فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 11127

75 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين هو عبد الله بن عمرو بن الحجاج البصري الحافظ المُقْعَد _ بضم الميم وفتح العين _ المِنْقَري [1] _ بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف بعدها راء _ نسبة إلى مِنقَر بن عبيد بن الحارث سمع عبد الوارث والدراوردي وغيرهما، وروى عنه أبو حاتم الرازي والبخاري، وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن رجل عنه. قال يحيى بن معين هو ثقة عاقل، وفي رواية ثبت، وكان يقول بالقدر، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.

ج 1 ص 498

(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) ؛ بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري، نسبة إلى العنبر ابن عمرو بن تميم أبو عبيدة البصري المعروف بالتنوري، روى عن أيوب السختياني وغيره، قال ابن سعد كان ثقة حجة، وقال البخاري قال ابنه عبد الصمد ما سمعت أبي قط يقول في القدر، توفي بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومئة.

(قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ) ؛ هو ابن مِهران أبو المُنازل [2] الحذاء التابعي، كثير الحديث، واسع الرواية، والحذَّاء _ بتشديد الذال المعجمة وبالمد _ قيل إنه ما حذا نعلًا قط ولا باعها، لكن تزوج امرأة فنزل عليها في الحذَّاءين، فنُسِب إليهم، وقال ابن سعد لم يكن بحذَّاء، ولكن كان يجلس إليهم، وقيل كان يقول احذوا على هذا النحو، فلُقِّب به، قال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال يحيى وأحمد ثقة، توفي سنة إحدى وأربعين ومئة في خلافة أبي جعفر المنصور، روى له الجماعة.

(عَنْ عِكْرِمَةَ) ؛ أبي عبد الله مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنه المفسر المدني القرشي، أصله من البربر من أهل المغرب، كان للعنبري قاضي البصرة، فوهبه لابن عباس رضي الله عنهما حين جاء واليًا على البصرة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، سمع مولاه، وعبد الله بن عمر، وخلقًا من الصحابة، وكان من العلماء في زمانه بالعلم والقرآن، وروى عنه أيوب وخالد الحذَّاء وخلقٌ، وتُكلِّم فيه لرأيه رأي الخوارج، وأطلق نافع وغيره عليه الكذب، وقال الحارث بن عبد الله (دخلت على علي بن عبد الله وعكرمة موثق على باب كنيف، فقلت له أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال إن هذا كذب على أبي) .

وقال محمد بن سعد (كان كثير العلم) ، بحرًا من البحور، ولكن تكلَّم الناس فيه؛ لرأيه رأي الخوارج، وقال يحيى بن معين (إذا رأيت من تكلم على عكرمة فاتهمه على الإسلام) ، وقال البخاري (ليس أحد من أصحابنا لا يحتج بعكرمة) ، وقال ابن عدي (لم يمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة) ، وأدخله أصحاب الصحاح في «صحاحهم» ، وقيل لسعيد بن جبير هل أحد أعلم منك؟ قال عكرمة، وروى له مسلم مقرونًا بطاوس وسعيد بن جبير، واعتمده البخاري في أكثر ما يصح عنه من الروايات، وربما عِيب على إخراج حديثه.

ومات ابن عباس رضي الله عنه

ج 1 ص 499

وعكرمة عبدٌ، فباعه ابنه علي من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار، فاستقاله، فأقاله وأعتقه، وكان جوَّالًا في البلاد، ومات بالمدينة سنة خمس، أو ست، أو سبع ومئة، وقد بلغ ثمانين ومات معه في ذلك اليوم كُثَيرِّ عزَّة الشاعر فقيل مات اليوم أفقه الناس، وأشعر الناس.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.

ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رواته بصريون ما خلا عكرمة وابن عباس رضي الله عنهما، وهما أيضًا سكنا البصرة مدة، ومنها أن إسناده على شرط الأئمة الستة، قاله بعض الشارحين، وفيه نظر، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلف هنا، وفي «فضائل الصحابة» [خ¦3756] ، وفي «الطهارة» أيضًا [خ¦143] ، وأخرجه مسلم في «فضل ابن عباس» ، وأخرجه الترمذي في «المناقب» ، وقال حسن صحيح، وأخرجه النسائي فيه، وابن ماجه في «السنة» .

(قَالَ) ؛ أي إنه قال (ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ) ؛ وفي رواية (صلى الله عليه وسلم) إلى نفسه، أو إلى صدره كما جاء مصرحًا بذلك في رواية مسدد عن عبد الوارث في «المناقب» حيث قال إلى صدره [خ¦3756] ، وكان ابن عباس إذ ذاك غلامًا مميزًا، فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب على سبيل الشفقة.

(وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ) وعرفه (الْكِتَابَ) أي القرآن؛ لأن الجنس المطلق محمول على الكامل، ولأن العرف الشرعي عليه، أو لأن اللام للعهد، والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظ لفظه، وتفهم معانيه وأحكامه.

ووقع في رواية مسدد (( الحكمة ) )بدل (( الكتاب ) )، وذكر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحذاء، وفيه نظر؛ لأن المؤلف أخرجه أيضًا من حديث وُهيب عن خالد بلفظ «الكتاب» [خ¦7270] أيضًا، فيحمل على أن المراد بالحكمة أيضًا القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى.

وروى الترمذي والنسائي من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (( دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوتى الحكمة مرتين ) )فيحتمل تعدد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب القرآن، وبالحكمة السنة، وقد فسرت الحكمة بالسنة في قوله تعالى {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة 2] ، قالوا المراد بالحكمة هنا السنة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من الله عز وجل. ويؤيد ذلك

ج 1 ص 500

رواية عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس التي أخرجها الشيخان بلفظ (( اللهم فقهه ) )، وزاد البخاري في روايته (( في الدين ) ) [خ¦143] .

وذكر الحُميدي في «الجمع» أن أبا مسعود ذكره في «أطراف الصحيحين» بلفظ (( اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل ) )وقال هذه الزيادة ليست في «الصحيحين» وهو كما قال، نعم هي في رواية سعيد بن جُبير عند أحمد وابن حبان، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء بلفظ (( اللهم علمه الحكمة، وتأويل الكتاب ) )، وهذه الزيادة غريبة من هذا الوجه؛ فقد رواه الترمذي والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها، وروى ابن سعد من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي وقال (( اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب ) )، وقد رواه أحمد عن هُشَيم عن خالد في حديث الباب بلفظ (( مسح على رأسي ) )وهذه الدعوة مما تحققت إجابتها، فإن ابن عباس رضي الله عنهما كان عالمًا بالكتاب، حبر الأمة، بحر العلم، سلطان المفسرين، ترجمان القرآن، قال ابن بطال (كان ابن عباس رضي الله عنه من الأحبار الراسخين في علم القرآن والسنة، وأنا لا أشك كمحمود العيني في أن جميع دعوات النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة) ، وقوله (( لكل نبي دعوة مستجابة ) )لا ينفي ذلك؛ لأنه ليس بمحصور، وأما سبب هذه الدعوة فقد بيَّنه الشيخان في الرواية الأخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء فوضعتُ له وضوءًا، زاد مسلم فلمَّا خرج، ثم اتفقا قال (( من وضع هذا ) ) [خ¦143] فأُخبر، ولمسلم قالوا ابن عباس.

ولأحمد وابن حبان من طريق سعيد بن جُبير عنه أن ميمونة رضي الله عنه هي التي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلًا، ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس رضي الله عنهما فيها عندها ليرى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى [خ¦138] ، وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار عن كُريب عن ابن عباس رضي الله عنهما [3] في قيامه خلف النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة

ج 1 ص 501

الليل، وفيه فقال لي (( ما بالك أجعلُكَ حذائي فتخلفني ) )فقلت أَوَيَنبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله؟ قال فدعا لي أن يزيدني الله فهمًا وعلمًا، ثم إنهم اختلفوا في المراد بالحكمة فقيل القرآن، وقيل السنة، وقد تقدم. فإن قلت ما معنى تسمية الكتاب والسنة بالحكمة؟، فالجواب أن يقال أما الكتاب فلأن الله تعالى أحكم فيه لعباده حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأما السنة؛ فلأنها محكمة فصل بها بين الحق والباطل، وبيَّن بها مجمل القرآن ومعانيه، وقيل هي الإصابة في القول، وقيل هي الخشية، وقيل الفهم عن الله، وقيل العقل، وقيل ما يشهد العقل بصحته، وقيل نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل سرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان 12] ، والله تعالى أعلم.

ثمَّ في الحديث فوائد منها بركة دعائه صلى الله عليه وسلم وإجابته، ومنها فضل العلم، والحض على تعلُّمه، وعلى حفظ القرآن، والدعاء بذلك، ومنها استحباب الضم، وهو إجماع للطفل والقادم من سفر، ولغيرهما مكروه عند البغوي، والمختار جوازه إذا لم يؤدِّ إلى تحريك شهوة، هذا مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة أن ذلك يجوز إذا كان عليه قميص. وقال الإمام أبو منصور الماتريدي المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، وأما ما كان على وجه البر والكرامة فجائز.

[1] في هامش الأصل من نقرت عن الأمر كشفت عنه. منه.

[2] في هامش الأصل أبو المُنازل بضم الميم كذا ذكره أبو الحسن، وقال عبد الغني ما كان من منازل فهو بضم الميم إلا يوسف بن منازل فإنه بفتح الميم، وقيل أبو المنازل أيضًا بفتح الميم ولكن الضم أظهر. منه.

[3] (( من قوله ليرى صلاة. .. إلى قوله رضي الله عنهما ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت