79 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) ؛ بالمهملة وبالمد، ابن كُريب الهمْدَاني _ بسكون الميم والدال المهملة _ الكوفي المشهور بأبي كُريب _ بضم الكاف _ مصغر كرب، وشهرته بكنيته أكثر، وهو صدوق لا بأس به، وهو مكثر، قال أبو العباس بن سعيد ظهر له بالكوفة ثلاثمئة ألف حديث، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، روى له الجماعة.
(قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ) ؛ بفتح المهملة وتشديد الميم (ابْنُ أُسَامَةَ) ؛ بضم الهمزة، ابن زيد أبو أسامة الهاشمي القرشي الكوفي، مولى الحسن بن علي أو غيره، وشهرته بكنيته أكثر أيضًا.
روى عن بريد وغيره وأكثر عن هشام بن عروة، له عنه ستمائة حديث، وعنه الشافعي وأحمد وغيرهما، وكان ثقة ثبتًا صدوقًا حافظًا حجة إخباريًا، كثير الحديث، واسع الرواية، صحيح الكتاب، رُوِي عنه أنه قال كتبت بإصبعيَّ هاتين مئة ألف حديث، مات بالكوفة سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل، روى له الجماعة، وليس في «الصحيحين» بهذه الكنية سواه، وفي النسائي أبو أسامة الرقي النخعي زيد بن علي بن دينار هو صدوق، وليس في الكتب الستة من اشتهر بهذه الكنية سواهما.
ج 1 ص 517
(عَنْ بُرَيْدِ) ؛ بضم الموحدة وفتح الراء وبالدال المهملة، هو ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، المكنى بأبي بردة الكوفي، وقد تقدم [خ¦11] (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر بن أبي موسى الأشعري، وقد مرَّ أيضًا [خ¦11] (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري الذي هاجر من اليمن إلى مكة، ثم منها إلى الحبشة، ثم من الحبشة إلى المدينة، فله ثلاث هجرات، وقد سبق ذكره [خ¦11] .
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها أن بُريدًا يروي عن جده وجَدُه عن أبيه، ومنها أن رواته كلهم كوفيون، ومنها أنه لم يقل عن أبيه بدل عن أبي موسى تفننًا في العبارة، فافهم، وقد أخرج متنه البخاري هنا فقط، وأخرجه مسلم في «فضائل النبي صلى الله عليه وسلم» ، والنسائي في «العلم» .
(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ مَثَلُ) بفتح الميم والمثلثة، والمراد به هاهنا الصفة العجيبة لا القول السائر (مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ) وفي رواية (مِنَ الْهُدَى) ؛ وهو الرشاد والدلالة، يذكر ويؤنث، يقال هداه الله للدين هدى وهديته الطريق والبيت هداية؛ أي عرفته، وهذه لغة أهل الحجاز وغيرهم يقولون هديته إلى الطريق وإلى الدار، حكاها الأخفش، وفي الاصطلاح الهدى هو الدَّلالة الموصلة إلى البغية على اختلاف في معناه بين أهل السنة وأهل الاعتزال.
(وَالْعِلْمِ) ؛ وهو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل متعلقه النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعية، وهو من عطف المدلول على الدليل؛ لأن الهدى هو الدلالة، والعلم هو المدلول، ووجه الجمع بينهما هو النظر إلى أن الهدى بالنسبة إلى الغير فهو التكميل، والعلم بالنسبة إلى الشخص فهو الكمال، ويقال الهدى الطريقة، والعلم هو العمل، فتأمل.
(كَمَثَلِ) هو كالأول (الْغَيْثِ) أي المطر، يقال غِيْثَتِ الأرضُ فهي مَغيثة ومغيوثة، ويقال غاث الغيث الأرض إذا أصابها، وغاث الله البلاد يغيثها غيثًا (الْكَثِيرِ أَصَابَ) الغيث (أَرْضًا) والجملة في محل النصب على الحالية بتقدير «قد» ، أو على أنها صفة الغيث من قبيل قوله
~ولقَدْ أمرُّ على اللَّئيمِ يَسُبُّني
(فَكَانَ) الفاء للعطف (مِنْهَا) أي من الأرض وهو خبر «كان» مقدم على اسمه الذي هو قوله (نَقِيَّةٌ) بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء المثناة التحتانية من النقاء؛ أي طائفة طيبة طاهرة هكذا هو عند البخاري في جميع الروايات، لكن وقع عند
ج 1 ص 518
الخطابي والحميدي، وفي حاشية أصل أبي ذر _ بفتح الثاء _ المثلثة وكسر الغين المعجمة بعدها باء موحدة خفيفة مفتوحة _ وفي نسخة _ بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة، قال الخطابي (هي مستنقع الماء في الجبال والصخور) ، وقال الصغاني (الثغب _ بالتحريك _ الغدير في ظل جبل لا تصيبه الشمس فيبرد ماؤه، والجمع ثغبان، مثل شبث وشبثان وقد يسكن، ويقال ثغْب، ويجمع على ثغبان أيضًا مثل ظهر وظهران، وعلى ثغاب أيضًا) .
