فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 11127

72 - (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) ؛ هو كما في رواية؛ أي ابن جعفر بن نَجِيح _ بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة _ السعدي أبو الحسن المشهور بابن المديني مولى عروة بن عطية السعدي [1] البصري، وكان أصله من المدينة ونزل البصرة إمام مبرَّز في هذا الشأن، ولذا كان سفيان بن عيينة يسميه حية الوادي، وإذا قام من مجلس سفيان كان سفيان يقوم ويقول إذا قامت الخيل لم نجلس مع الرَّجالة، وقال البخاري ما استصغرت نفسي عند أحد قط إلا عند ابن المديني، وقال علي خير من عشرة آلاف مثل الشاذكوني، وقال عبد الرحمن عليٌّ أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وقال السَّمعاني وغيره كان أعلم أهل زمانه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الأعمش رأيت علي بن المديني مستلقيًا وأحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين عن يساره وهو يملي عليهما، وقال ابن الأثير كان عليٌّ آية من آيات الله في معرفة الحديث وعلله، وقال أبو حاتم كان علمًا في الناس، روى عنه أحمد وإسماعيل القاضي والذهلي وأبو حاتم والبخاري وغيرهم، وروى أبو داود والترمذي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم شيئًا، ولد سنة إحدى وستين ومئة. وقال البخاري مات بالعسكر لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقيل مات بالبصرة، وقيل بسُرَّ من رأى.

(قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة وقد تقدم

ج 1 ص 479

في أول الكتاب [خ¦1] (قَالَ) أي سفيان (قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) وقد مر ضبط نَجِيح آنفًا.

وابن أبي نجَيح هو عبد الله بن يسار مولى الأخنس بن شُريق الثقفي المكي، قال يحيى بن سعيد القطان كان قدريًا، وقال أبو زرعة ثقة، يقال فيه يرى القدر صالح الحديث، وقال علي سمعت يحيى يقول ابن أبي نجيح من رؤساء الدعاة، أخرج البخاري في «العلم» [خ¦72] و «الجناية» [خ¦312] وغير موضع عن شعبة والثوري وابن عيينة وإبراهيم بن نافع وابن عُلية عنه عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير، وعن أبيه عند مسلم، ولم يخرج البخاري لأبيه شيئًا، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة، ووقع في (( مسند الحُميدي ) )عن سفيان حدثني ابن أبي نجَيح.

(عَنْ مُجَاهِدٍ) أي ابن جَبْر _ بفتح الجيم وسكون الموحدة _ وقيل جُبير مصغرًا أبو الحجاج المخزومي [2] مولى عبد الله بن السائب من الطبقة الثانية من تابعي أهل مكة وفقهائها، إمام متفق على جلالته وإمامته وتوثيقه، وهو إمام في الفقه والتفسير والحديث، روى عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة رضي الله عنهم قال عرضت القرآن على ابن عباس رضي الله عنهما ثلاثين مرة، وقال قال لي ابن عمر رضي الله عنهما وددت أن نافعًا يحفظ كحفظك، وقال كان ابن عمر يأخذ لي الركاب، ويسوِّي علي ثيابي إذا ركبت، وقيل وقد رأي هاروت وماروت، وكاد يتلف، مات سنة مئة، وقيل اثنتين، وقيل ثلاث، وقيل أربع ومئة عن ثلاث وثمانين سنة، ثم إن البخاري رحمه الله أخرج له في باب «إثم من قتل معاهدًا بغير جرم» عن الحسن بن عمرو عنه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا (( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة ) ) [خ¦3166] وهو مرسل لما قال الدارقطني أن مجاهدًا لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص، وإنما سمعه من بن أبي أمية عن ابن عمرو.

وقد أنكر شعبة وابن أبي حاتم سماعه من عائشة رضي الله عنها وكذا ابن معين، لكن حديثه عنها في (( الصحيحين ) ) [خ¦312] [خ¦1393] [خ¦6516] .

وقال يحيى القطان مرسلات مجاهد أحبُّ إلي من مرسلات عطاء، وليس في الكتب الستة مجاهد بن جبر غير هذا، وفي مسلم والأربعة مجاهد بن موسى الخوارزمي شيخ ابن عيينة، وفي الأربعة مجاهد بن وردان عن عروة.

ثم إن المؤلف رحمه الله روى عن مجاهد معنعنًا، وعن ابن أبي نَجيح بلفظ «قال» ، وهو لا يذكر المعنعن إلا إذا ثبت السماع ولا يكتفي لمجرد إمكان السماع كما يكتفي به مسلم، والمعنعن إذا لم يكن من المدلِّس كان أعلى درجة مِنْ «قال» ؛ لأنَّ «قال» ، إنما تُذكر عند المحاورة لا على سبيل النقل والتحمل، ثم في لفظ «لي» إشارة إلى أنه حاور معه وحده، وقال المؤلف كلما قلتُ «قال لي فلان» فهو عرضٌ ومناولة، فما روي عن سفيان يحتمل أن يكون عرضًا لسفيان أيضًا.

