852 - (حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك (قَالَ حَدَّثَنا) وفي رواية (شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَن سُلَيمانَ) أي ابن مهران الأعمش (عَن عُمَارَةَ بنِ عُمَيرٍ) بضم العين وتخفيف الميم المفتوحة فيهما، وفي رواية أبي داود الطَّيالسي عن شعبة عن الأعمش (( سمعت عمارة بن عمير ) ).
(عَنِ الأَسْوَدِ) هو ابن يزيد النَّخعي (قَالَ قَالَ عَبْدُ اللهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه.
ورجال هذا الإسناد ما بين كوفيٍّ وواسطيٍّ، وفيه ثلاثة من التَّابعين. وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه في (( الصَّلاة ) )أيضًا.
(لا يَجْعَلُ) وفي رواية الكُشميهني بنون التأكيد (أَحَدَكُمُ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلاَتِهِ) وفي رواية
ج 4 ص 623
وكيع وغيره عن الأعمش عند مسلم (( جزءًا من صلاته ) ).
(يَرَى) بفتح أوله؛ أي يعتقد، ويجوز الضم؛ أي يظنُّ، وارتباط هذه الجملة بما قبلها من حيث إنَّها بيان له أو استئناف بياني كأنَّه قيل كيف يجعل للشَّيطان شيئًا من صلاته فقال يرى (أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ) منصوب على أنَّه اسم إن، وخبرها قوله (أَنْ لاَ يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ) .
واستشكل ذلك بأنَّ قوله (( أن لا ينصرف ) )في تقدير عدم الانصراف. وصرَّح الزَّمخشري بتعريف مثله فكيف يكون اسم (( إن ) )نكرة مع كون خبرها معرفة.
وأجيب عنه بأنَّ النَّكرة المخصِّصة كالمعرفة، أو بأنَّه من باب القلب، والمعنى يرى أنَّ عدم الانصراف حقٌّ عليه.
وقال الكرمانيُّ وفي بعض الرِّوايات بدون التشديد فهي إمَّا مخفَّفة من الثقيلة، و (( حقًّا ) )مفعول مطلق، وفعله محذوف؛ أي قد حقَّ حقًّا أن لا ينصرف. .. إلى آخره، وإمَّا مصدريَّة. انتهى. وأنكر العيني صحَّة رواية التخفيف، والله أعلم.
(لَقَدْ) أي والله لقد (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَثِيرًا) صفة لمصدر محذوفٍ لرأيت (يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ) حال من المفعول، وفي رواية مسلم (( أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله ) ).
فإن قيل قد سبق في رواية مسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّه قال (( أمَّا أنا فأكثر ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه ) )، وبينهما تعارض؛ لأنَّه عبَّر في كلٍّ منهما بصيغة أفعل.
فالجواب على ما قاله النَّووي أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يفعل تارة هذا، وتارة هذا، فأخبر كل منهما [1] بما اعتقد أنَّه الأكثر، وإنَّما كره ابن مسعود رضي الله عنه أن يعتقد وجوب الانصراف عن اليمين، وهو موافق للأثر المذكور أوَّلًا عن أنس رضي الله عنه. ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر وهو أن يحمل حديث ابن مسعود رضي الله عنه [2] على حالة الصَّلاة في المسجد؛ لأنَّ حجرة النَّبي صلى الله عليه وسلم كانت من جهة يساره. ويحمل حديث أنس رضي الله عنه على ما سوى ذلك كحال السَّفر.
ثمَّ إذا تعارض اعتقاد أنس، واعتقاد ابن مسعود رضي الله عنهما رجَّح ابن مسعود رضي الله عنه؛ لأنَّه أعلم وأسنُّ وأجلُّ وأكثر ملازمة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأقرب إلى موقفه في الصَّلاة من أنس رضي الله عنه.
وبأنَّ في إسناد حديث أنس رضي الله عنه من تكلَّم فيه وهو السدِّي، وبأنَّه متفق عليه بخلاف حديث أنس رضي الله عنه.
وبأنَّ رواية ابن مسعود رضي الله عنه توافق ظاهر الحال؛ لأنَّ حجرة النَّبي صلى الله عليه وسلم كانت على جهة يساره كما تقدَّم.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ظهر لي أنَّه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو أنَّ من قال
ج 4 ص 624
كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله المأمومين بعد سلامه من الصَّلاة، ومن قال أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصَّلاة، فعلى هذا لا يختصُّ الانصراف بجهة معيَّنة.
ومن ثمة قال العلماء يستحبُّ الانصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا إذا استوت الجهتان في حقِّه، فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرِّحة بفضل التَّيامن.
وقال ابن المُنيِّر في الحديث أنَّ المندوبات قد تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها؛ لأنَّ التيامن مستحبٌّ في كلِّ شيء، لكن لمَّا خشي ابن مسعود رضي الله عنه أن يعتقد وجوبه أشار إلى كراهته. وقال أبو عبيدة من انصرف عن يساره أصاب السنَّة، والله أعلم.
حيث لم يلزم التَّيامن على أنَّه سنَّة مؤكَّدة، أو واجب، وإلَّا فلا يظنُّ أنَّ التياسر سنَّة حتى يكون التَّيامن بدعة، إنَّما البدعة في رفع التَّيامن عن رتبته.
[1] في هامش الأصل يعني ابن مسعود وأنسًا رضي الله عنهما. منه.
[2] من قوله (( ويمكن أن. .. إلى قوله مسعود رضي الله عنه ) )ليس في (خ) .