فهرس الكتاب

الصفحة 1428 من 11127

902 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) أي ، وكذا في رواية، هو المصري، وليس هو ابن عيسى، وإن جزم به أبو نُعيم في «مستخرجه» لأنَّه إذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه، وليس أيضًا هو ابن أخي ابن وهبًا؛ لأنَّه لم يخرِّج عن ابن أخي ابن وهب في «الصَّحيح» ، قاله ابن مندهْ.

(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) المصري (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي رواية (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) وقد مرَّ في باب «المسح على الخفَّين» [خ¦202] (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير (ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) الأُموي القرشي، واسم أبي جعفر يسار هو أبو بكر الفقيه أحد أعلام مصر، مات سنة خمس أو ست وثلاثين ومائة (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام القرشي (حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام

ج 5 ص 55

(عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ورجال هذا الإسناد ما بين مصري ومدني، وفيه رواية الرَّجل عن عمِّه، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود في «الصَّلاة» .

(قَالَتْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةِ) أي يحضرونها بالنَّوبة، وهو من الانتياب من النَّوبة وهو المجيء نوبًا، ويروى من النَّوبة أيضًا، ويروى دليل الرواية القادمة (مِنْ مَنَازِلِهِمْ) القريبة من المدينة (وَ) من (الْعَوَالِي) جمع العالية، وهي مواضع وقرى بقرب مدينة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جهة المشرق من ميلين إلى ثمانية أميال، وقيل أدناها على أربعة أميال أو ثلاثة وأبعدها ثمانية (فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ) كذا في رواية الأكثرين.

وعند القابسيِّ بفتح العين المهملة وبالمد، جمع عباءة وعباية لغتان مشهورتان، وكذا شرحه النَّووي في «شرحه» لأنَّه كذا هو عند مسلم، وكذا عند الإسماعيلي وغيرهما.

قال العينيُّ وهو الصَّواب.

(يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ) جملة حاليَّة (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ) وفي رواية الإسماعيلي (( أناس منهم ) ) (وَهْوَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ) أي لو ثبت تطهرُّكم (لِيَوْمِكُمْ) أي في يومكم (هَذَا) يعني يوم الجمعة، ثمَّ إنَّ كلمة «لو» هذه يجوز أن يكون للتمنِّي فلا يحتاج إلى جواب، ويجوز أن تكون على أصله والجزاء محذوفٌ تقديره لكان حسنًا.

اعلم أنَّه قد اختلف العلماء في هذا الباب التي في وجوب الجمعة على من كان خارج المصر فقالت طائفة تجبُ على من آواه اللَّيل إلى أهله.

وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس وابن عمر ومعاوية رضي الله عنهم، وهو قول نافع والحسن وعكرمة والحكم والنَّخعي وأبي عبد الرَّحمن السُّلمي وعطاء والأوزاعي وأبي ثور، حكاه ابن المنذر عنهم لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( الجمعة على من آواه اللَّيل إلى أهله ) )رواه التِّرمذي والبيهقي وضعَّفاه. ونقل عن أحمد أنَّه لم يره شيئًا وقال لمن ذكره استغفر ربَّك، استغفر ربَّك، ومضى.

ومعنى هذا الحديث أنَّه إذا جمَّع مع الإمام أمكنه العود إلى أهله آخر النَّهار قبل دخول اللَّيل.

وقالت طائفة إنَّها تجب على من سمع النِّداء، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا، وحكاه التِّرمذي عن الشَّافعي وأحمد وإسحاق.

وحكاه ابن العربي عن مالك أيضًا، واستدلَّ له بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أخرجه أبو داود من رواية سفيان عن محمَّد بن سعيد، عن أبي سلمة بن نُبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 5 ص 56

قال (( الجمعة على من سمع النِّداء ) ). قال أبو داود وروى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو ولم يرفعوه.

ورواه الدَّارقطني من رواية الوليد عن زهير بن محمَّد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إنَّما الجمعة على من سمع النِّداء ) ).

والوليد هو ابن مسلم وزهير بن محمَّد كلاهما من رجال الصَّحيح، لكن زهير روى عنه أهل الشَّام مناكير. والوليد مدلِّس وقد رواه بالعنعنة فلا يصحُّ، وقد رواه الدَّارقطني أيضًا من رواية محمَّد بن الفضل بن عطيَّة، عن حجَّاج، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( الجمعة على من يُهْدا الصَّوت ) )قال داود بن رُشَيد يعني حيث يسمع الصَّوت.

ومحمَّد بن الفضل بن عطيَّة ضعيف جدًّا، والحجَّاج هو ابن أرطاة وهو مدلَّس مختلف في الاحتجاج به.

وقال ابنُ العربي الوجوب على من سمع النِّداء عند الشَّافعي قال وتعليقه السَّعي على سماع النِّداء يسقط عمَّن كان في المصر الكبير إذا لم يسمعه. ثمَّ إنَّه ليس الوجوب متعلِّقًا بنفس السَّماع وإلا لسقطت عن الأصم، وإنَّما هو متعلِّق بمحلِّ السَّماع مع اعتدال السَّمع وهدوء الأصوات وسكون الرِّياح.

وقالت طائفة تجبُ على أهل المصر، ولا تجبُ على من كان خارج المصر سمع النِّداء أو لم يسمعه. وفي «شرح التِّرمذي» وهو قول أبي حنيفة بناء على قوله إنَّ الجمعة لا تجب على أهل القرى والبوادي ما لم يكن في المصر. ورجَّحه القاضي أبو بكر ابن العربي وقال إنَّ الظَّاهر مع أبي حنيفة رحمه الله. واعلم أنَّ مذهبَ أبي حنيفة رحمه الله أنَّ الجمعة لا تصحُّ إلَّا في مصر جامع أو في مصلَّى المصر.

وفي «المفيد» والإسبيجابي و «التُّحفة» لا تجب الجمعة عندنا إلَّا في مصر جامعٍ أو فيما هو في حكمه كمصلَّى العيد. وفي «جوامع الفقه» وأرباض المصر كالمصر.

وفي «الينابيع» لو كان منزله خارج المصر لا تجب عليه، قال وهذا أصحُّ ما قيل فيه.

وفي «فتاوى قاضيخان» عن أبي يوسف هو رواية عنه، وعنه من ثلاثة فراسخ. وعنه (( إذا شهد الجمعة فإن أمكنه المبيت بأهله لزمه الجمعة ) )واختاره كثير من مشايخنا.

وفي «الذَّخيرة» في ظاهر رواية أصحابنا لا يجب شهود الجمعة إلَّا على من يسكن المصر، والأرباض دون السَّواد، سواء كان قريبًا من المصر أو بعيدًا عنها. وعن محمَّد إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أميال، فعليه الجمعة وهو قول مالك واللَّيث.

وفي «منية المفتي» على أهل السَّواد الجمعة إذا كانوا على قدر فرسخ هو المختار. وعنه إذا كان أقلَّ من فرسخين تجب، وفي الأكثر لا. وفي رواية كلَّ موضع لو خرج الإمام إليه صلَّى للجمعة فتجب. وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه يجب الحضور من خمسة عشر فرسخًا.

ج 5 ص 57

وقال ابن المنذر تجب عند ابن المنكدر وربيعة والزُّهري في رواية من أربعة أميال، وعن الزُّهري من ستَّة أميال، وحكاه ابن التِّين عن النَّخعي. وعن مالك واللَّيث ثلاثة أميال. وحكى أبو حامد عن عطاء عشرة أميال.

واختلف أصحاب مالك هل مراعاة ثلاثة أميال من المنار أو من طرف المدينة؟ فالأوَّل قاله القاضي أبو محمَّد، والثَّاني قاله محمَّد بن عبد الحكم. وعن حذيفة رضي الله عنه ليس على من على رأس ميل جمعة.

وقال صاحب «التَّوضيح» في حديث الباب ردٌّ لقول الكوفيين أنَّ الجمعة لا تجبُ على من كان خارج المصر؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها أخبرت عنهم بفعلٍ دائم أنَّهم كانوا ينتابون الجمعة فدلَّ على لزومها عليهم. ونقله عن القرطبيِّ، وليس بصحيح لأنَّه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا.

ومن فوائد الحديث رفق العالم بالمتعلِّم. واستحباب التَّنظيف لمجالسة أهل الخير. واجتناب أذى المسلم بكلِّ طريق، وحرص الصَّحابة على امتثال الأمر، ولو شقَّ عليهم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت