921 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، أبو زيد الزَّهراني، أو الطفاوي البصريُّ (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) هو ابن أبي كثير (عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ) هو هلال بن عليِّ بن أسامة العامريُّ المدنيُّ، وقد ينسب إلى جدِّه، ويقال هلال بن أبي هلال، وقد تقدَّم ذكره في أوَّل كتاب «العلم» [خ¦59] .
(حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) بالمثناة التحتية وبالمهملة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) رضي الله عنه (قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ) لفظ «ذات» مقحم، وهو من باب إضافة المسمَّى إلى اسمه (عَلَى الْمِنْبَرِ) أي مستدبر القبلة (وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ) .
ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ جلوسهم حول النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يكون إلَّا وهم ينظرون إليه، وهو عين الاستقبال.
وهذا الحديث طرفٌ من حديث طويلٍ يأتي إن شاء الله تعالى بمباحثه في «الزكاة» [خ¦1465] في باب «الصدقة على اليتامى» ، وباب «الرِّقاق» [خ¦6427] أيضًا.
ثمَّ الحكمة في استقبال الخطيب أن يتفرَّغوا لسماع موعظتهم وتدبُّر كلامه، ولا يشتغلوا بغيره.
قال الفقهاء إنَّما استدبر الخطيب القبلةَ؛ لأنَّه إن استقبلها،
ج 5 ص 88
فإن كان في صدر المسجد كان مستدبرًا للقوم واستدبارهم وهم المخاطَبون قبيحٌ خارج عن عرف المخاطبات وإن كان في آخره، فإمَّا أن يستقبله القوم فيكونوا مستدبري القبلة واستدبار واحدٍ أهون من استدبار الجماعة، وإمَّا أن يستدبروه فيلزم الهيئة القبيحة، ولو خالف الخطيب فاستدبرهم واستقبل القبلة كُرِهَ وصحَّت خطبته.
وحكى الشَّاشيُّ وجهًا شاذًّا أنَّه لا يصحُّ، فإن قيل ما المراد باستقبال النَّاس الخطيب هل المراد من يواجهه، أو المراد جميع أهل المسجد حتَّى إنَّ من هو في الصَّفِّ الأول، والثَّاني وإن طالت الصُّفوف ينحرفون بأبدانهم أو بوجوههم لسماع الخطبة؟
فالجواب أنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بذلك مَنْ يسمع الخطبة دون من بَعُدَ فلم يسمع فاستقبال القبلة أولى به من توجُّهه لجهة الخطيب.
ثمَّ إنَّ الرَّافعي والنَّووي جزما باستحباب ذلك، وصرَّح القاضي أبو الطِّيب بوجوب ذلك، ثمَّ بقي هنا استقبال الخطيب للنَّاس فذكر الرافعيُّ أنَّه من سنن الخطبة ولو خطب مستدبر النَّاس جاز، وإن خالف السُّنَّة، وحكى في «البيان» وغيره وجهٌ أنَّه لا يجزئه، كما ذكرنا عن قريبٍ عن الشَّاشي.
فإن قيل فما الحكمة في تحويل النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظهره إلى النَّاس في خطبة الاستسقاء؟
فالجواب أنَّ الحكمة فيه التَّفاؤلُ بتغيُّر الحال، كما قلب رداءه فيها تفاؤلًا بذلك، فأمَّا في الجمعة فلم يُنقل ذلك، مع كونه قد استسقى في خطبة الجمعة ولم يحوِّل وجهه في الدُّعاء للقبلة، وكلٌّ منهما أصلٌ بنفسه لا يُقاس عليه غيره.
واستنبط الماورديُّ وغيره من الحديث المذكور أنَّ الخطيبَ لا يلتفتُ يمينًا ولا شمالًا حالة الخطبة، وفي «شرح المهذب» اتَّفق العلماء على كراهة ذلك، وهو معدودٌ في البدع المنكرة، خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله فإنَّه قال يلتفت يمنةً ويسرةً كالأذان، نقله الشيخ أبو حامد.
قال العينيُّ في هذا النَّقل عن أبي حنيفة رحمه الله نظرٌ، ولا يصحُّ ذلك عنه، ومن السنَّة عندنا أن يتركَ الخطيب السَّلام من وقت خروجه إلى دخوله في الصَّلاة والكلام أيضًا، وبه قال مالك.
وقال الشافعيُّ وأحمد السُّنة إذا صعد المنبر أن يسلِّم على القوم إذا أقبلهم بوجهه، كذا روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال العينيُّ هذا الحديث أورده ابنُ عديٍّ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في ترجمة عيسى بن عبد الله الأنصاريِّ وضعَّفه، وكذا ضعَّفه ابن حبَّان.
وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة ثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن الشَّعبي قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل النَّاس فقال (( السلام عليكم ) )الحديث، فهو
ج 5 ص 89
مرسلٌ لا يحتجُّ به عندهم.
وقال عبد الحقِّ في «الأحكام الكبرى» هو مرسلٌ، وإن أسنده أحمدُ من حديث عبد الله بن لَهيعة فهو معدودٌ في الضُّعفاء فلا يحتجُّ به. وقال البيهقيُّ الحديثُ ليس بقويٍّ.
ورجال إسناد هذا الحديث ما بين بصريٍّ ويمانيٍّ ومدنيٍّ، وشيخ البخاري فيه من أفراده، وقد أخرج متنه المؤلف في «الزكاة» [خ¦1465] و «الجهاد» [خ¦2842] و «الرقاق» أيضًا [خ¦6427] ، وأخرجه مسلم في «الزكاة» ، وكذا النسائي والترمذي.