فهرس الكتاب

الصفحة 1255 من 11127

784 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ شاهين (الْوَاسِطِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطحان [1] (عَنِ الْجُرَيْرِي) بضم الجيم وفتح الراء الأولى، هو سعيدُ بن إياس (عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير _ بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة _ (عَنْ) أخيه (مُطَرِّفٍ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وفي آخره فاء، هو أخو يزيد بن عبد الله المذكور.

(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) رضي الله عنه، والأوَّلان من رجال الإسناد واسطيان والبقيَّة بصريون، وفيه رواية الأخ عن الأخ، وشيخ المؤلِّف من أفراده (قَالَ) أي أنَّه قال (صَلَّى) أي عمران بن الحُصَين رضي الله عنه (مَعَ عَلِيٍّ) هو ابنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه (بِالْبَصْرَةِ) بتثليث الباء، ذكرها الأزهريُّ، والمشهور الفتح. وحكى الخليل فيها ثلاث لغاتٍ

ج 4 ص 461

أخرى البَصْرة والبَصَرة والبَصِرة الأولى بسكون الصاد، والثانية بفتحها، والثالثة بكسرها.

وقال السمعانيُّ يقال لها قبَّة الإسلام وخزانة العرب، بناها عُتْبة بن غزوان في خلافة عمر رضي الله عنه ولم يعبد الصَّنم قطُّ على أرضها. وكان بناؤها في سنة سبع عشرةُ وطولها فرسخان في فرسخ، وقال الرَّشاطيُّ البصرة من العراق، والبصرة أيضًا مدينة في المغرب بقرب طنجة، وهي الآن خراب. والبصرة أيضًا هي الحجارة الرَّخوة تَضرِب إلى البياض، وسمِّيت البصرة بها؛ لأنَّ أرضها التي بين العقيق وأعلى المربد حجارة. والنِّسبة إليها بَصري وبِصري _ بفتح الباء وكسرها _ وكانت صلاة عمران مع عليٍّ رضي الله عنهما بالبصرة بعد وقعة الجمل.

(فَقَالَ) أي عمران رضي الله عنه (ذَكَّرَنَا) بتشديد الكاف وفتح الراء، من التَّذكير (هَذَا الرَّجُلُ) هو عليٌّ رضي الله عنه، وهذا يدلُّ على أنَّ التَّكبير كان قد تُرِكَ، وقد روى أحمد والطحاويُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه قال ذكَّرنا عليٌّ رضي الله عنه صلاةً كنَّا نصلِّيها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إمَّا نسيناها، وإمَّا تركناها عمدًا.

ولأحمد من وجهٍ آخر عن مُطَرِّف قال قلنا لعمران بن حُصَين يا أبا نُجَيد _ بالنون والجيم مصغرًا _ مَن أوَّل من ترك التَّكبير، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كبر وضَعُف صوته. وهذا يحتمل إرادة ترك التَّكبير.

وروى الطبريُّ عن أبي هريرة إنَّ أوَّل من ترك التكبير معاوية رضي الله عنه. وروى أبو عبيد أن أول من تركه زياد. وهذا لا يُنافي الذي قبله؛ لأنَّ زيادًا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان رضي الله عنه.

وقد حمل ذلك جماعةٌ من أهل العلم على الإخفاء، ويرشِّحه حديث أبي سعيدٍ الآتي في باب (( يكبِّر وهو ينهض من السَّجدتين ) ) [خ¦825] . وسيجيء لهذا تتمَّة إن شاء الله تعالى.

(فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ) أي في جميع الانتقالات في الصَّلاة، ولكن خصَّ منه الرَّفع من الرُّكوع بالإجماع، فإنَّه شرع فيه التَّحميد.

وقال ناصر الدين الزين ابن المُنيِّر الحكمة في مشروعيَّة التَّكبير في الخفض والرَّفع أنَّ المكلَّف أمر بالنِّيَّة أوَّل الصلاة مقرونةً بالتَّكبير، وكان من حقِّه أن يستصحبَ النيَّة إلى آخر الصَّلاة فأمر أن يتجدَّد العهد في أثنائها بالتَّكبير الذي هو شعارُ النيَّة.

ففي الحديث أنَّ التَّكبير في كلِّ خفضٍ ورفعٍ، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومحمد بن سيرين

ج 4 ص 462

وإبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم.

ويحكى ذلك عن ابن مسعودٍ وأبي هريرة وجابر وقيس بن عبادة وآخرين رضي الله عنهم. وكان عمر بن عبد العزيز والقاسم وسالم بن عبد الله وسعيد بن جُبير وقتادة لا يكبِّرون في الصَّلاة إذا خفضُوا.

وقال ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» حدَّثنا أبو داود عن شعبة عن الحسن بن عمران أنَّ عمر بن عبد العزيز كان لا يتمُّ التَّكبير حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر قال صلَّيت خلف القاسم وسالم فكانا لا يتمَّان التَّكبير.

حدَّثنا غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة قال صلَّيتُ مع سعيد بن جبير فكان لا يتمُّ التَّكبير. حدَّثنا عبدة بن سليمان عن مسعر عن يزيد الفقير، قال كانَ ابن عمر ينقصُ التَّكبير في الصَّلاة، قال مسعر إذا انحطَّ بعد الركوع للسُّجود لم يكبِّر، وإذا أرادَ أن يسجدَ الثَّانية لم يكبِّر. ويحكى عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أيضًا.

وأخرج عبد الرزاق في «مصنفه» عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي الوليد قال أخبرني شعبة بن الحجاج عن رجلٍ عن ابن أبزى عن أبيه أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أمَّهم فلم يكبِّر هذا التَّكبير بالرفع والخفض.

وقال العينيُّ المشهور عن هؤلاء التَّكبير في الخفض والرفع ورواية هؤلاء محمولةٌ على أنَّهم قد تركوه أحيانًا بيانًا للجواز أو الرَّاوي لم يسمع ذلك منهم لخفاء الصَّوت، وكان بنو أميَّة يتركون التكبير في الخفض، وهم مثل معاوية وزياد وعمر بن عبد العزيز.

وعن بعض السَّلف أنَّه كان لا يكبِّر إلا تكبيرةَ الإحرام، وفرَّق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجَّهه بأنَّ التَّكبير شرع للإِذْنِ بحركة الإمام فلا يُحتَاج إليه لمنفردٍ، لكن استقرَّ الأمر على مشروعيَّة التكبير في الخفض والرَّفع لكلِّ مصلٍّ.

وقال أبو عبد الله العدني في «مسنده» ثنا بشر بن السري ثنا إسرائيل عن عبد الله قال أوَّل من نقص التَّكبير الوليد بن عقبة، قال عبد الله نقصوها نقصهم الله، فقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبِّر كلَّما ركع وكلَّما سجد وكلَّما رفع رأسه.

فإن قيل ما تقول في حديث عبد الرَّحمن بن أبزى الخزاعيِّ أنَّه صلَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يتمُّ التَّكبير. رواه أبو داود والطحاوي.

فالجواب أنَّه ضعيفٌ ومعلول بالحسن بن عمران أحد رواته، قال الطَّبريُّ

ج 4 ص 463

هو مجهولٌ لا يجوز الاحتجاج به، وقال البخاريُّ في «تاريخه» عن أبي داود الطيالسي إنَّه حديث باطل، فإن قيل سكوت أبي داود والطحاوي يدلُّ على الصِّحَّة عندهما.

فالجواب أنَّا لا نسلم ذلك، ولئن سلَّمنا صحَّته عندهما فالجواب ما مرَّ آنفًا، وتأوَّله الكرخيُّ على نقصان صفةٍ لا نقصان عدد.

وأجاب الطحاويُّ أنَّ الآثار المتواترة على خلافه، وأنَّ العمل على غيره.