(قَالَ) أي أنه قال (صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) ، بن الخطاب رضي الله عنهما (إِلَى الْمَدِينَةِ)

ج 1 ص 480

النبوية ولم يذكر مبدأ الصحبة، والظاهر أنه من مكة.

(فَلَمْ أَسْمَعْهُ) أي في مدة تلك الصحبة حال كونه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا) وفيه دلالة على أن ابن عمر رضي الله عنهما كان متوقِّيًا في نقل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ خشية الزيادة والنقصان، إلا عند الحاجة، وكذلك والده عمر رضي الله عنه، وكذا جماعة، وقد قال عمر رضي الله عنه أقِلُّوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم، وإنما كثرت أحاديث ابن عمر رضي الله عنهما مع ذلك التوقي؛ لكثرة من كان يسأله ويستفتيه، وقد يقال إن ترك ابن عمر رضي الله عنهما نقل الحديث في مدة تلك الصحبة يمكن أن يكون إما لعدم نشاطه للاشتغال بمؤنة السفر وتعبه، أو لعدم السؤال.

(قَالَ) ؛ أي ابن عمر رضي الله عنهما، وفي رواية سقط لفظ «قال» ، (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأُتِيَ) بضم الهمزة على صيغة المجهول، (بِجُمَّارٍ) ؛ بضم الجيم وتشديد الميم، وهو شحم النخيل، وهو الذي يُؤكل منه، ويقال له الخامور أيضًا.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا) بفتح الميم؛ أي صفتها العجيبة، والمثل وإن كان بحسب اللغة الصفة، لكن لا يستعمل إلا عند الصفة العجيبة (كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ) في كثرة الخير ووفرة المنافع، وقد مرَّ تفصيله في باب «قول المحدث حدثنا. .. إلى آخره» [خ¦61] .

(فَأَرَدْتُ) أي قال ابن عمر رضي الله عنهما فأردت (أَنْ أَقُولَ) في جواب قول الرسول صلى الله عليه وسلم «حدثوني ما هي» كما صرح به في غير هذه الرواية (هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا صَغيرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ) بصيغة المتكلم وكان سكوته استحياء وتعظيمًا للأكابر (قَالَ) وفي رواية (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هِيَ النَّخْلَةُ) .

ومناسبة هذا الحديث للترجمة أن ابن عمر رضي الله عنهما لمَّا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المسألة عند إحضار الجُمَّار إليه، فَهِمَ أن المسؤول عنه النخلة، وقوى ذلك عنده بقوله عز وجل {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم 24] إذ هي النخلة على ما قال العلماء.

تتمة قال ابن بطَّال التفهُّم للعلم هو التفقه فيه، ولا يتم العلم إلا بالتفقه، ولذلك قال علي رضي الله عنه ما عندنا إلا كتاب الله، وفهم أُعْطِيَه رجل مؤمن، فجعل الفهم درجة أعلى بعد حفظ كتاب الله؛ لأن الفهم به تبيُّن معانيه وأحكامه، وقد نفى صلى الله عليه وسلم عمن لا فهم له

ج 1 ص 481

بقوله (( رب حامل فقه لا فقه له ) ).

وقال مالك (ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله في القلوب) ، أراد بذلك فهم المعاني، فمن أراد ذلك فليحضر خاطره، ويفرغ ذهنه، وينظر إلى بساط الكلام، ومخرج الخطاب، ويتدبر اتصاله بما قبله، وانفصاله منه، ثم يسأل ربه أن يلهمه إلى إصابة المعنى، ولا يتم ذلك إلا لمن علم كلام العرب، ووقف على أغراضهم في تخاطبهم، وأُيِّد بجودة قريحة، وثاقب ذهن، كما ترى إلى ابن عمر رضي الله عنه في هذا الحديث.

وقد أخرج أحمد في حديث أبي سعيد في الوفاة النبوية حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إن عبدًا خيَّره الله ... ) )الحديث، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال فديناك، فتعجب الناس، وكان أبو بكر فهم من المقام أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، فمن ثمه قال أبو سعيد رضي الله عنه فكان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا به، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل السعدي في قبائل ففي قيس غيلان سعد بن بكر بن هوازن، وفي كنانة سعد بن ليث بن بكر، وفي أسد بن خزيمة سعد بن ثعلبة بن دوران، وفي مراد سعد بن عطيف بن عبد الله، وفي طي سعد بن نبهان عمرو، وفي تميم سعد بن زيد بن مناة، وفي خولان قضاعة سعد بن خولان، وفي جذام سعد بن إياس بن حرام بن حزام، وفي خثعم سعد بن مالك، والمديني بإثبات الياء نسبة إلى المدينة، وقال السمعاني والأصل فيمن ينسب إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال مدني بحذف الياء وإلى غيرها بإثبات الياء واستثنوا ابن المديني فقالوا بإثبات الياء. منه.

[2] في هامش الأصل المخزومي نسبة إلى مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن غالب وهو في قريش وأما في عبس فهو نسبة إلى مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت