920 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بضم العين
ج 5 ص 85
فيهما، ابن ميسرة البصري، ثمَّ البغدادي، أبو سعيد (الْقَوَارِيرِيُّ) بالقاف نسبةً لمن يعمل القوارير أو بيعها، مات سنة خمس وثلاثين (قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن سليم الهجيميُّ البصريُّ، مات سنة ستٍّ وثمانين ومائة، وقد مرَّ ذكره في «استقبال القبلة» [خ¦393] .
(قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب القرشيُّ، وفي رواية سقط لفظ «ابن عمر» (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما.
ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه مسلم، والترمذي أيضًا في «الصلاة» .
(قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ) زاد أحمد والبزَّار في روايتهما «يوم الجمعة» حال كونه (قَائِمًا ثُمَّ) كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقْعُدُ) بعد الخطبة الأولى (ثُمَّ يَقُومُ) للخطبة الثانية (كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ) من القيام والقعود المترجم له بعد بابين إن شاء الله تعالى [خ¦928] .
قال الزَّين العراقي في «شرح الترمذي» وفي الحديث اشتراط القيام في الخطبتين إلَّا عند العجز، وإليه ذهب الشافعيُّ وأحمد في رواية، انتهى.
وقال العينيُّ لا يدلُّ الحديث على الاشتراط، غاية ما في الباب أنَّه يدلُّ على السُّنية.
وفي «التوضيح» القيام للقادر شرطٌ لصحَّتها، وكذا الجلوس بينهما عند الشافعيِّ وأصحابه، فإن عجز عنه استخلفَ، فإن خطب قاعدًا أو مضطجعًا للعجز جاز كالصَّلاة، ويصحُّ الاقتداء به حينئذٍ، وعندنا وجهٌ أنَّه تصحُّ قاعدًا للقادر، وهو شاذٌّ.
نعم، هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد، كما حكاه النوويُّ عنهم قاسوه على الأذان، وحكى ابن بطَّال عن مالك كالشافعيِّ، وعن ابن القصَّار كأبي حنيفة.
ونقل ابن التِّين عن القاضي أبي محمد أنَّه مسيءٌ، ولا تبطل، وقال القاضي عياض المذهب وجوبه من غير اشتراطٍ. وقال شيخ المالكيَّة خليل وفي وجوب القيام لها تردُّدٌ، وعلى قول الاشتراط يجوزُ الاقتداء بمن خطب عن غير قيام، سواء قال لا أستطيع أم سكت؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه إنَّما قعد، أو اضطجعَ لعجزه، فإن ظهرَ أنَّه كان قادرًا فهو كإمام ظَهَرَ أنَّه كان جنبًا.
واستدلَّ بعضهم للشافعيِّ بما في «صحيح مسلم» أنَّ كعبَ بن عُجرة دخل المسجد وعبد الرَّحمن بن أبي الحكم يخطب قاعدًا فقال انظروا إلى هذا الخطيب يخطب قاعدًا، وقال تعالى {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة 11] .
وفي «صحيح ابن خزيمة» قال كعبٌ ما رأيتُ كاليوم قط، إمامٌ يؤمُّ المسلمين يخطب وهو جالسٌ…!
وأُجيب عنه بأنَّ إنكار كعبٍ عليه إنَّما هو لتركه السُّنَّة، ولو كان القيام شرطًا لما صلُّوا معه مع ترك الفرض.
وقيل إنَّه إنَّما صلى خلفه مع ترك القيام الذي هو شرط لخوف الفتنة، أو هو إنَّما قعد لعذرٍ، أو كان قعوده عن اجتهادٍ منه، كما قالوه في إتمام عثمان رضي الله عنه، ثمَّ إنَّه صلَّى خلفه فأتمَّ، واعتذر بأنَّ الخلاف شرٌّ [1] .
واحتجُّوا أيضًا بما رواه مسلم وأبو داود والنسائيُّ وابن ماجه من رواية سِمَاك بن حرب
ج 5 ص 86
عن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه قال كانت للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبتان يجلسُ بينهما يقرأ القرآن ويذكِّر الناس، وفي رواية كان يخطب قائمًا ثمَّ يجلس ثمَّ يقوم فيخطب قائمًا فمن نبَّأك أنَّه كان يخطبُ جالسًا فقد كذب، فقد والله صلَّيت معه أكثر من ألفي صلاةٍ، فليتأمَّل [2] .
واحتجُّوا أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة عن طاوس قال خطبَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكرٍ وعمر وعثمان رضي الله عنهم قائمًا، وأوَّل من جلس على المنبر معاوية رضي الله عنه.
قال الشعبيُّ حين كثرَ شحم بطنه ولحمه. ورواه ابنُ حزم عن علي رضي الله عنه أيضًا.
والجواب عنه وعن كلِّ حديثٍ ورد فيه القيام في خطبة النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن قوله {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة 11] بأنَّ ذلك إخبارٌ عن حالته التي كان عليها عند انفضاضهم، وبأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُواظب على الشَّيء الفاضل مع جواز غيره، ونحن نقولُ به.
ومن أقوى الحُجج لأصحابنا الحنفيَّة ما رواه البخاريُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦921] .
وحديث سهل (( مري غلامك النَّجار يعملُ لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلَّمت الناس ) ) [خ¦917] .
[1] يقصد ابن مسعود وقد صرح به في الفتح وعنه ينقل المؤلف ولكنه اختصره فأبهم العبارة.
[2] في هامش الأصل وجه التأمل أن هذا العدد من الجُمَع إنَّما يكمل في نيف وأربعين سنةً وهذا القدر لم يصله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما قاله النوويُّ من أنَّ المراد الصلوات الخمس لا الجُمَع فمدفوعٌ بأنَّ سياق الكلام ينافي هذا التأويل؛ لأنَّ الكلام في الجمع لا في الصلوات الخمس، وإنما ذلك محمولٌ على المبالغة، والله أعلم. منه.