فإن قيل تكبيرات الانتقال سنَّةٌ أم واجبةٌ؟

فالجواب أنَّهم اختلفوا فيه فقال قومٌ هي سنَّةٌ، قال ابنُ المنذر وبه قال أبو بكرٍ الصِّدِّيق وعمر وجابر وقيس بن عبادة رضي الله عنهم، وكذا الشعبيُّ والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك وأبو حنيفة والشافعيُّ، ونقله ابن بطَّال عن عثمان وعليٍّ وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير رضي الله عنهم، وكذا عن مكحولٍ والنَّخعي وأبي ثور، وقال الظاهريَّة وأحمد في رواية كلُّها واجبة.

وقال أبو عمر قد قال قومٌ من أهل العلم إنَّ التَّكبير إنَّما هو إذنٌ بحركات الإمام وشعار الصَّلاة وليس بسنَّة إلَّا في الجماعة، فأمَّا من صلَّى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبِّر، وقال سعيدُ بن جبير إنَّما هو شيءٌ يزيِّن به الرَّجل صلاته.

وقال ابنُ حزم في «المحلَّى» التَّكبير للركوع فرضٌ، وقول سبحان ربِّي العظيم في الركوع فرضٌ، والقيام إثر الرُّكوع فرضٌ، فإن كان مأمومًا ففرض عليه أن يقول بعد ذلك ربَّنا لك الحمد، أو ولك الحمد، وليس هذا فرضًا على إمامٍ ولا فذٍّ، فإن قالاه كان حسنًا وسنَّة، والتَّكبير لكلِّ سجدةٍ منها فرضٌ، وقول سبحان ربِّي الأعلى في كلِّ سجدةٍ فرضٌ، ووضع الجبهة واليدين والأنف والركبتين وصدورِ القدمين على ما هو قائمٌ عليه ممَّا أُبيح له التَّصرُّف عليه فرضٌ كلُّ ذلك، والجلوس بين السَّجدتين فرضٌ، والطُّمأنينة فيه فرضٌ، والتَّكبير له فرضٌ لا تجزئ صلاةٌ لأحدٍ من أن يدع من هذا كله عامدًا وإن لم يأت به ناسيًا ألغى ذلك وأتى به كما أُمِر، ثمَّ سجد للسَّهو، فإن عجزَ عن شيءٍ منه لجهلٍ أو عذرٍ مانعٍ سقط عنه وتمَّت صلاته، انتهى.

وقال السفاقسيُّ واختلفوا فيمن ترك التَّكبير في الصَّلاة، فقال ابن القاسم من أسقط ثلاث تكبيراتٍ فأكثر أو التَّكبير كله سوى تكبيرة الإحرام يسجدُ قبل السَّلام، وإن لم يسجد قبل السَّلام سجد بعده، وإن لم يسجد حتَّى طال بطلت صلاته.

وفي «الموضحة» وإن نسي تكبيرتين سجد قبل أن يسلِّم فإن لم يسجد لم تبطل صلاته. وإن ترك تكبيرةً واحدةً، فاختلف قوله هل عليه سجودٌ أو لا؟ وقال ابن عبد الحكم وأصبغ ليس على من ترك التَّكبير سوى السُّجود

ج 4 ص 464

فإن لم يفعل حتَّى تباعد فلا شيء عليه.

وفي «شرح المهذب» فلو ترك التَّكبير عمدًا أو سهوًا حتَّى ركع لم يأت به لفوات محلِّه.

وقال أصحابنا الحنفيَّة لا يجب السُّجود بترك الأذكار كالثناء والتعوُّذ وتكبيرات الركوع والسُّجود وتسبيحاتهما.

هذا وفي الحديث في قوله (( كلَّما خفض ورفع أيضًا ) )متعلَّقٌ لأبي حنيفة وأصحابه أنَّه يكبِّر مع فعل الخفضِ والرفع سواء لا يتقدَّمه ولا يتأخَّره فيما ذكره الطَّحاويُّ من غير مدٍّ، والشافعيُّ يقول ينحطُّ للركوع وهو يكبِّر، وكذا في الرَّفع وشبهه، ويمدُّ التَّكبير إلى أن يصلَ إلى حدِّ الركوع، وقيل يجزم، والقولان جائزان في جميعِ تكبيرات الانتقالات، والصَّحيح المدُّ، قاله في «شرح المهذب» ، والله أعلم.

[1] (( هو ابن عبد الله الطحان ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت