصل إلى الصفِّ قبل سجوده، وقيل يدبُّ قدر ما بين الفرجتين، وفي (( القنية ) )ثلاث صفوف.
وفي «الأوسط» من حديث عطاء أنَّ ابن الزبير قال على المنبر إذا دخل أحدُكم المسجد والنَّاس ركوعٌ، فليركع حتَّى يدخلَ ثمَّ يدبُّ راكعًا حتَّى يدخل في الصَّفِّ، فإنَّ ذلك السنة، قال عطاءٌ ورأيتُه يصنع ذلك.
وفي «المصنف» بسندٍ صحيحٍ عن زيد بن وهبٍ قال خرجتُ مع عبد الله من داره فلمَّا توسَّطنا المسجد ركع الإمام فكبَّر عبد الله، ثمَّ ركع، ثمَّ مشينا إلى الصَّفِّ راكعين حتى رفع القومُ رؤوسهم فلمَّا قضى الإمام الصَّلاة قمتُ لأصلِّي فأخذَ بيدي عبد الله، فأجلسنِي فقال إنَّك قد أدركتَ.
وروي في «المصنف» أيضًا أنَّ أبا أُمامة رضي الله عنه فعل ذلك، وروى أيضًا عن زيد بن ثابت وسعيد بن جُبير وعروة بن الزُّبير ومجاهد والحسن.
وقال أبو حنيفة رحمه الله يكره ذلك للواحد، ولا يكره للجماعة ذكره الطَّحاويُّ، وفي الحديث أيضًا أنَّ دخول أبي بكرة رضي الله عنه في الصَّلاة دون الصفِّ لمَّا كان صحيحًا كانت صلاة المصلِّي كلها دون الصَّفِّ صلاةً صحيحةً، وهو صلاةُ المنفرد خلف الصفِّ، وبه قال الثوريُّ وعبدُ الله بن المبارك والحسن البصري والأوزاعيُّ وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد والشافعيُّ ومالك ولكنَّه يأثم.
أمَّا الجواز فلأنَّه متعلِّقٌ بالأذكار وقد وُجِدَتْ، وأما الإساءة فلوجود النَّهي عنه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 458
(( لا صلاةَ لمنفردٍ خلف الصفِّ ) )ومعناه لا صلاةَ كاملةً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا وضوء لمن لم يسمِّ الله ) )وقوله (( لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلَّا في المسجد ) ).
وقال حمادُ بن أبي سليمان وإبراهيم النَّخعي وابن أبي ليلى ووكيع والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وابن المنذر من صلَّى خلف صفٍّ منفردًا فصلاته باطلةٌ، واحتجُّوا بالحديث المذكور، وقد مرَّ الجواب عنه.
واحتجُّوا أيضًا بحديث وابصة بن معبد الأشجعيِّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلِّي خلف الصفِّ وحدَه فأمره أن يعيدَ الصَّلاة. أخرجه أصحاب «السُّنن» وصحَّحه أحمد وابن خزيمة وغيرهما.
ولابن خُزيمة أيضًا من حديث عليِّ بن شيبان نحوه [1] ، وزاد (( لا صلاة لمنفردٍ خلف الصفِّ ) )، واستدلَّ الجمهور بحديث أبي بكرة على أنَّ الأمر في حديث وابصةَ للاستحباب لكون أبي بكرة أتى بجزءٍ من الصَّلاة خلف الصَّفِّ ولم يؤمر بالإعادة لكن نهى عن العودِ إلى ذلك، فكأنَّه أرشدَ إلى ما هو الأفضل.
وروى البيهقيُّ من طريق مغيرة عن إبراهيم فيمن صلَّى خلف الصفِّ وحده فقال صلاته تامَّة وليس له تضعيفٌ، وجمع أحمد وغيره بين الحديثين بوجهٍ آخر وهو أنَّ حديثَ أبي بكرة مخصِّصٌ لعموم حديث وابصةَ فمن ابتدأ الصَّلاة منفردًا خلف الصفِّ ثمَّ دخل في الصف قبل القيام من الرُّكوع لم تجبْ عليه الإعادة، كما في حديث أبي بكرة وإلَّا فيجب على عموم حديث وابصة وعلي بن شيبان.
ثمَّ إنَّ في سند حديث وابصة اختلافًا بيانه أنَّ الذي يرويه عن هلال بن يساف ليس معروفًا بالعدالة فلا يحتجَّ بحديثه، وهلال لم يسمعْ من وابصة، فهو مرسلٌ، ولذا لم يخرِّجاه.
وقال أبو عمر فيه اضطرابٌ ولا يثبته جماعةٌ، وأمَّا حديث عليِّ بن شيبان، فأخرجه البزَّار في «مسنده» .
وقال عبد الله بن بدر ليس بالمعروف، وعلي بن شيبان لم يحدِّث عنه إلَّا ابنه، وابنه غير معروف وإنَّما ترتفع جهالة المجهول إذا روى ثقتان مشهوران، فأمَّا إذا روى عنه من لا يحتجُّ بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجَّةً ولا ارتفعتْ الجهالة.
وأجاب الطَّحاويُّ عنه أنَّ معنى قوله (( لا صلاةَ للذي خلف الصَّفِّ ) )، لا صلاة كاملةً؛ لأنَّ من سنة الصَّلاة مع الإمام اتِّصال الصُّفوف وسد الفرج فإنَّ قصَّر عن ذلك فقد قصَّر وصلاته مجزئةٌ، ولكنَّها ليست بالصَّلاة المتكاملة فقيل لذلك لا صلاة له؛ أي لا صلاة له متكاملة، كما قال صلى الله عليه وسلم (( ليس المسكين الذي تردُّه
ج 4 ص 459
التَّمرة والتَّمرتان )) الحديث معناه ليس هو المسكين المتكامل في المسكنة، إذ هو يسأل فيُعطى ما يقوته ويواري عورته، ولكنَّ الذي لا يسأل النَّاس ولا يعرفونه فيتصدَّقون عليه.
وقال الخطَّابي وفيه دليلٌ على أنَّ قيام المأموم من وراء الإمام لا يفسد صلاته، وذلك لأنَّ الرُّكوع جزءٌ من الصَّلاة، وإذا أجزأه منفردًا عن القوم أجزأهُ سائر أجزائها كذلك إلَّا أنَّه مكروهٌ لقوله (( فلا تَعُد ) )، ونهيه إيَّاه عن العود إرشادٌ له في المستقبل إلى ما هو أفضل ولو كان نهي تحريمٍ لأمره بالإعادة.
هذا واستنبط بعضهم من قوله (( ولا تَعُد ) )أنَّ ذلك الفعل كان جائزًا، ثمَّ ورد النَّهي عنه بقوله (( ولا تَعُد ) )فلا يجوز العودُ إلى ما نهى عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم. وهذه طريقة البخاريِّ في (( جزء القراءة خلف الإمام ) ).
وفيه أيضًا أنَّ من أدرك الإمام على أيِّ حالٍ يجب أن يوافقه في تلك الحال، وقد وردَ الأمر بذلك صريحًا في «سنن سعيد بن منصور» من رواية عبد العزيز بن رُفَيع عن أناسٍ من أهل المدينة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال (( مَن وجدَني قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، فليكنْ معي على الحال الَّتي أنا عليها ) ).
وفي الترمذيِّ نحوه عن عليٍّ ومعاذ بن جبل مرفوعًا. وفي إسناده ضعفٌ لكنَّه ينجبرُ بطريق سعيد بن منصور المذكورة آنفًا.
[1] في هامش الأصل أخرج ابن ماجه في (( سننه ) )قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر حدَّثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه علي بن شيبان وكان من الوفد، قال خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلَّينا خلفه، قال ثمَّ صلينا وراءه صلاةً أخرى فرأى رجلًا فردًا يصلِّي خلف الصفِّ قال فوقف عليه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم حتَّى انصرف، قال (( استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصفِّ ) ). وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» أيضًا. منه.