فهرس الكتاب

الصفحة 1381 من 11127

869 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنس الأصبحي الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصاريَّة المدنيَّة، توفِّيت قبل المائة، وقيل بعدها.

(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ لَوْ أَدْرَكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 647

مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ) في محلِّ النصب على أنَّه مفعول (( أدرك ) )؛ أي ما أحدثت من الزِّينة بالحليِّ والحُلَل والتطيُّب وغير ذلك ممَّا يحرِّك الدَّاعية للشَّهوة (لَمَنَعَهُنَّ) ويروى ويروى .

(كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) يحتمل أن تكون شريعتهنَّ المنع، ويحتمل أن يكون منعهنَّ بعد الإباحة، ويحتمل غير ذلك ممَّا لا طريقَ لنا إلى معرفته إلَّا بالخبر.

(قُلتُ) القائل هو يحيى بن سعيد (لِعَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن (أَوَمُنِعْنَ) بهمزة الاستفهام وواو العطف وفعل المجهول؛ أي أومنعت نساءُ بني إسرائيل من المساجد.

(قَالَتْ) عمرة (نَعَمْ) منعنَ منها، والظَّاهر أنَّها تلقَّت ذلك من عائشة رضي الله عنه، وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنه موقوفًا. أخرجه عبد الرَّزَّاق بإسناد صحيحٍ، ولفظه (( قالت كنَّ نساء بني إسرائيل يتَّخذن أرجلًا من خشب يتشرَّفن للرِّجال في المساجد، فحرَّم الله عليهنَّ المساجد، وسلِّطت عليهن الحيضة ) )وهذا وإن كان موقوفًا، فحكمه الرَّفع؛ لأنَّه لا يقال بالرَّأي.

فإن قيل من أين علمت عائشة رضي الله عنه هذه الملازمة والحكم بالمنع وعدمه ليس إلَّا لله تعالى؟

فالجواب أنَّها شاهدت القواعد الدينيَّة المقتضية لحسمِ مواد الفساد، وقد تمسَّك بعضُهم بهذا الحديث في منع النِّساء مطلقًا. وفيه نظر، إذ لا يترتَّب على ذلك تغيُّر الحكم؛ لأنَّها علَّقته بشرط لم يوجد بناء على ظنٍّ ظنَّته، فقالت لو رأى لمنع فيقال عليه لم ير ولم يمنع، فاستمرَّ الحكم على أنَّ عائشة رضي الله عنها لم تصرِّح بالمنع، وإن كان كلامها يشعر بأنَّها كانت ترى المنع.

وأيضًا فقد علم الله سبحانه ما سيُحدِثن، فما أوحى إلى نبيِّه منعهنَّ، ولو كان ما أحدثنَ يستلزم المنع من المساجد؛ لكان منعهنَّ من غيرها كالأسواق أولى. وأيضًا فالإحداث إنَّما وقع من بعض النِّساء لا من جميعهنَّ، فإن تعيَّن المنع، فليكن لمن أحدثَتْ.

وقال التَّيمي فيه دليلٌ على أنَّه لا ينبغي للنِّساء أن يخرجنَ إلى المساجد، إذ حدث في النَّاس الفساد.

والأولى في هذا الباب أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد، فيجتنب لإشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع التطيُّب والزِّينة، وكذلك التَّقييد باللَّيل كما سبق.

وقال أبو حنيفة رحمه الله أكره للنِّساء شهود الجمعة، وأرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر، وأمَّا غير ذلك من الصَّلوات فلا.

وقال أبو يوسف رحمه الله لا بأس للعجائز أن يخرجنَ إلى الصَّلوات كلها، وأكرهه للشَّابة.

فائدة

ج 4 ص 648

قال القسطلاني واستنبط من قول عائشة رضي الله عنه هذا أنَّه يحدث للنَّاس فتاوى بقدر ما أحدثوا كما قاله إمام الأئمَّة مالك رحمه الله، وليس هذا من التمسُّك بالمصالح المرسلة المباينة للشَّرع، كما توهَّمه بعضهم، بل مراده كمراد عائشة رضي الله عنه أنَّهم يُحدِثون أمرًا تقتضي أصول الشَّريعة فيه غير ما اقتضته قبل حدوث ذلك الأمر، ولا غرو بتبعيَّة الأحكام للأحوال، والله أعلم بحقيقة الحال.

تتمة قال العيني لو شاهدتْ عائشة رضي الله عنه ما أحدثتْ نساء هذا الزَّمان من أنواع البدع والمنكرات؛ لكانت أشدُّ إنكارًا، ولاسيَّما نساء مصر، فإنَّ فيهنَّ بدعًا لا توصف، ومنكراتٌ لا تمنع.

منها أنَّ ثيابهنَّ من أنواع الحرير المنسوجة أطرافها من الذهب والمرصَّعة باللآلئ وأنواع الجواهر وما على رؤوسهنَّ من الأقراص المذهَّبة المرصَّعة باللآلئ والجواهر اليتيمة [1] ، والمناديل الحرير المنسوج بالذَّهب والفضَّة الممدودة، وقمصانهنَّ من أنواع الحرير الواسعة الأكمام جدًّا، السَّائلة أذيالها على الأرض مقدار أذرعٍ كثيرةٍ بحيث يمكن أن يجعلَ من قميصٍ واحدٍ ثلاثة قمصان وأكثر.

ومنها أنَّ مشيهنَّ في الأسواق في ثياب فاخرةٍ وهنَّ متبختراتٍ متعطِّرات مائلات مع الرِّجال مكشوفات الوجوه في غالب الأوقات. ومنها ركوبهنَّ على الحمير الغرَّة وأكمامهنَّ سائلة من الجانبين في أزر رفيعة جدًّا. ومنها ركوبهنَّ على مراكب في نيل مصر وخلجانها مختلطات بالرِّجال، وبعضهنَّ يغنين بأصوات عاليةٍ مطربةٍ والأقداح تدور بينهنَّ.

ومنها غلبتهنَّ على أزواجهنَّ وقهرهنَّ إيَّاهم وحكمهنَّ عليهم بأمور شديدةٍ. ومنهن نساء يتَّبعن المنكرات بالإجهار، ويخالطن الرِّجال فيها. ومنهنَّ قوَّادات يفسدن الرِّجال والنِّساء، ويمشين بينهنَّ بما لم يرض به الشَّرع. ومنهنَّ صنف بغايا قاعدات مترصِّدات. ومنهنَّ صنف دائرات على أرجلهنَّ يصطن [2] الرِّجال. ومنهنَّ صنف سوارق من الدور والحمَّامات. ومنهنَّ صنف سواحر يسحرنَ وينفثنَ في العقد. ومنهنَّ صنف خطَّابات يخطبن للرِّجال نساء لها أزواج. ومنهنَّ بيَّاعات في الأسواق يتعاطينَ بالرِّجال. ومنهنَّ صنف دلَّالات نصَّابات على النِّساء. ومنهنَّ صنف نوائح ودقَّاقات يرتكبنَ هذه الأمور القبيحة بالأجرة. ومنهنَّ صنف مغنِّيات يُغَنِّين بأنواع الملاهي بالأجرة للرِّجال والنِّساء إلى غير ذلك من الأصناف الكثيرة الخارجة عن قواعد الشَّريعة.

فانظر إلى ما قالت الصِّدِّيقة رضي الله عنه من قولها (( لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النِّساء ) )، وليس بين هذا القول وبين وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا مدَّة يسيرة على أنَّ نساء ذلك الزَّمان

ج 4 ص 649

ما أحدثنَ جزأ من ألف جزء ممَّا أحدثتْ نساء هذا الزَّمان، والله المستعان في كلِّ حين وآن.

[1] من قوله (( وأنواع الجواهر. .. إلى قوله اليتيمة ) )ليس في (خ) .

[2] في هامش الأصل في نسخة يصطدن. وهو موافق لما في العمدة أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت