796 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) هو ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) وفي رواية الأصيليِّ بالواو.
قال الحافظ العسقلانيُّ استُدلَّ به على أنَّ الإمام لا يقول ربَّنا لك الحمد، وعلى أنَّ المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده، لكون ذلك لم يذكر في هذه الرِّواية، كذا حكاه الطحاويُّ، وهو قول مالك وأبي حنيفة رحمهما الله، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه ليس فيه ما يدلُّ على النَّفي بل فيه أنَّ قول المأموم ربَّنا لك الحمد، يكون عقب قول الإمام سمع الله لمن حمده، والواقع في التَّصوير ذلك؛ لأنَّ الإمام يقول التَّسميع في حال انتقاله، والمأموم يقول التَّحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام، كما في الخبر، انتهى.
وفيه أنَّه صلى الله عليه وسلم قسَّم التسميع والتحميد، فجعل التَّسميع للإمام والتَّحميد للمأموم، والقسمة تنافي الشركة، وما ذكره ذلك الحافظ فبعيد جدًّا، وممَّا يعضد ذلك أنَّ معنى سمع الله لمن حمده طلب التَّحميد، فيناسب حال الإمام، وأمَّا المأموم فيناسبه الإجابة بقوله ربنا لك الحمد.
ويقوِّيه حديث أبو موسى الأشعريِّ رضي الله عنه عند مسلم وغيره ففيه (( وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربَّنا ولك الحمد، يسمع الله لكم ) )، نعم هذا الموضع يقرب من مسألة التَّأمين، كما تقدَّم من أنَّه لا يلزم من قوله (( إذا قال {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين ) )، أنَّ الإمام لا يؤمِّن بعد قوله {وَلَا الضَّالِّينَ} ، وليس فيه أنَّ الإمام يؤمِّن كما أنَّه ليس في هذا أنَّه يقول ربَّنا لك الحمد، لكنَّهما مستفادان من أدلة أُخرى صحيحة صريحة، كما تقدَّم في التَّأمين، وكما مضى في الباب الذي قبله [خ¦780] وفي غيره، ويأتي أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يجمع التَّسميع والتَّحميد وإن حمله أبو حنيفة رحمه الله على حالة الانفراد.
ثمَّ إنَّ المعنى المذكور لا يدلُّ على أنَّ الإمام لا يقول ربَّنا لك الحمد، إذ لا يمتنع أن يكون طالبًا ومجيبًا، وهو نظير ما تقدم
ج 4 ص 493
في مسألة التَّأمين من أنَّه لا يلزم من كون الإمام داعيًا والمأموم مؤمِّنًا أن لا يكون الإمام مؤمِّنًا.
ويقرب منه الجمع بين الحيعلة والحوقلة لسامع المؤذِّن، وقضيَّة ذلك أنَّ الإمام يجمعها وهو قول الشافعيِّ وأحمد وأبي يوسف ومحمد والجمهور والأحاديث الصَّحيحة تشهدُ له. وزاد الشافعيُّ أنَّ المأموم يجمعُ بينهما أيضًا لكن لم يصحَّ في ذلك شيءٌ، ولم يثبتْ عن ابن المنذر أنَّه قال إنَّ الشافعيَّ انفرد بذلك لكونه قد نقل في (( الأشراف ) )عن عطاء وابن سيرين وغيرهما القول بالجمع بينهما للمأموم.
وأمَّا المنفرد فحكى الطَّحاويُّ وابن عبد البر الإجماع على أنَّه يجمع بينهما، وجعله الطَّحاويُّ حجَّةً لكون الإمام يجمع بينهما للاتِّفاق على اتِّحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب «الهداية» إلى خلاف عندهم في المنفرد، والله أعلم.
(فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ) أي فمن وافق حمدَه حمدَ الملائكة، وفيه إشعارٌ بأنَّ الملائكة تقول ما يقوله المأمومون (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وهو نظير ما تقدَّم في مسألة التأمين.