73 - (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى المكي القرشي صاحب الشافعي، وقد تقدم في أول إسناد من هذا الكتاب [خ¦1] .
(قالَ حَدَّثَنَا سُفْيانُ) هو ابن عيينة (قالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (إِسْمَاعيلُ بنُ أبِي خالِدٍ) بالخاء المعجمة، وقد مرَّ في باب «من سلم المسلمون» [خ¦10] (عَلَى غَيْرِ ما) أي على غير الذي (حَدَّثَنَاهُ الزُّهرِيُّ) بالرفع على أنه فاعل «حدَّث» .
والغرض من هذا الكلام الإشعار بأنه سمع ذلك من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري إما مغايرة في اللفظ، وإما مغايرة في الإسناد، وإما في غيرهما، وفائدته التقوية والترجيح بتعداد الطرق، ورواية سفيان عن الزهري أخرجها البخاري في «التوحيد» [خ¦7529] عن علي ابن عبد الله عنه قال قال الزهري عن سالم، ورواها مسلم عن زهير بن حرب وغيره عن سفيان بن عيينة قال حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه ساقه، مسلم تامًا واختصره البخاري.
نعم أخرجه تامًا في «فضائل القرآن» من طريق شعيب عن الزهري قال حدثني سالم بن عبد الله بن عمر فذكره [خ¦5025] .
(قالَ) ؛ أي إسماعيل بن أبي خالد، (سَمعتُ قَيْسَ بِنَ أَبِي حازِمٍ) ؛ بالحاء المهملة والزاي، وقد تقدم في باب «الدين النصيحة» [خ¦57] (قالَ سَمعتُ عبدَ الله بن مسْعُود) ؛ رضي الله عنه.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والسماع. ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين. ومنها أن رواته ما بين مكي وكوفي، وقد أخرج متنه المؤلف في «الزكاة» [خ¦1409] ، و «الأحكام» [خ¦7141] ، و «الاعتصام» أيضًا [خ¦7316] . وأخرجه مسلم في «الصلاة» ، والنسائي في «العلم» ، وابن ماجه في «الزهد» .
(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لاَ حَسَدَ) ؛ أي جائز أو صالح في شيء، (إِلاَّ فِي) ؛ شأن [1] ، (اثْنَتَيْنِ) ؛ بتاء التأنيث كذا في معظم الروايات؛ أي خصلتين، ويروى أي في شيئين.
والحَسَد بالتحريك مصدر حسده يحسُده _ بالضم _ ويحسِده _ بالكسر _ كالحسادة، وقال ابن الأعرابي الحسد مأخوذ من الحَسْدل وهو القُرَّاد، إذ هو يقشر القلب كما يقشر القُرَّاد الجلد فيمص الدم، وهو تمني الرجل زوال النعمة عن المنعم عليه، وبعضهم خصَّه بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق أنه أعم وسببه أن الطِّباع مجبولة على حب الترفع على الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذلك عنه؛ ليرتفع عليه أو مطلقًا؛ ليساويه وهو حرام، وصاحبه مذموم
ج 1 ص 485
إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل، وينبغي لمن خطر له ذلك أن يكرهه، واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معصية الله، والحسد المذكور في الحديث مجاز عن الغِبطة من قبيل إطلاق المسبَّب على السبب، ولهذا عبر المؤلف رحمه الله بلفظ الاغتباط.
وقال الخطابي (معنى الحسد هنا شدة الحرص والرغبة في أن يكون له مثل ما لغيره كنَّى بالحسد عنهما وهو المنافسة فهي إن كانت في الطاعة فمحمود، ومنه قوله تعالى {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين 26] وإن كانت في المعصية فحرام وإن كانت في المباحات فمباح، وهو قريب من الغِبطة [2] ) .
وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث ما يبين ذلك حيث جاء فيه (( فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ) )فلم يتمنَّ السلب، وإنما تمنى أن يكون له مثله، وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار.
وقيل إنه محمول على حقيقته، وخص منه المستثنى بالإباحة، وأُخرِج عن جملة ما حُظِر منه فالمعنى لا إباحة لشيء من الحسد إلا هذين النوعين منه رخص فيهما؛ لتضمنهما مصلحة في الدِّين كما رخص في نوع من الكذب قال صلى الله عليه وسلم (( إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث ... ) )الحديث.
ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا؛ أي لا يجوز الحسد مطلقًا، لكن هاتان خصلتان محمودتان ولا حسد فيهما، إذ ما فيهما هو الغبطة، وجُوِّز أن يكون من قبيل قوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان 56] أي لا حسد إلا في هذين وما فيهما ليس بحسد فلا حسد أصلًا.
(رَجُلٌ) بالرفع على تقدير إحدى الاثنتين خصلةُ رجلٍ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأُعرب بإعرابه، ويجوز الجر على أنه بدل من اثنتين بتقدير مضاف أيضًا، وفي رواية كريمة بالنصب على تقدير أعني، فافهم.
(آتَاهُ اللَّهُ) ؛ بمد الهمزة؛ أي أعطاه (مَالًا) نكَّره؛ ليشمل القليل والكثير (فَسُلِّطَ) بصيغة المجهول؛ أي سلط ذلك الرجل، وفي رواية (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللام والكاف؛ أي إهلاكه وإنفاقه بالكلية عبَّر بالتسليط؛ لأنه يدل على الغلبة، وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ، وبالهلكة؛ ليدل على أنه لا يبقى منه شيئًا، ولمَّا أوهم ذلك التبذير وهو صرف المال فيما لا ينبغي أزال ذلك الوهم بقوله
(فِي الْحَقِّ) أي في وجوه الخير والصواب، لا في وجوه المكاره (رَجُلٌ) إعرابه كالأول(آتَاهُ اللَّهُ
ج 1 ص 486
الْحِكْمَةَ)أي القرآن كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( لا حسد إلا في اثنتين، رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه ) ) [خ¦5026] ، وفي رواية (( ينفقه في الحق ) )، وفي مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه (( رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ) )، ولأحمد من حديث يزيدَ بن الأخنس السلمي (( رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتبع ما فيه ) ) [3] .
أو المراد بها معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها؛ أي علم الشريعة، فعلى كل تقدير تكون اللام للعهد، فلذا عرَّفها مع تنكير المال. وإنما قيل الحكمة دون العلم ترغيبًا إلى التدقيق في العلم وأحكامه؛ لأن الحكمة هي العلم الدقيق المحكم.
(فَهْوَ يَقْضِي) ؛ ويحكم، (بِهَا) بين الناس فيما تنازعوا فيه (وَيُعَلِّمُهَا لَهُم) خُصَّا بالذكر من جملة ما يترتب على الحكمة والعلم؛ لأنهما من خلافة النبوة، ثم في هذا الحديث إشارة إلى الكمال العلمي والعملي، وترغيب إلى التحلي بالفضائل والفواضل، ولذا قال الخطابي (معنى الحديث الترغيب في طلب العلم وتعلمه والعمل بمقتضاه، والتصدق بالمال) ، والله أعلم.
قال ابن بطَّال (وفي الحديث من الفقه أن الغني إذا قام بشروط المال، وفعل فيه ما يُرضِي ربه تبارك وتعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل هذا) ، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل وإنما قدر الشأن؛ لئلا يرد أن يقال الحسد في الحاسد لا في الخصلتين فكيف يكون هذا الكلام. منه.
[2] في هامش الأصل وحاصل الكلام في هذا المقام أن ما يطلق عليه الحسد على ثلاثة أضرب محرم، ومباح، ومحمود، فالمحرم هو تمني زوال نعمة الرجل عنه وانتقالها إلى الحاسد أو غيره وهو الحسد الحقيقي، وأما القسمان الآخران وهما أن يتمنى الرجل ما يراه بأحد من خير من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة كالطاعات والعبادات أن يكون له مثله فالأول مباح، والثاني محمود، وهما ليسا بحسد حقيقة وإنما هما غبطة، وقال بعض العلماء إذا أنعم الله على أخيك نعمة فكرهتها وأحببت زوالها عنه فهو حرام بكل حال، إلا نعمة أصابها كافر أو فاجر يستعين بها على فتنة أو فساد. منه.
[3] في هامش الأصل والمراد بالقيام به العمل به مطلقًا أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها ومن تعليمه والحكم والفتوى بمقتضاه فلا تخالف بين لفظي الحديثين. منه.