فهرس الكتاب

الصفحة 1264 من 11127

790 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ البصريُّ (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بفتح المثناة التحتية وسكون العين المهملة وضم الفاء وفي آخره راء بعد الواو الساكنة، واسمه وَقْدَان _ بفتح الواو وسكون القاف وبالدال المهملة ثم بالألف والنون _ العَبْدي الكوفيُّ والد يونس بن أبي يَعفور، ويقال اسمُه واقد، والأوَّل أشهرُ، وهو أبو يعفور الأكبرُ وهو الصَّحيح، كما جزم به المزِّيُّ وغيره

ج 4 ص 470

وهو مُقتضى صنيع ابن عبد البر.

وصرَّح الدَّارميُّ في روايته من طريق إسرائيل عن أبي يَعفور بأنَّه العَبْدي، والعَبْديُّ هو الأكبر بلا نزاعٍ. وذكر النوويُّ في «شرح مسلم» إنَّه الأصغر أي عبد الرحمن بن عبيد بن نِسطاس، وتعقِّب بأنَّه ليس مذكورًا في الآخذين عن مصعب ولا في أشياخِ شعبة، والله أعلم.

(قَالَ سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ) أي ابن أبي وقاص رضي الله عنه أبو زُرَارة _ بضم الزاي وتخفيف الراء _ المدنيُّ، مات سنة ثلاث ومائة (يَقُولُ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي) سعدٍ رضي الله عنه (فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ) من التَّطبيق، وهو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الرُّكوع والتشهد، وقال الكرماني أي جعلتهما على حدٍّ واحدٍ وألزقتهما (ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِي أَبِي) عن ذلك.

(وَقَالَ كُنَّا نَفْعَلُهُ) أي التطبيق (فَنُهِينَا عَنْهُ) بضم النون على صيغة المجهول، وكذا قوله (وَأُمِرْنَا) على صيغة المجهول (أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا) من إطلاق الكلِّ على الجزء؛ أي أكفَّنا (عَلَى الرُّكَبِ) وفي رواية مسلم من طريق أبي عَوانة عن أبي يعفور بلفظ (( وأمرنا أن نضربَ بالأكفِّ على الرُّكب ) ).

ثمَّ إنَّ قول الصَّحابي كنَّا نفعلُ وأمرنا ونهينا محمولٌ على أنَّ الآمر والنَّاهي هو الله ورسوله؛ لأنَّ الصحابيَّ إنَّما يقصد الاحتجاج به لإثبات شرع وتحليل وتحريم، واختلفوا في هذه الصيغة والرَّاجح أنَّ حكمها الرَّفع.

واستَدلَّ بهذا الحديث الثَّوريُّ والأوزاعي وابن سيرين والحسن البصري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم على أنَّ المصلِّي إذا ركعَ يضعُ يديه على ركبتيهِ شِبْهَ القابض عليهما ويفرِّق بين أصابعه.

واحتجُّوا أيضًا بما رواه الطَّحاوي من حديث أبي مسعود البدريِّ (( ألا أُرِيكم صلاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فذكر حديثًا طويلًا قال (( ثمَّ ركعَ فوضع كفَّيه على ركبتيهِ وفضلة أصابعه على ساقيه ) ).

وبما رواه وائل بن حجر قال رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركعَ وضعَ يديه على ركبتيه. رواه الطحاويُّ أيضًا، وبما رواه أبو داود من حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال اشتكَى أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم مشقَّة السُّجود عليهم إذا انفرجوا، فقال (( استعينوا بالركب ) ).

وأخرجه الترمذيُّ أيضًا ولفظه اشتكى النَّاس إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم التَّفرُّج في الصَّلاة فقال صلى الله عليه وسلم (( استعينوا ) ).

فإن قيل لم يستدل أبو داود ولا الترمذي

ج 4 ص 471

بهذا الحديث على وضع الأيدي على الرَّكب في الركوع، أمَّا أبو داود فإنَّه ذكره في باب (( رخصة افتراش اليدين في السجود ) )، وأمَّا الترمذيُّ فإنَّه ذكره في (( الاعتماد في السجود ) ).

فالجواب أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( استعينوا بالركب ) )أعمُّ من أن يكون في الركوع أو في السجود، والمعنى استعينوا بأخذ اليدين على الركب.

ولهذا أخرجه الطحاويُّ لأجل الاستدلال للجماعة المذكورين، واحتجَّ لهم أيضًا بما رواه من حديث أبي حصين عثمان بن عاصم الأسديِّ عن أبي عبد الرحمن، قال عمر رضي الله عنه أَمِسُّوا فقد سُنَّت لكم الركب.

وأخرجه الترمذي ولفظه قال لنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إنَّ الرُّكب سنَّةٌ لكم، فخذوا بالركب؛ وفي رواية سُنَّت لكم الركب.

وقوله (( أَمِسُّوا ) )أمر من الإمساس، والمعنى أَمِسُّوا أيديكم ركبكم، فقد سُنَّت لكم الركب، يعني سُنَّ إمساسها والأخذ بها.

وفي «المغني» لابن قدامة قال أحمد ينبغي له إذا ركعَ أن يلقمَ راحتيهِ ركبتيهِ، ويفرِّق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه ويستوي ظهره ولا يرفع رأسه ولا ينكِّسه.

ثمَّ قال الطحاويُّ هذه الآثار معارضةٌ لما رواه إبراهيم عن علقمة والأسود أنَّهما دخلا على عبد الله فقال أصلَّى هؤلاء خلفكم؟ فقالا نعم، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ثمَّ ركعنا فوضعنا أيدينا على الرُّكب فضرب أيدينا، ثمَّ طبَّق بين يديه ثمَّ جعلهما بين فخذيه، فلما صلَّى قال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبه أخذ إبراهيم وعلقمة والأسود.

وحمل هذا على أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه لم يبلغه النَّسخ، وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنهما بإسنادٍ قويٍّ قال إنَّما فعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم مرَّة؛ يعني التَّطبيق.

وروى ابن خزيمة من وجهٍ آخر عن علقمة عن عبد الله قال علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أراد أن يركع طبَّق يديه بين ركبتيه فركع فبلغ ذلك سعدًا، فقال صدق أخي كنَّا نفعل هذا، ثمَّ أُمِرنا بهذا؛ يعني الإمساك بالركب فهذا شاهدٌ قويٌّ لطريق مصعب بن سعد.

وروى عبد الرَّزاق من وجهٍ آخر عن علقمة والأسود، قالا صلَّينا مع عبد الله فطبَّق ثمَّ لقينا عمر فصلَّينا معه فطبَّقنا فلما انصرف قال ذلك شيءٌ كنَّا نفعله ثمَّ تُرِك.

وعند الترمذيِّ من طريق عبد الرحمن السُّلمي قال قال لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنَّ الرُّكب سُنَّت لكم فخذوا بالركب.

ورواه البيهقي بلفظ كنَّا إذا ركعنا

ج 4 ص 472

جعلنا أيدينا بين أفخاذنا، فقال عمر رضي الله عنه إنَّ من السنة الأخذ بالركب.

وهذا أيضًا حكمه الرَّفع؛ لأنَّ الصحابيَّ إذا قال السنَّة كذا، أو سُنَّ كذا، كان الظاهر انصراف ذلك إلى سنَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا سيما إذا قاله مثل عمر رضي الله عنه، ثمَّ النَّهي عنه محمولٌ على الكراهة لا التَّحريم بدليل أنَّ عمر رضي الله عنه وغيره ممَّن أنكره لم يأمر مَن فعله بالإعادة.

وقد روى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضمرة عن عليٍّ رضي الله عنه قال إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا؛ يعني وضعتَ يديك على ركبتيك، وإن شئت طبَّقت. وإسنادهُ حسنٌ، وهو ظاهرٌ في أنَّه كان يرى التَّخيير فإمَّا لم يبلغْه النَّهي، وإمَّا حمله على كراهة التَّنزيه، قاله الحافظ العسقلانيُّ.

واستُبعدَ الحملُ على أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه لم يبلغْه النسخ وذلك لأنَّه أسلم قديمًا وهو صاحب نعلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُلبِسه إيَّاها إذا قام، وإذا جلس أدخلها في ذراعه، وكان كثير الولوج على رسول لله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه إلى أن مات صلى الله عليه وسلم، وكيف خفي عليه أمر وضع اليدين على الرُّكبتين وكيف لم يبلغْه النسخ، وأمَّا الحمل على كراهة التَّنزيه ففيه أنَّ التَّخيير ينافي الكراهة، فليتأمل.

ثمَّ إنَّه قد حكى ابن بطَّال عن الطحاويِّ وأقرَّه أنَّ طريق النَّظر يقتضي أنَّ تفريق اليدين أولى من تطبيقهما؛ لأنَّ السنة جاءت بالتَّجافي في الرُّكوع والسجود وبالمراوحة بين القدمين، قال فلمَّا اتَّفقوا على أولويَّة تفريقهما في هذا، واختلفوا في الأوَّل اقتضى النَّظر أن يلحق ما اختلفوا فيه بما اتَّفقوا عليه، قال فثبت انتفاء التَّطبيق، ووجوب وضع اليدين على الركبتين. انتهى.

وتعقَّبه الزين ابن المُنيِّر بأنَّ الذي ذكره معارضٌ بالمواضع التي سنَّ فيها الضم كوضع اليُمنى على اليُسرى في حال القيام قال وإذا ثبتَ مشروعيَّة الضمِّ في بعضِ مقاصد الصَّلاة بطلَ ما اعتمده من القياس المذكور، نعم لو قال إنَّ الذي ذكره يقتضي مزيَّة التَّفريج على التَّطبيق لكان له وجهٌ.

وقد وردت الحكمةُ في إيثار التَّفريج على التَّطبيق عن عائشة رضي الله عنها، أورده سيف في «الفتوح» من رواية مسروق أنَّه سألها عن ذلك فأجابت بما محصِّله إنَّ التطبيق من صنيع اليهود، وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عنه لذلك، وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ثمَّ أمر في آخر الأمر بمخالفتهم، والله أعلم.

ورجالُ إسناد هذا الحديث ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ورواية الابن

ج 4 ص 473

عن الأب، وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت