876 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ) وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزِّناد عند مسلم (( نحن الآخرون ونحن السَّابقون ) ) (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي الآخرون زمانًا، السَّابقون منزلةً وكرامة، والمراد أنَّ هذه الأمَّة وإن تأخَّر وجودها في الدُّنيا عن الأمم الماضية فهي سابقة لهم في الآخرة بأنَّهم أوَّل من يُحشر، وأوَّل من يُحاسب، وأوَّل من يُقضى بينهم، وأوَّل من يدخل الجنَّة.
وفي حديث حذيفة عند مسلم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أضلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السَّبت، وكان للنَّصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الله الجمعة والسبت والأحد، كذلك فهم تبعٌ لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدُّنيا والأوَّلون يوم القيامة المقضيِّ لهم قبل الخلائق ) ).
ويقال معناه نحن الآخرون لأجل إيتاء الكتاب لهم قبلنا، ونحن السَّابقون لهداية الله تعالى لنا، وقيل المراد بالسَّبق هنا إحراز فضيلة اليوم السَّابق بالفضل وهو يوم الجمعة، ويوم الجمعة وإن كان مسبوقًا
ج 5 ص 4
بسبت قبله أو أحد، لكن لا يتصوَّر اجتماع الأيَّام الثَّلاثة متوالية إلَّا ويكون يوم الجمعة سابقًا، وقيل المراد بالسَّبق هو السَّبق إلى القبول والطَّاعة التي حُرِمها أهل الكتاب فقالوا سمعنا وعصينا، والأوَّل أقوى على ما قاله الحافظ العسقلاني.
(بَيْدَ) بفتح الموحدة وسكون التحتانية مثل «غير» وزنًا ومعنى وإعرابًا إلَّا أنَّه لا يقع مرفوعًا ولا مجرورًا بل منصوبًا، ولا يقع صفة ولا استثناء متَّصلًا، وإنَّما يستثنى به في الانقطاع خاصَّة، وبكونه بمعنى «غير» جزم الخليل والكسائي، ورجَّحه ابن سِيْده، وهو اسم ملازم للإضافة إلى «أن» وصلتها.
وقال الدَّاودي إنَّها بمعنى «على» أو «مع» ، قال القرطبي إن كانت بمعنى «غير» فينصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى «مع» فينصب على الظَّرف.
وروى ابن أبي حاتم في «مناقب الإمام الشَّافعي» عن الرَّبيع عنه أنَّ معنى «بيد» من أجل، وكذا ذكره ابن حبَّان والبغوي عن المزنيِّ عن الشَّافعي، وقد استبعده عياض.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولا بُعدَ فيه بل معناه إنَّا سبقنا بالفضل إذ هُدينا للجمعة مع تأخِّرنا في الزَّمان بسبب أنَّهم ضلُّوا عنها مع تقدُّمهم، ويشهد له ما وقع في «فوائد ابن المُقْري» من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( نحن الآخرون في الدُّنيا، ونحن أوَّل من يدخل الجنَّة لأنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا ) ).
وفي «موطَّأ سعيد بن عُفير» عن مالك عن أبي الزِّناد بلفظ (( ذلك بأنَّهم أوتوا الكتاب ) ). انتهى.
وفيه أنَّ ما ذكره من المعنى لا ينفي الاستبعاد كما لا يخفى على من تأمَّل، وأمَّا ما ذكره شاهدًا فلا يصلح لذلك؛ لأنَّ قولهم «لأنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا» تعليل لقوله (( نحن الآخرون في الدُّنيا ) )فتأمَّل.
وقال الطِّيبي هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذَّم، والمعنى نحن السَّابقون للفضل غير أنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التَّأكيد فيه ما أدمج فيه من معنى النَّسخ؛ لأنَّ الناسخ هو السَّابق في الفضل وإن كان متأخِّرًا في الوجود، وبهذا التَّقرير يظهر موقع قوله (( نحن الآخرون ) )مع كونه أمرًا واضحًا.
وفي «مسند الشَّافعي» (( بايْدَ أنَّهم ) )، وفي «مجمع الغرائب» بعض المحدِّثين يرويه بأيْدَ أنَّا أوتينا؛ أي بقوَّة أنَّا أعطينا. قال أبو عبيد وهو غلط ليس له معنى يعرف، والله أعلم.
(أَنَّهُمْ) أي غير أنَّ اليهود والنَّصارى (أُوتُوا الْكِتَابَ) أي أعطوه (مِنْ قَبْلِنَا) واللام للجنس، والمراد التَّوراة والإنجيل.
وقال القرطبي المراد بالكتاب التَّوراة، وفيه نظر لقوله (( وأوتيناه من بعدهم ) )فأعاد الضَّمير على الكتاب، فلو كان المراد التَّوراة لما صحَّ الإخبار لأنَّا إنَّما أوتينا القرآن.
ثمَّ قوله (( وأوتيناه من بعدهم ) )سقط من رواية
ج 5 ص 5
الأصَيليِّ وهو ثابتٌ في رواية أبي زرعة الدِّمشقي عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه، أخرجه الطَّبراني في «مسند الشَّاميين» عنه، وكذا لمسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزِّناد، وسيأتي تامًّا عند المؤلِّف بعد أبواب من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦896] .
(ثُمَّ هَذَا) أي يوم الجمعة، وأشير إليه بـ «هذا» لكونه ذكر في أوَّل الكلام، كما عند مسلم من طريق آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومن حديث حذيفة رضي الله عنه قالا قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أضلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا .... ) )الحديث.
(يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ) وفي رواية والمراد بفرضه فرض تعظيمه.
قال ابن بطَّال ليس المراد أنَّ يوم الجمعة فُرِض عليهم بعينه فتركوه؛ لأنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يتركَ ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنَّما يدلُّ والله أعلم أنَّه فُرِض عليهم يومٌ من الجمعة وُكِلَ إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتَهُم، فاختلفوا في أيِّ الأيَّام هو ولم يهتدوا ليوم الجمعة.
وجنحَ القاضي عياض إلى هذا، ورشَّحه بقوله لو كان فرض عليهم بعينه لقيل فخالفوا، بدل فاختلفوا.
وقال النَّووي يمكن أن يكونوا أُمروا به صريحًا فاختلفوا هل يلزمُ تعيينه أم يسوغُ إبداله بيوم آخر فاجتهدوا في ذلك فأخطأوا، انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ويشهد له ما رواه الطَّبري بإسناد صحيحٍ عن مجاهد في قوله تعالى {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل 124] قال أرادوا الجمعة فأخطأوا وأخذوا السَّبت مكانه.
وتعقَّبه العيني بأنَّه كيف يشهد له هذا وهم أخذوا السَّبت؛ لأنَّه جعل عليهم وإن كان أخذهم بعد اختلافهم فيه فخطؤوهم في إرادتهم الجمعة، ومع هذا استقروا على السَّبت الذي جعل عليهم.
هذا وقيل يحتمل أن يكون فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا، ويدلُّ عليه ما رواه ابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السُّدِّي ولفظه (( إنَّ الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا يا موسى إنَّ الله لم يخلق يوم السَّبت شيئًا فاجعله لنا فجُعِل عليهم ) ).
وفي بعض الآثار ممَّا نقله عبد الله الأُبِّي أنَّ موسى عليه الصَّلاة والسَّلام عيَّن لهم يوم الجمعة، وأخبرهم بفضيلته فناظروه بأنَّ السَّبت أفضل، فأوحى الله تعالى إليه دعهم، وما اختاروا، فالظَّاهر أنَّه عيَّنه لهم؛ لأنَّ السِّياق دال على ذمِّهم في العدول عنه فيجب أن يكون قد عيَّنه لهم؛ لأنَّه لو لم يعيِّنه لهم وَوُكِلَ التعيين إلى اجتهادهم كان الواجب عليهم يومٌ لا بعينه، فإذا أدَّى الاجتهاد إلى أنَّه السَّبت أو الأحد لزم المجتهد ما أدَّى اجتهاد إليه ولا يأثم، ويشهد له قوله «هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه» فإنَّه ظاهرًا، ونصَّ في التَّعيين
ج 5 ص 6
وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة 58] وغير ذلك وكيف لا وهم القائلون سمعنا وعصينا.
(فَاخْتَلَفُوا فِيهِ) هل يلزم تعيينَه أو يسوغُ إبداله بغيره من الأيَّام فاجتهدوا في ذلك فأخطئوا (فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ) يحتمل أن يراد الهداية إليه بأن نصَّ لنا عليه، ولم يكلنا إلى اجتهادنا لاحتمال أن يكون صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمه بالوحي وهو بمكَّة فلم يتمكَّن من إقامتها بها، وفيه حديث عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند الدَّارقطني، ولذلك جمَّع بهم أوَّل ما قدم المدينة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، ويحتمل أن يرادَ الهداية إليه بالاجتهاد.
ويشهد للثَّاني ما رواه عبد الرَّزَّاق بإسناد صحيحٍ عن محمَّد بن سيرين قال جمَّع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقبل أن تنزلَ الجمعة، فقالت الأنصار إنَّ لليهود يومًا يجتمعون فيه كلَّ سبعة أيَّام، وللنَّصارى مثل ذلك فهلمَّ فلنجعلْ يومًا نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلِّي ونشكره فجعلوه يوم العَروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة فصلَّى بهم يومئذٍ وأنزل الله تعالى بعد ذلك {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة 9] الآية.
وهذا وإن كان مرسلًا فله شاهد بإسناد حسنٍ أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصحَّحه ابن خُزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال كان أوَّل من صلَّى بنا الجمعة قبل مقدمِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة أسعد بن زُرارة، الحديث.
فمرسل ابن سيرين يدلُّ على أنَّ أولئك الصَّحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَهُ بالوحي وهو بمكَّة، كما تقدَّم، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق.
وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم عليه السَّلام فيه، والإنسان إنَّما خلق للعبادة فناسب أن يشتغلَ بالعبادة فيه، ولأنَّ الله تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجدَ فيه الإنسان الذي ينتفع بها فناسبَ أن يشكرَ على ذلك بالعبادة فيه.
(فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ) أي في اليوم المفروض علينا وعليهم تعظيمه (تَبَعٌ) جمع تابع، كالخدَم جمع خادم (الْيَهُودُ غَدًا) فيه حذفٌ تقديره يعظِّم اليهود غدًا أو اليهود يعظِّمون غدًا؛ أي يوم السَّبت (وَ) يعظِّم (النَّصَارَى) يومًا (بَعْدَ غَدٍ) أي يوم الأحد، وإنَّما اختار اليهود السَّبت؛ لأنَّهم زعموا أنَّه يومٌ قد فرغ الله فيه عن خلق الخلق، فقالوا نحن نستريحُ فيه عن العمل ونشتغلُ بالعبادة والشُّكر لله تعالى، واختار النَّصارى يوم الأحد لأنَّهم قالوا أوَّل يومٍ بدأ الله فيه بخلق الخلق فهو أولى بالتَّعظيم، فهدانا الله تعالى
ج 5 ص 7
لليوم الذي فرض تعظيمه عليهم وعلينا، ولم يهدهم له وادَّخره لنا وهو يوم الجمعة وهو سابق على السَّبت والأحد، فنحن السَّابقون لهم في الدُّنيا أيضًا من هذا الوجه، والله أعلم.
وفي الحديث دليل على فرضيَّة الجمعة لقوله (( فرض الله عليهم فاختلفوا فهدانا الله له ) )لأنَّ التَّقدير فرض الله عليهم وعلينا فضلُّوا واهتدينا، والفرض وإن كان يطلق بمعنى التَّقدير أيضًا إلَّا أنَّه هنا متعيِّن لمعنى الإلزام لاشتماله على ذكر الصَّرف لأهل الكتاب عن اختياره، وتعيينُه لهذه الأمَّة سواء كان ذلك بالنصِّ أو بالاجتهاد.
وفي القصَّة إشعار بأنَّ فرضيَّتها على الأعيان لا على الكفاية وهو من جهة إطلاق الفرضيَّة، ومن التَّعميم في قوله «فهدانا الله له والنَّاس لنا فيه تبع» .
وفيه أنَّ الهداية والإضلال من الله تعالى لقوله «فهدانا الله» . وفيه أنَّ سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمَّة، وفيه دليل قويٌّ على تفضيل هذه الأمَّة على الأمم السَّالفة. وفيه سقوط القياس مع وجود النَّص وذلك أنَّ كلاًّ منهما قال بالقياس مع وجود النصِّ على قول التَّعيين فضلًا. وفيه التَّفويض وترك الاختيار؛ لأنَّهما اختارا فضلًا ونحن علَّقنا الاختيار على من هو بيده فهدى وكفى.
ورجال إسناد هذا الحديث ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ. وقد أخرجه مسلم والنَّسائي أيضًا.