883 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام القرشي العامري المدني (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا لها، هو أبو سعد المدني التَّابعي.
(قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي) هو أبو سعيد كيسان المقبري التَّابعي (عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ) أي ابن حرام أبو وديعة الأنصاري المدني قتل بالحرَّة، واختلف فيه أهو صحابي أم تابعي (عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ) رضي الله عنه، أصله من رام هرمز أسلم بعد قدوم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وكان عبد بني قريظة فكاتبوه فأدَّى عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتابته، كان مسافرًا لطلب الدِّين فأخذه العرب فباعوه، ويقال إنَّه تداوله بضعة عشر مالكًا حتَّى أفضى إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وساعده في العتق، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( سلمان منَّا أهل البيت ) )حين قال المهاجرون يوم الخندق سلمان منَّا، وقال الأنصار سلمان منَّا، وهو أحد الذين اشتاقت إليهم الجنَّة، عاش مائتين وخمسين سنة، وقيل ثلاثمائة وخمسين سنة. وقيل أدرك عيسى عليه السَّلام، وكان يأكل من عمل يده، ولَّاه عمر المدائن ومات بها.
ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيُّون، وفيه ثلاثة من التَّابعين إن لم يكن ابن وديعة صحابيًّا، وقد ذكره ابن سعد من الصَّحابة، وكذا ذكره ابن منده وعزاه لأبي حاتم.
وقال الذَّهبي في «تجريد الصَّحابة» عبد الله بن وديعة بن حرام الأنصاري له صحبة، روى عنه أبو سعيد المقبُري، فعلى هذا يكون فيه تابعيَّان وصحابيَّان.
وفيه أيضًا أنَّ ابن وديعة ليس له في البخاري إلَّا هذا الحديث، وقد طعن الدَّارقطني على البخاري حيث قال إنَّه اختلف فيه على سعيد المقبُري فرواه ابن أبي ذئب عنه هكذا. ورواه ابن عجلان عنه فقال عن أبي ذرٍّ بدل سلمان، وأرسله أبو معشر عنه فلم يذكر سلمان ولا أبا ذرٍّ، ورواه عبيد الله العمري عنه فقال عن أبي هريرة. انتهى.
وفيه أنَّ رواية ابن عجلان من حديث أبي ذرٍّ أخرجها
ج 5 ص 23
ابن ماجه فقال نا سهل بن أبي سهل وحَوْثَرة بن محمَّد قالا نا يحيى بن سعيد القطَّان، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبُري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، وتطهَّر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومسَّ ما كتب الله له من طيب أهله، ثمَّ أتى الجمعة ولم يلغُ ولم يفرِّق بين اثنين غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) ). ورواية أبي معشر عند سعيد بن منصور. ورواية عبيد الله العمري عند أبي يَعلى، ولا يَرِدُ كلام الدَّارقطني؛ لأنَّ طريق البخاري من أتقن الرِّوايات وأحكمها وغيرها لا يلحقها.
(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي غسلًا شرعيًّا (وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ) بالتَّنكير للمبالغة في التَّنظيف، فلذا ذكره من باب التفعل الذي للتكلُّف، وأراد به قصَّ الشَّارب، وقلم الأظفار، ونتفَ العانة، وتنظيف الثِّياب، أو المراد بالغسل غسل الجسد وبالتطهُّر غسل الرَّأس أو تنظيف الثِّياب. وورد ذلك في حديث أبي سعيد وأبي أيُّوب فحديث أبي سعيد عند أبي داود، ولفظه (( من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طيبٍ إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ) ).
وفي رواية بالتعريف.
(وَيَدَّهِنُ) بتشديد الدال من الافتعال (مِنْ دُهْنِهِ) والمراد به إزالة شعر الرَّأس واللِّحية (أَوْ يَمَسُّ) بفتح الميم (مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ) قيل معناه إن لم يجد دهنًا يمسُّ من طيب بيته، وقيل «أو» بمعنى الواو.
قال الكرمانيُّ و «أو» في «أو يمس» لا ينافي الجمع بينهما، وفي رواية بالواو، وقيِّد بـ «طيب بيته» ليؤذن بأنَّ السنة أن يتَّخذ الطِّيب لنفسه، ويجعل استعماله عادة له فيدَّخره في البيت بناء على أنَّ المراد بالبيت حقيقته، ولكن في حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود (( أو يمسَّ من طيب امرأته ) ). والمعنى على هذا إن لم يتَّخذ لنفسه طيبًا فليستعمل من طيب امرأته، وزاد فيه (( ويلبس من صالح ثيابه ) ).
وقال الشَّيخ زين الدِّين في «شرح التِّرمذي» الظَّاهر أنَّ تقييد ذلك بطيب المرأة والأهل غير مقصود، وإنَّما خرج مخرج الغالب، وأنَّ المراد ما سَهُل عليه ممَّا هو موجود في بيته، ويدلُّ عليه قوله في حديث أبي سعيد وأبي هريرة (( ويمسُّ من طيبٍ إن كان عنده ) )أي في البيت سواء كان من طيب نفسه أو طيب امرأته.
ج 5 ص 24
(ثُمَّ يَخْرُجُ) وزاد ابن خزيمة في حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه (( إلى المسجد ) )، ولأحمد من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه (( ثمَّ يمشي وعليه السَّكينة ) ).
(فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ) وهو كناية عن التَّبكير؛ أي عليه أن يبكِّر فلا يتخطَّى رقاب النَّاس كما في حديث ابن عمرو رضي الله عنهما ثمَّ لم يتخطَّ رقاب النَّاس، ويقال معناه لا يزاحم بين رجلين فيدخل بينهما؛ لأنَّه ربَّما يضيِّق عليهما خصوصًا في شدَّة الحرِّ واجتماع الأنفاس.
(ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ) أي فرض من صلاة الجمعة أو قدِّر له فرضًا أو نفلًا، وفي حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه عند أحمد والطَّبراني (( ثمَّ يركع ما قُضِيَ له ) ).
وفي حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه عندهما أيضًا (( فيركع ما بدا له ) )وفيه مشروعيَّة النَّافلة قبل صلاة الجمعة.
(ثُمَّ يُنْصِتُ) بضم الياء، من الإنصات، يقال أنصتَ إذا سكت، وأنصته إذا أسكته، لازم ومتعدٍّ والأوَّل المراد هنا، ويروى ، وفي بعض أصول مسلم (( انتصت ) )بزيادة المثناة الفوقية. قال القاضي عياض وهو وهم. وذكر صاحب «الموعب» والأزهري وغيرهما أنصت ونصت وانتصت ثلاث لغات بمعنى واحدٍ فلا وهم حينئذٍ.
(إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ) أي شرع في الخطبة، وفي حديث قَرْثع _ بقاف مفتوحة وراء ساكنة ثم مثلثة _، الضبي _ بالمعجمة والموحدة _ «حتَّى يقضي صلاته» ونحوه في حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه، والحاصل أنَّه لا يجمع هذه الشُّروط السَّبعة في حال من الأحوال.
(إِلاَّ) قد (غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ) أي ما بين يوم الجمعة الحاضرة (وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى) يحتمل الماضية قبلها والمستقبلة بعدها؛ لأنَّ الأخرى تأنيث الآخَر _ بفتح الخاء لا بكسرها _، وفي رواية اللَّيث عن ابن عجلان عند ابن خزيمة (( ما بينه وبين الجمعة التي قبلها ) )، وزاد في رواية أبي هريرة عند ابن حبَّان (( وزيادة ثلاثة أيَّام من التي بعدها ) ). وفي حديث آخر (( يكون كفَّارة للجمعة التي تليها ) ).
ووجه الجمع بين الحديثين أن يحمل الحديثان على حالين، فإن كانت له ذنوب في الجمعة التي قبلها كفِّرت، فإن لم يكن له ذنوب فيها بأن حُفِظَ فيها أو كفِّرت بأمر آخر فيكفَّر عنه ذنوب الجمعة المستقبلة. فإن قيل تكفير الذُّنوب بعد وقوعها يكون بالحسنات وبالتَّوبة، ويتجاوز الله تعالى، وأمَّا قبل وقوعها فكيف يعقل ذلك؟
فالجواب أنَّ المراد عدم المؤاخذة بها إذا وقعت أو العصمة عن وقوعها، ومنه ما ورد في مغفرة ما تقدَّم من الذَّنب وما تأخَّر. ومنه حديث أبي قتادة في «صحيح
ج 5 ص 25
مسلم» (( صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله والسَّنة التي بعده ) ).
ثمَّ المراد غفران الصَّغائر لما زاد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند ابن ماجه (( ما لم تُغشَ الكبائر فإنَّها إذا غشيت لا تكفَّر ) )، وليس المراد أنَّ تكفير الصَّغائر مشروط باجتناب الكبائر، إذ اجتناب الكبائر بمجرَّده يكفِّر الصَّغائر، كما نطق به القرآن العزيز في قوله تعالى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء 31] أي كلُّ ذنب فيه وعيدٌ شديد {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء 31] أي نمحُ عنكم صغائركم، ولا يلزم من ذلك أن لا تكفِّر الصَّغائر إلا اجتناب الكبائر، فإذا لم يكن له صغائر يرجى له أن يكفَّر عنه بمقدار ذلك من الكبائر وإلَّا أعطي من الثَّواب بمقدار ذلك، والله أعلم.
وقد ورد الزِّيادة على الشُّروط السَّبعة المذكورة، فمنها المشي وترك الرُّكوب، ففي حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه عند أحمد والطَّبراني في «الكبير» (( من اغتسل يوم الجمعة ) ). وفيه «ثمَّ مشى إلى الجمعة» ، ولا شكَّ أنَّ المشي إلى الجمعة أفضل إلَّا أن يكون بعيدًا عن مكان إقامتها وخشي فوتها فالركوب أفضل. وهل المراد بالمشي في الذَّهاب إليها فقط أو الذَّهاب والرُّجوع؟ أمَّا في الذَّهاب فهو آكد، وأمَّا في الرُّجوع فهو مندوب إليه أيضًا. ومنها ترك الأذى، ففي حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه (( ولم يؤذِ أحدًا ) ).
فإن قيل هل قوله (( فلا يفرِّق بين اثنين ) )بمعنى غير هذا؟
فالجواب أنَّ الأذى أعم من التَّفريق بين الاثنين، فيحتمل أن يكون الأذى في المسجد أو في طريق المسجد، ويدلُّ عليه ما في حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه «ولم يتخطَّ أحدًا ولم يوذ» ، والعطف يقتضي المغايرة وهو من ذكر العامِّ بعد الخاصِّ.
ومنها المشي إلى المسجد وعليه السَّكينة، ففي حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه (( ثمَّ خرج وعليه السَّكينة حتَّى يأتي المسجد ) )والمراد به التُّؤدة في مشيه إلى الجمعة وتقصير الخُطَى.
ومنها الدُّنو من الإمام كما جاء في رواية أبي داود والنَّسائي وابن ماجه. ثمَّ المراد من الدنو من الإمام هل هو حالة الخطبة أو حالة الصَّلاة إذا تباعد ما بين المنبر والمصلِّي مثلًا؟ الظَّاهر أنَّ المراد الدنو منه في حالة الخطبة لا سماعها، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند البزَّار والطَّبراني في «الأوسط» (( ثمَّ دنا حيث يسمع خطبة الإمام ) )والحديث ضعيف.
ومنها ترك اللَّغو ففي حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود (( ثمَّ لم يتخطَّ رقاب النَّاس
ج 5 ص 26
ولم يلغُ عند الموعظة كانت كفَّارة لما بينهما، ومن لغى وتخطَّى رقاب النَّاس كانت له ظُهرًا )) . وفي حديث أبي طلحة عند الطَّبراني في «الكبير» (( وأنصت ولم يلغُ في يوم الجمعة ... ) )الحديث.
واللَّغو قد يكون بغير الكلام كمسِّ الحصى وتقليبه بحيث يشغل سمعه وفكره، وفي بعض الأحاديث (( ومن مسَّ الحصى فقد لغى ) ).
ومنها الاستماع وهو إلقاء السَّمع لما يقوله الخطيب، فإن قيل هل يغني عنه الإنصات؟
فالجواب لا؛ لأنَّ الإنصات ترك الكلام والاستماعَ غيرُه، فقد يستمع ولا ينصت بأن يلقي سمعه لما يقوله، وهو يتكلَّم بكلام يسير، أو يكون قويَّ الحواس بحيث لا يشتغلُ بالاستماع عن الكلام ولا بالكلام عن الاستماع، فالكمال الجمع بين الإنصات والاستماع.
ومن فوائد هذا الحديث استحباب الغسل يوم الجمعة، وهو محمولٌ على الغسل الشَّرعي عند جمهور العلماء، ويؤيِّده قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ) )، وحكى عن المالكيَّة تجويزه بماء الورد. ومنها استحباب تنظيف الثِّياب يوم الجمعة. ومنها استحباب الادِّهان والتطيُّب. ومنها كراهة التخطِّي يوم الجمعة.
وقال الشَّافعي أكره التخطِّي إلَّا لمن لا يجد السَّبيل إلى المصلَّى إلَّا بذلك، وكان مالك لا يكره التخطِّي إلا إذا كان الإمام على المنبر.
ومنها مشروعيَّة التنفُّل قبل صلاة الجمعة بما شاء. ومنها وجوب الإنصات لورود الآية بذلك. واختلف العلماء في الكلام هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه، وهما قولان للشَّافعي قديم وجديد.
قال القاضي قال مالك وأبو حنيفة وعامة الفقهاء يجب الإنصات للخطبة، وحكي عن الشَّعبي والنَّخعي أنَّه لا يجب إلَّا إذا تلا فيها القرآن، واختلفوا إذا لم يسمع الإمام هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه فقال الجمهور يلزمه. وقال النَّخعي وأحمد والشَّافعي في أحد قوليه لا يلزمه، ولو لغى الإمام هل يلزم الإنصات أو لا؟ فيه قولان.