فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 11127

8 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتصغير

ج 1 ص 158

(بْنُ مُوسَى) بن باذام _ بالباء الموحدة والذال المعجمة _ وهو لفظ فارسي معرب، ومعناه اللون، أبو محمد العَبْسِي _بفتح المهملة وسكون الموحدة _ مولاهم الكوفي الثقة، سمع الأعمش وخَلْقًا من التابعين، وعنه البخاري وأحمد وغيرهما، وروى مسلم وأصحاب (( السنن ) )عن رجل عنه، وكان عالمًا بالقراءات رأسًا فيها.

قال أحمد بن عبد الله العجلي ما رأيت عبيد الله رافعًا رأسه، ولا ضاحكًا، توفي بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة ومائتين.

قال ابن قتيبة في (( المعارف ) )كان عبيد الله يتشيَّع، ويروي أحاديث منكَرة، فضُعِّف بذلك عند كثير من الناس. وقال النووي وقع في (( الصحيحين ) )وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير الدُّعاة إلى بدعتهم، ولم يزل السَّلف والخلف على قَبول الرِّواية منهم، والاستدلال بها، والسَّماع منهم، وإسماعهم من غير إنكار.

(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية الهروي (حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بن عبد الرحمن الجُمْحي _ بضم الجيم وفتح الميم _ نسبة إلى جُمَح أحد أجداده، المكي القرشي، الثِّقة الحجَّة، سمع عطاء وغيره من التابعين، وعنه الثوريُّ وغيره من الأعلام، ومات سنة إحدى وخمسين ومائة، روى له الجماعة. وقد قال قطب الدِّين إلَّا ابن ماجه، وليس بصحيح، بل روى له ابن ماجه أيضًا، كما نبه عليه المزيُّ.

(عَنْ عِكْرِمَةَ) بكسر المهملة وسكون الكاف وكسر الراء (بْنِ خَالِدٍ) بن العاص بن هشام المخزومي، نسبةً إلى مخزوم أحد أجداده، القرشي المكي، الثِّقة الجليل، سمع ابن عمر وابن عباس وغيرهما، وروى عنه عَمرو بن دينار وغيره من التابعين، مات بمكة بعد عطاء، ومات عطاء سنة أربع عشرة، أو خمس عشرة ومائة، والعاص جده هو أخو أبي جهل، قتله عمر رضي الله عنه ببدر كافرًا، وهو خال عمر على قول.

وفي الصحابة عكرمة ثلاثة لا رابع لهم ابن أبي جهل، وابن عامر، وابن عبيد.

قال العيني وفي طبقة عكرمة بن خالد بن العاص عكرمة بن خالد بن سلمة، وهو ضعيف، ولم يخرج له البخاري، وهو لم يرو عن ابن عمر، وينبغي التَّنبيه لهذا؛ فإنه موضع الاشتباه والالتباس.

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنه، وقد سبق ترجمته. ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأن رجال إسناده كلهم مكيون

ج 1 ص 159

إلَّا عُبيد الله فإنَّه كوفي، وكلهم على شرط الستَّة إلَّا عكرمة بن خالد، فإن ابن ماجه لم يخرج له، وإنه من رباعيات البخاري، ومن خماسيَّات مسلم.

وأخرج متنه المؤلف في التَّفسير أيضًا [خ¦4514] ، ومسلم في الإيمان. وزاد في روايته عن حنظلة قال سمعتُ عكرمة بن خالد يحدِّث طاوسًا أنَّ رجلًا قال لعبد الله بن عمر ألا تغزو؟ فقال إنِّي سمعت، فذكر الحديث.

وقال البيهقيُّ اسم الرجل السَّائل حكيم.

(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم بُنِيَ الإِسْلاَمُ) هو لغة الانقياد والخضوع، وفي الشَّريعة الانقياد لله ولرسوله صلَّى الله عليه وسلم بالتَّلفظ بكلمتي الشَّهادة، والإتيان بالواجبات، والانتهاء عن المنكرات، كما دلَّ عليه جواب النَّبي صلَّى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام حيث قال عليه السلام (( الإسلامُ أن تعبدَ الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم شهر رمضان ) ).

ثم اختلف العلماء في الإيمان والإسلام، هل هما مترادفان أو متغايران؟ فذهب المحقِّقون إلى أنهما مُتغايران، وهو الصَّحيح. وذهب بعضُ المحدِّثين والمتكلِّمين وجمهور المعتزلة إلى أنَّهما مترادفان شرعًا؛ لأن الإيمان لو كان غير الإسلام لَمَا قُبِل من مُبتغيه؛ لقوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران 85] ، وليس كذلك، ولأنَّ الإسلام إمَّا أن يكون من التَّسليم؛ أي تسليم العبد نفسه لله تعالى، أو يكون مأخوذًا من الاستسلام؛ وهو الانقيادُ. وكيف ما كان فهو راجعٌ إلى التَّصديق، ولأنَّه لو كانا متغايرين لتصور أحدهما بدون الآخر، ولتصور مسلم ليس بمؤمن، أو مؤمن ليس بمسلم.

والجواب عن الأوَّل إنما لاءم أن الإيمان الَّذي هو التَّصديق فقط دِين، بل الدين إنما يقال لجميع الأركان المعتبرة في كلِّ شريعة كالإسلام المفسر بتفسير النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، ولهذا يُقال دين الإسلام، ولا يُقال دين الإيمان، فمعنى الآية ومن يبتغ دينًا غير دين محمد فلن يُقبل منه.

وعن الثاني إنما لاءم أنَّ التَّسليم هاهنا بمعنى تسليم العبد نفسه، بل هو بمعنى الاستسلام، وهو الانقيادُ، ويجوز أن يوجدَ الانقياد ظاهرًا بدون تصديق القلب.

ج 1 ص 160

ويؤيِّده قوله تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات 14] ؛ أي لم تصدِّقوا بقلوبكم، ولكن قولوا أنقذنا ظاهرًا بدون مواطأة القلوب.

وعن الثالث بأن عدم تغايرهما بمعنى عدم الانفكاك لا يوجب اتِّحادهما معنى، والمنافقون كلُّهم مسلمون بالتَّفسير المذكور غير مؤمنين؛ فقد وجد أحدهما بدون الآخر.

(عَلَى خَمْسٍ) أي خمس دعائم، أو قواعد، أو خصال، ويُروى ، وهكذا رواية مسلم؛ أي خمسة أشياء أو أركان أو أصول. ويقال إنما حذف الهاء؛ لكون الأشياء لم تذكَّر، كقوله تعالى {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة 234] أي عشرة أشياء.

وفيه استعارةٌ بالكناية؛ لأنه شبَّه الإسلام بمبنى له دعائم، فذكر المشبَّه وطوى ذكر المشبَّه به، وذكر ما هو من خواصه وهو البناء ويسمَّى هذا استعارة ترشيحيَّة ويجوز أن تكون استعارة تمثيليَّة؛ بأن تُمثَّلَ حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة وقطبها الذي تدور عليه الأركان هو الشَّهادة، وبقية شعب الإيمان كالأوتادِ للخباء.

روي أنَّ الفرزدق حضر جنازةً فسأله بعض الأئمة يا فرزدق ما أعددت لمثل هذه الحالة؟ فقال شهادة أن لا إله إلا الله، فقال هذا العمود فأين الأَطْناب.

ويجوز أن تكون الاستعارة تبعيَّة؛ بأن يقدر الاستعارة في بُنِيَ، والقرينة الإسلام، شَبَّه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثمَّ تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل.

قال العينيُّ والأظهرُ أن تكون استعارة مكنية بأن تكون الاستعارة في الإسلام، والقرينة بُنِي على التَّخييل بأن شبَّه الإسلام بالبيت، ثمَّ خيل كأنَّه بيت على المبالغة، ثمَّ أطلق الإسلام على ذلك المخيَّل، ثمَّ خُيِّل له ما يلازم المشبَّه به؛ أعني البيت من البناء، وأثبت للمشبَّه على الاستعارة التَّخييلية؛ ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة.

(شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَ) شهادة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) بجرِّ شهادة على أنه بدل من خمس، وكذا ما بعدها، ويجوز الرفع على أن تكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي شهادة إلى آخره، ويجوز النصب أيضًا على تقدير أعني.

(وَإِقَامِ الصَّلاَةِ) الَّتي هي عبارة عن العبادة المفتتحة بالتَّكبير المختتمة بالتسليم؛ أي المداومة عليها، أو الإتيان بها بشروطها وأركانها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطائها مستحقِّها بإخراج جزءٍ من المال على وجهٍ مخصوصٍ فحذف أحد المفعولين (وَالْحَجِّ) هو في اللُّغة القصد، وفي الشريعة قصد مخصوص، في وقت مخصوصٍ، إلى مكان مخصوصٍ، هو بيت الله

ج 1 ص 161

الحرام.

(وَصَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ) وهو الإمساك عن المفطِّرات الثلاث نهارًا مع النِّية، ووجه الحصر في الخمسة أن العبادة إمَّا قوليَّة أو غيرها، الأولى الشَّهادة، والثانية إما تركيَّة أو فعلية، الأولى الصوم، والثانية إما بدنية أو مالية أو مركَّبة منهما، الأولى الصلاة، والثانية الزكاة، والثالثة الحج.

ثمَّ إن الواو لا تدلُّ على الترتيب، ولكن الحكمة في ذكر هذه الخمسة هكذا لا يبعد أن تكون أن الشَّهادة أصلٌ للعبادات فيتعيَّن تقديمها ثم الصَّلاة؛ لأنها عماد الدِّين، ثمَّ الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة، ثم الحج؛ للتغليظات الواردة فيه ونحوها، فبالضرورة يقع الصوم آخرًا، وعليه بَنى المصنف ترتيب جامعه.

لكن عند مسلم من رواية سعد بن عبيدة، عن ابن عمر رضي الله عنهما تأخير الصوم عن الحج. فقال رجلٌ _ وهو يزيد بن بشر السَّكسكي _ والحجُّ وصوم رمضان، فقال ابن عمر (( لا صيام رمضان والحج، هكذا سمعتُه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ) )فيحتمل أن يكون حنظلة رواه بالمعنى؛ لكونه لم يسمع ردَّ ابن عمر على يزيد أو سمعه ونسيه [1] .

ثم إنه لم يَذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة، ولم يذكر الجهاد أيضًا؛ لأن الجهاد فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال، وأما الإيمان بالأنبياء والملائكة؛ فإنما لم يُذكر؛ لأن المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات.

قيل إنَّ الإسلام هو الكلمة فقط، ولهذا يحكم بإسلام من تلفَّظ بها، فلمَ ذكر الأخوات معها؟

وأُجيب بأنها ذُكرت؛ تعظيمًا لها.

قال النَّووي حُكم الإسلام في الظَّاهر ثبت بالشهادتين وإنما أُضيفت إليهما الصلاة ونحوها؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده واختلاله. قيل فعلى هذا التقدير إنَّ الإسلام هي هذه الأمور فكيف يكون الإسلام مبنيًا عليها، والمبني لا بدَّ أن يكون غير المبني عليه؟. وأُجيب بأن الإسلام عبارةٌ عن المجموع، والمجموع غير كل واحد من أركانه [2] .

وأجابَ بعضهم عنه بأنَّ كلمة على بمعنى من؛ أي بُني الإسلام من خمس.

فإن قيل الأربعة الأخيرة مبنيَّة على الشَّهادة، إذ لا يصحُّ شيءٌ منها إلَّا بعد وجودها، فالأربعة مبنيَّة والشهادة مبني عليها فلا يجوز إدخالها في سلك واحد. فالجواب أنَّه لا محذور في أن يُبنى

ج 1 ص 162

أمرٌ على أمر ثمَّ على الأمرين أمر آخر، أو أنَّا لا نُسلِّم أن الأربعة مبنية على الشهادة بل صحَّتها موقوفة عليها، وذلك غير معنى بناء الإسلام على الخمس.

وقال التيميُّ قوله (( بني الإسلام على خمس ) )كأن ظاهره أنَّ الإسلام مبنيٌّ على هذه الأشياء، وإنما هذه الأشياء مبنيَّة على الإسلام؛ لأنَّ الرَّجل ما لم يشهدْ لا يخاطب بهذه الأشياء الأربعة ولو قالها فإنَّا نحكم في الوقت بإسلامه ثمَّ إذا أنكر حكمًا من هذه الأحكام المذكورة المبنيَّة على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه إلَّا أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم لمَّا أراد أن يُبين أن الإسلام لا يتمُّ إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنيًا عليها، ولهذا المعنى سوَّى بينها وبين الشهادة وإن كانت هي الإسلام بعينه.

وقال الكرمانيُّ حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشَّهادة؛ لا نفس الإسلام وهو حسن. لكن قوله ثمَّ إذا أنكر حكمًا من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من البحث، إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها، لا في إنكارها وكيف وإنكار كلِّ حكم من أحكام الإسلام مُوجِب للكفر، فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة. وقال محمود العيني استدراك الكرماني لا وجهَ له. انتهى.

وذلك لَمَا ذكرناه سابقًا نقلًا عن الإمام النَّووي، فتذكَّر.

[1] في هامش الأصل ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل حيث سأله ألا تغزو، وزاد في رواية عند عبد الرزاق في آخره وأنَّ الجهاد من العمل الحسن، وأغرب ابن بطَّال فزعم أنَّ هذا الحديث كان في أوَّل الإسلام قبل فرض الجهاد، وفيه نظر بل هو خطأ؛ لأنَّ فرض الجهاد كان قبل وقعة بدرٍ، وبدر كانت في رمضان في السَّنة الثانية، وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلك، والحج بعد ذلك على الصَّحيح، كذا ذكره العسقلاني في (( فتح الباري ) ). منه.

[2] في هامش الأصل ومثاله البيت من الشَّعر يُجعل على خمسة أعمدة أحدها أوسطه، والبقية أركان، فما دام الأوسط قائمًا، فمسمَّى البيت موجود ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مُسمَّى البيت فإنه بالنظر إلى مجموعه شيء واحد وبالنظر إلى إفراده أشياء، وأيضًا فبالنظر إلى أُسِّه وأركانه؛ الأس أصل، والأركان تبَع وتكملة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت