74 - (حَدَّثَنَي) بالإفراد، وفي رواية (مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بالغين المعجمة المضمومة والراء المكررة بينهما ياء ساكنة على صيغة التصغير، ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو عبد الله القرشي (الزُّهْرِيُّ) المدني نزيل سمرقند يعرف بالغُرَيْري. روى عن يعقوب بن إبراهيم ومطرف بن عبد الله النيسابوري، وروى عنه البخاري، وأبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، وعبد الله بن شبيب المكي.
قال الكَلاباذي
ج 1 ص 491
أخرج له البخاري في الكتاب في ثلاثة مواضع هنا، وفي «الزكاة» [خ¦1478] ، وفي «بني إسرائيل» [المناقب 3513] ، وليس في الكتب الستة من اسمه على هذا المثال، وهو من الأفراد).
(قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ؛ بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوفٍ، أبو يوسف القرشي المدني الزهري، ساكن بغداد، روى عن أبيه وغيره، وروى عنه أحمد ويحيى ابن معين وعلي بن المديني وإسحاق ومحمد بن يحيى الذُّهلي، قال ابن سعد كان ثقة مأمونًا، ولم يزل ببغداد، ثم خرج إلى الحسن بن سهل بفُم الصِّلْح [1] ، فلم يزل معه حتى توفي هناك في شوال سنة ثمان ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنِي) ؛ بالإفراد، وفي رواية ، (أَبِي) ؛ إبراهيم بن سعد، وهو من جملة شيوخ الشافعي، وقد تقدم في باب «تفاضل أهل الإيمان» [خ¦23] (عَنْ صَالِحٍ) أي ابن كَيسان _ بفتح الكاف _ المتوفى وهو ابن مئة سنة ونيف وستين سنة، وقد ابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين سنة، وقد مرَّ ذكره في آخر قصة هِرقل [خ¦7] .
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري وقد مرَّ غير مرة (حَدَّثَ) أي أنه حدَّث، وفي رواية (أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ) بالتصغير (بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بالتكبير ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة، وقد مرَّ ذكره في أول قصة هِرقل [خ¦7] .
(أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّهُ تَمَارَى) أي تنازع وتجادل من التماري بمعنى المماراة، يقال ماريته؛ أي جادلته (هُوَ) أي ابن عباس رضي الله عنهما أتى بضمير الفصل؛ لأنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل الغير المنفصل إلا إذا أُكِّد بمنفصل.
(وَالْحُرُّ) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء على الضمير المستتر في «تمارى» (بْنُ قَيْسِ) بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة (بْنِ حِصْنٍ) بكسر الحاء وسكون الصاد المهملة، ابن حذيفة (الْفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزاي ثم الراء نسبة إلى فزارة بن شيبان، وهو ابن أخي عُيينة بن حصن كان أحد الوفد الذين قَدِموا على النبي صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، وكان من جلساء عمر رضي الله عنه.
(فِي صَاحِبِ مُوسَى) عليه السلام الذي ذهب إليه وقال له {هَلْ أَتَّبِعُكَ} لا فتاه الذي كان رفيقه عند الذهاب هل هو خضر أم غيره؟ ولابن عباس رضي الله عنهما في هذه القصة تماريان تمارٍ بينه وبين الحُرِّ بن قيس أهو الخضر أم غيره؟
ج 1 ص 492
وتمارٍ بينه وبين نوف البِكالي [2] في موسى أهو موسى بن عمران الذي أنزل عليه التوراة، أم موسى بن مِيشا؟ كذا قال الكرماني. والصحيح أن التماري الثاني كان بين سعيد بن جبير، وبين نوف على ما يجيء في «التفسير» [خ¦4725] .
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (هُوَ خَضِرٌ) ولم يذكر مقالة الحُرِّ بن قيس، وقال الحافظ العسقلاني (ولا وقفت على ذلك في شيء من طرق هذا الحديث) .
(فَمَرَّ بِهِمَا) ؛ أي بابن عباس وابن قيس رضي الله عنهما (أُبَيُّ) بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء المثناة (ابْنُ كَعْبٍ) بن المنذر الأنصاري الخزرجي النَّجَّاري _ بفتح النون وتشديد الجيم _ وكان نحيفًا قصيرًا، أبيض الرأس واللحية، شهد العقبة الثانية وبدرًا، وما بعدها من المشاهد، وكان يكتب الوحي، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهده أيضًا، وهو أقرأ هذه الأمة، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أمرني الله أن أقرأ عليك القرآن ) ) [خ¦4960] ، ولم يشاركه أحد في هذه المنقبة، سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنصار، وكان عمر رضي الله عنه يقول أُبَيٌّ سيد المسلمين، مات سنة تسع عشرة، أو عشرين، أو ثلاثين سنة بالمدينة، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة وأربعة وستون حديثًا، اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بسبعة، روى له الجماعة.
(فَدَعَاهُ) أي ناداه (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما. قال ابن التِّين إن في الكلام حذفًا، والتقدير فقام إليه فسأله؛ لأن المعروف عن ابن عباس رضي الله عنهما التأدب مع من يأخذ عنه.
قال المولى القسطلاني وليس في دعائه أن يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخل بالأدب، وقد روي «فمر بهما أُبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال يا أبا الطفيل هَلُمَّ إلينا» ، فهو صريح في المراد، والله أعلم.
(فَقَالَ إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا) أي الحر بن قيس (فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى) وفي رواية زيادة (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بضم اللام وكسر القاف وتشديد الياء آخر الحروف مصدر بمعنى اللقاء.
(هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم)
ج 1 ص 493
حال كونه (يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟) وقصته (قَالَ) أُبَي رضي الله عنه (نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم) وزِيد في رواية حال كونه (يَقُولُ بَيْنَمَا) ظرف مضاف إلى جملة اسمية هي قوله (مُوسَى) عليه السلام (فِي مَلإٍ) بالقصر؛ أي في جماعة كما قاله القاضي عياض، أو في أشراف كما قاله غيره، ويجيء الملأ بمعنى الخلق أيضًا، يقال ما أحسن ملأ بني فلان؛ أي عشرتهم وأخلاقهم.
(مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهم أولاد يعقوب عليه السلام؛ لأن إسرائيل هو اسم يعقوب عليه السلام، وكان أولاده اثني عشر نفسًا، وهم يوسف، وبنيامين، وداني، ويفثالي، وزابلون، وجاد، ويساخر، وآشير، وروبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، وهم الذين سمَّاهم الله الأسباط؛ لأن كل واحد منهم والد قبيلة، والأسباط في كلام العرب الشجر الملتف الكثير الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل من هؤلاء المذكورين.
(جَاءَهُ) جواب «بينهما» بدون «إذ، وإذا» كما هو الفصيح في جوابه، وفي رواية (رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على تسميته.
(فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟) بالنصب على أنه صفة لأحد (قَالَ) وفي رواية (مُوسَى لاَ) أي لا أعلم أحدًا أعلم مني، وفي كتاب «التفسير» [خ¦4725] وغيره (( قيل أي الناس أعلم؟ فقال أنا، فعتب الله عليه ) )أي لم يرض قوله، إذ لم يردَّ العلم إليه تعالى ردَّ الملائكة {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة 32] .
(فَأَوْحَى اللَّهُ) ، كما في رواية (إِلَى مُوسَى) عليه السلام (بَلَى) كعلى (عَبْدُنَا خَضِرٌ) أعلم منك بما أعلمته من الغيوب، وحوادث القدر، ومما لا يعلم الأنبياء عليهم السلام منه إلا ما أعلموا به، لا أنه أعلم منه عليه السلام بوظائف النبوة، وأمور الشريعة، وسياسة الأمة كما قال له الخضر على ما جاء في رواية (( إنك على علم من علم الله علمكه لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه ) ).
وهذا مثل قول نبينا صلى الله عليه وسلم (( إني لا أعلم إلا ما علمني ربي ) )، وفي رواية (( بل عبدنا خضر ) )أي لا تقل لا، بل قل عبدنا خضر، فعلى هذا
ج 1 ص 494
يكون قوله «عبدنا» واردًا على سبيل الحكاية عن الله تعالى، وإلا فالسياق يقتضي أن يقول عبد الله، والإضافة فيه إلى الله تعالى للتعظيم، وفي رواية (( أن موسى عليه السلام خطب الناس بعد هلاك القبط ودخوله مصر خطبة بليغة، فأعجب بها، فقيل له هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ فقال لا، فأوحى الله إليه بلى أعلمُ منك عبدنا الخضر ) ). وجاء في كتاب «التفسير» وغيره (( فسئل أيُّ الناس أعلم؟ فقال أنا، فعتب الله عليه ) ) [خ¦4725] ، وكذا جاء في (( صحيح مسلم ) )وفيه أيضًا (( بينا موسى عليه السلام في قومه يُذكرهم أيام الله وأيام الله نعماؤه وبلاؤهـ إذ قال ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني، فأوحى الله إليه إن في الأرض رجلًا هو أعلم منك ) ). وذلك لأن موسى عليه السلام كان من النبوة بالمكان الأرفع، والعلم في أعظم المراتب، فقد اعتقد أنه أعلم الناس.
وأما العتب عليه وعدم رضى الله بقوله؛ فلأنه لم يَرُدَّ العلم إليه تعالى كما رد الملائكة بقولهم {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة 32] ، فعتب الله عليه بذلك؛ تنبيهًا له عليه السلام وتعليمًا لمن بعده، ولئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه، والعُجْبَ بحاله، فيهلك، وفي هذه القصة أبلغ رد على من ادعى المزية والفضيلة على غيره.
(فَسَأَلَ مُوسَى) ؛ عليه السلام (السَّبِيلَ إِلَيْهِ) أي إلى الخضر فقال اللهم ادللني عليه، قيل إن موسى عليه السلام سأل ربه أيُّ عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني، قال فأيُّ عبادك أقضى؟ قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال فأيُّ عبادك أعلم؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدلُّه على هدى، أو تردُّه عن ردى، فقال إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه، فقال أعلم منك الخضر، قال أين أطلبه؟ قال على الساحل عند الصخرة، قال كيف لي به؟ قال تأخذ حوتًا في مكتل [3] فحيث فقدته فهو هناك، فقيل أخذ سمكة مملوحة فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم
(فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ) ؛ أي لأجله (الْحُوتَ آيَةً) أي علامة لمكان الخضر ولقائه (وَقِيلَ لَهُ) يا موسى (إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) وفي رواية (وَكَانَ يَتَّبِعُ) بتشديد التاء (إِثْرَ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة أو بفتحهما (الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ) أي ينتظر فقدانه في البحر.
وكان قد ( {قَالَ مُوسَى} ) عليه السلام ( {لِفَتَاهُ} ) يوشع بن نون ( {لَا أَبْرَحُ} ) أي لا أزال أسير ( {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} ) أي ملتقى بحري فارس والروم [4] مما يلي المشرق، وقد وُعِد
ج 1 ص 495
لقاء الخضر فيه، والمعنى حتى يقع إما بلوغ المجمع، أو مُضِيِّ الحُقُب، وقيل البحران موسى والخضر عليهما السلام، فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن.
( {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} ) ؛ أي أسير زمانًا طويلًا، فذهبا يمشيان في ساحل البحر، ( {فَلَمَّا بَلَغَا} ) ؛ الموعد الذي هو مجمع البحرين ( {نَسِيَا حُوتَهُمَا} ) أي نسي موسى عليه السلام أن يطلبه ويتعرف حاله، وفتاه يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر.
إذ رُوِيَ أن موسى عليه السلام رَقَدَ عند صخرة من الصخور، وقيل هي الصخرة [5] التي عند نهر الزيت، فاضطرب الحوت المشويُّ ووثب في البحر معجزة لموسى عليه السلام، أو الخضر عليه السلام، وقيل إن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل، فنزلا ليلًا على شاطئ عين تسمى عين الحياة، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت، وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء على الحوت فعاش ووثب في الماء.
( {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} ) ؛ أي فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكًا، من قوله تعالى {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد 10] ، وقيل أمسك الله تعالى جَرْيَة الماء على الحوت، فصار كالطاق عليه، كما تقدم، فلما جاوزا الموعد الذي هو مجمع البحرين قال موسى عليه السلام لفتاه يوشع {آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف 62] وجوعًا. وقيل لم ينصب حتى جاوزا الموعد، فلما جاوز وسار الليلة والغداة إلى الظهر أُلقي عليه الجوع والنصب، وقيل لم يَعْيَ موسى عليه السلام في سفر غيره.
(فَقَالَ لِمُوسَى) ؛ عليه السلام، (فَتَاهُ) ؛ يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام، فإنه كان يخدمه ويتبعه، ولذلك سماه فتاه، وقيل معناه عبده، وقيل كان يأخذ العلم منه.
( {أَرَأَيْتَ} ) ؛ ما دهاني وأصابني، ( {إِذْ} ) ؛ أي حين ( {أَوَيْنَا} ) بقصر الهمزة من أوى فلان إلى منزله؛ أي انضم ( {إِلَى الصَّخْرَةِ} ) التي رقد عندها موسى عليه السلام، وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت [6] بالمغرب.
( {فَإِنِّي} ) الفاء تفسيرية يفسر بها ما دهاه حين أوى إلى الصخرة وهو نسيان الحوت كما قال ( {نَسِيتُ الْحُوتَ} ) أي فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت من أمره، وقيل نسيت تفقُّد أمره، وما يكون منه أمارة على الظفر بالطلبة.
ج 1 ص 496
( {وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} ) ؛ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان، فإنَّ {أن أذكره} بدل [7] من الضمير، وهو اعتذار عن نسيانه؛ لشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها، لكنه لما ضُرِيَ وتعوَّد بمشاهدة أمثالها عند موسى عليه السلام وألفها، قلَّ اهتمامه بها، ولعله نسي ذلك؛ لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان؛ هضمًا لنفسه.
( {قَالَ} ) موسى عليه السلام ( {ذَلِكَ} ) أي فقدان الحوت ( {مَا كُنَّا} ) أي الذي كنَّا ( {نَبْغِ} ) أي نطلب؛ لأنه إمارة المطلوب، وحذف الياء؛ للاكتفاء بالكسر، وفي قراءة ( {نَبْغِي} ) بإثباتها ( {فَارْتَدَّا} ) أي رجعا ( {عَلَى آثَارِهِمَا} ) أي في الطريق الذي جاءا فيه ( {قَصَصًا} ) يقصان قصصًا؛ أي يتبعان آثارهما اتباعًا، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة.
(فَوَجَدَا خَضِرًا) الذي هو عبد من عباد الله آتاه الله رحمة وحياة ونبوة من عنده، وعلَّمه من لدنه علمًا مما يختص بالله تعالى ولا يعلم إلا بتوفيقه، وهو علم الغيوب، وجداه على طِنفسة خضراء على وجه الماء جاعلًا طرفه تحت رجله، وطرفه تحت رأسه، كما جاء في الروايات، ويمكن أن يجمع بينهما بأن موسى والخضر تلاقيا على الماء، ولمَّا كانت الملاقاة على محاذاة الصخرة، ونسيان الحوت كان عندها، ورد أنهما تلاقيا عند الصخرة، فافهم.
(فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا) ؛ أي شأن الخضر وموسى عليه السلام (الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ) من قوله تعالى {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ} إلى قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} [الكهف 66 - 83] ، وستأتي القصة بتمامها في آخر هذا الكتاب [خ¦122] ، وكتاب «الأنبياء» [خ¦3400] وكتاب «التفسير» [خ¦4725] إن شاء الله تعالى [8] .
وفي الحديث فوائد منها جواز التماري في العلم إذا كان كل واحد منهما يطلب الحق ولم يكن تعنتًا. ومنها الرجوع إلى أهل العلم عند التنازع، ومنها العمل بخبر الواحد الصدوق، ومنها أنه يجب على العالم الرغبة في زيادة العلم والحرص عليه وعدم القناعة بما عنده كما أنه لم يكتف موسى عليه السلام بعلمه، ومنها ركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار، ومنها وجوب التواضع؛ لأن الله تعالى عاتب موسى عليه السلام حين لم يَرُدَّ العلم إليه وأراه من هو أعلم منه في علم مخصوص، ومنها جواز حمل الزاد وإعداده في السفر بخلاف قول الصوفية، ومنها أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول، ويقضي له حاجة، ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والأدب، بل من مروءات الأصحاب وحسن العشرة، ودليله حمل فتاه
ج 1 ص 497
غداءهما.
ثم من فوائد تمام القصة أن لا يعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه، فلعل فيه سرًا لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم على جرمه، ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره، ثم يهاجر عنه.
ومن لطائف إسناد هذا الحديث أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أن فيه رواية صحابي عن صحابي، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ومنها أن فيه أربعة زهريِّين محمد بن غُرَير، ويعقوب، وأبوه إبراهيم، وابن شهاب، وستة مدنيين وهم الرواة إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وقد أخرج متنه البخاري هنا، وفي أحاديث «الأنبياء» عليهم السلام [خ¦3400] ، وفي «التوحيد» [خ¦7478] ، وفي «النذور» [خ¦6672] ، و «التفسير» [خ¦4725] ، وفي «العلم» [خ¦78] ، و «الإجارة» [خ¦2267] ، و «الشروط» [خ¦2728] ، وأخرجه مسلم في «أحاديث الأنبياء» ، والترمذي في «التفسير» ، والنسائي فيه أيضًا، وفي «العلم» .
[1] في هامش الأصل و (خ) فُمِ الصِّلْح بضم الفاء وتخفيف الميم وكسر الصاد المهملة وسكون اللام وفي آخره حاء مهملة، هي بلدة على دجلة قريبة من واسط، وقيل هي نهر ميبسان. منه.
[2] في هامش الأصل البكالي بكسر الباء اسم قبيلة. منه.
[3] في هامش الأصل المكتل بفتح الميم وسكون الكاف وكسر التاء الفوقية وآخره لام، وقيل بكسر الميم وفتح التاء وهو الفقة والزنبيل. منه.
[4] في هامش الأصل وبحر فارس ينبعث من بحر الهند شمالًا بين مكران وهي على فم بحر فارس من شرقيه، وبين عمان وهي على فم بحر فارس من غربيه، وبحر الروم هو بحر أفريقية والشام يمتد من عند البحر الأخضر إلى المشرق، ويتصل بطرسوس، وبحر طنجة بينها وبين سبتة وغيرهما من بر العدوة من الأندلس، وبحر أفريقية هو بحر طرابلس الغرب يمتد منها مشرقًا حتى يتجاوز حدود أفريقية، وهو الذي يتصل بإسكندرية، والكل يسمى بحر الروم وإنما يضاف إلى البلاد عند الاتصال إليها. منه.
[5] في هامش الأصل الصخرة هي الحجر الكبير. منه.
[6] في هامش الأصل سمي نهر الزيت؛ لكثرة أشجار الزيت على شاطئه. منه.
[7] في (خ) (( بدل اشتمال ) ).
[8] (( من قوله وستأتي القصة. .. إلى قوله الله تعالى ) )ليس في (خ) .