وقال القاضي عياض هذه الرواية غلط من الناقلين، وتصحيف وقلب للتمثيل؛ لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلًا لما تنبت، والثغبة لا تنبت، وفي «صحيح مسلم» (( طائفة طيبة ) )، ويروى (( بقعة ) )وهي بمعنى طائفة، لكن ليس ذلك في شيء من روايات «الصحيحين» . وفي «شرح ابن رجب» في رواية (( بقية ) )بالباء الموحدة بدل النون، قال والمراد بها القطعة الطيبة كما يقال فلان بقية الناس، ومنه قوله تعالى {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} [هود 116] .، وقال الحافظ العسقلاني (وهو في جميع ما وقفت عليه من المسانيد والمستخرجات كما عند مسلم) .
(قَبِلَتِ) ؛ من القبول، ولا خلاف في هذا الموضع في كونه من القبول، وإنما الخلاف في قوله (( قال إسحاق وكان منها طائفة قبلت الماء ) )هل هو بالباء الموحدة المكسورة، أو بالياء المثناة التحتية المشددة وسيجيء عن قريب.
(الْمَاءَ) ؛ والجملة في محل الرفع على أنها صفة لـ «نقية» (فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ) بالهمز بلا مد؛ أي النبات رطبًا كان أو يابسًا (وَالْعُشْبَ) وهو الرطب من النبات، وكذا الخلأ مقصورًا، وأما الحشيش؛ فمختص باليابس منه، فذكر العشب بعد الكلأ من باب عطف الخاص على العام، والتخصيص بالذكر؛ للاهتمام به لشرفه.
(وَكَانَتْ) عطف على «كان» لا على «أصاب» ، وفي بعض النسخ (مِنْهَا أَجَادِبُ) بالرفع على اسمية «كانت» وهو _ بالجيم والدال المهملة _ جمع جَدْب على غير قياس كحسن ومحاسن، والقياس أنه جمع محسن، أو جمع جديب، وهو من الجدب، وهو القحط، والأرض الجدبة التي لا تمطر، والمراد هنا الأرض التي لا تشرب ماء ولا تنبت شيئًا؛ لصلابتها، هكذا هو في عامة روايات البخاري، ورواية مسلم أيضًا هكذا، وضبطه المازري بالذال المعجمة، وكذا ذكره الخطابي وقال هي صلاب الأرض التي لا تمسك الماء.
وقال القاضي هذا وهم، وقال محمود العيني إن صح ما قال الخطابي يكون من الجذب وهو انقطاع الرمق، قاله أبو عمرو، ويقال للناقة إذا قل لبنها قد جذبت فهي جاذب، والجمع جواذب وجُذَّاب أيضًا مثل نائم ونُيَّام،
ج 1 ص 519
ورواها الإسماعيلي عن أبي يَعلى عن أبي ذئب (( أحارب ) )_ بحاء وراء مهملتين _، وقال الخطابي هذه الرواية ليست بشيء، وقال العيني إن صح هذا يكون من الحِرباء وهي النشز من الأرض، ومثل هذه لا تمسك الماء؛ لأنه ينحدر عنها.
وقال الخطابي وقال بعضهم (( أجارد ) )_ بجيم وراء ثم دال مهملة _ جمع جرداء، وهي البارزة لا يسترها النبات.
قال الخطابي وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية؛ فقد قال الأصمعي الأجارد من الأرض التي لا تنبت الكلأ، وفي رواية أبي ذر _ بكسر الهمزة وبالخاء والذال المعجمتين _ وفي آخره تاء مثناة من فوق جمع إخاذة، وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير، ويقال هي الغدران التي تمسك الماء، وقال أبو الحسين عبد الغافر الفارسي هو الصواب.
وقال الشيخ مغلطاي (قال بعضهم إنما هي آاخاذات سقط منها الألف والآاخاذات مسَّاكات الماء، واحدتها آاخاذة، فعلى ما قاله البعض ينبغي أن تفتح الهمزة في الجمع والمفرد، لكنهما بكسر الهمزة) .
وفي «العباب» (الأُخُذ _ بضمتين _ جمع إخاذ، وهو كالغدير مثل كتاب وكتب) .
وقال أبو عبيدة (الإخاذة والإخاذ بتاء وبغير تاء صنع للماء يجتمعُ فيه، وسمي أخاذًا؛ لأنه يأخذ ماء السماء، ويقال له المساكة أيضًا؛ لأنه تمسكه، ونُهْيًا ونِهْيًا وتنهية؛ لأنه ينهاه؛ أي يحبسه ويمنعه من الجري، ويسمى حاجزًا أيضًا؛ لأنه يحجزه، وحائرًا كذلك؛ لأنه يحار فيه فلا يدري كيف يجري) .
وأغرب صاحب «المطالع» حيث قال (هذه كلها منقولات مروية، وليس في «الصحيحين» إلا روايتان) .
وقال القاضي عياض في «شرح مسلم» لم يُروَ هذا الحرف في مسلم وغيره إلا بالدال المهملة من الجدب الذي هو ضد الخِصب، وعليه شرح الشارحين).
(أَمْسَكَتِ الْمَاءَ) صفة أجادب (فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا) أي بالأجادب، وفي رواية (النَّاسَ فَشَرِبُوا) من الماء والفاء تفسيرية للنفع، وأما الفاء الأولى فتعقيبية (وَسَقَوْا) أي دوابهم، قال أهل اللغة سقى وأسقى بمعنى، وقيل سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقيًا، وقيل يقال سقى في الحلو، وأسقى في المر، والقرآن يكذِّب هذا القول حيث قال تعالى نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
ج 1 ص 520
وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا [النحل 66] _ بضم النون وكسر القاف _ في {نُسقِيكم} ، وقال تعالى {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد 15] .
(وَزَرَعُوا) ؛ ما يصلح للزرع، وعند مسلم والنسائي وغيرهما عن أبي كُريب بغير زاي من الرعي. قال النووي كلاهما صحيح، ورجح القاضي رواية مسلم من غير مرجح مع أن رواية «زرعوا» تدل على مباشرة الزرع، فتطابق في التمثيل مباشرة طلب العلم، وإن كانت رواية «رعوا» مطابقة لقوله أنبتت، لكن المراد أنها قابلة للإنبات.
(وقَالَ) ؛ أي القاضي إن قوله «رعوا» راجع إلى الأولى؛ لأن الثانية لم يحصل منه نبات، هذا ويمكن أن يرجع إلى الثانية أيضًا بمعنى أن الماء الذي استقر بها سقيت منه أرض أخرى بالمعالجة فأنبتت.
(وَأَصَابَتْ) ؛ عطف على «أصاب أرضًا» ، والضمير إلى الغيث كما في الأول (مِنْهَا) أي من الأرض حالٌ مقدَّم على ذي الحال لنكارته؛ أعني قوله عليه السلام (طَائِفَةً أُخْرَى) مفعول «أصاب» ، وفي رواية والتقدير أصابت طائفة؛ أي قطعة من الغيث طائفة أخرى من الأرض.
(إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) ؛ بكسر القاف، أصله قوعان بالواو جمع قاع، ويجمع على أقوع وأقواع أيضًا، والقاع كالقِيعة _ بكسر القاف _ هي الأرض المتسعة، أو المستوية الملساء، وقيل التي لا نبات فيها، قيل وهو المراد في الحديث بدلالة قوله
(لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً) بضم المثناة الفوقية فيهما (فَذَلِكَ) أي ما ذكر من الأقسام الثلاثة والفاء تفصيلية (مَثَلُ) بفتح الميم والمثلثة (مَنْ فَقهَ) قال النووي روي هنا _ بضم القاف وبكسرها والضم أشهر _.
(فِي دِينِ اللَّهِ) أي صار عالمًا فقيهًا في الدين (وَنَفَعَهُ مَا) أي الذي (بَعَثَنِي اللَّهُ) عز وجل ملتبسًا (بِهِ) وفي رواية فعلى هذا يكون فاعل قوله «نفع» هو الله عز وجل، فافهم.
(فَعَلِمَ) أي صار عالمًا بما جئت به (وَعَلَّمَ) أي غيره (وَمَثَلُ) بفتحتين أيضًا (مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا) أي تكبَّر ولم يلتفت إليه من غاية تكبره (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) قال القرطبي وغيره كالنووي والقاضي عياض ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم
ج 1 ص 521
الدين تحيي القلب الميت، وإنما اختير لفظ «الغيث» من بين أسماءِ المطر؛ ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذ، وقد قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى 28] ، وقد كان الناس قبل المبعث قد امتحنوا بموت القلب، ونضوب العلم حتى أصابهم الله تعالى برحمة من عنده، ثم شبه السامعين بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم يتفقه فيما جمع، لكنه أداه لغيره فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم (( نضر الله امرأً سمع مقالتي فأداها كما سمعها ) )، ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء.
وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين؛ لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة؛ لعدم الانتفاع فيها أصلًا.
وقال الحافظ العسقلاني (والذي ظهر لي أن في كل مثل طائفتين، فالأول واضح مما ذكر، وأما الثاني فالطائفة الأولى منه من دخل في الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه، ومثالها من الأرض السباخ، وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم(( من لم يرفع بذلك رأسًا ) )أي أعرض عنه فلم ينتفع به ولم ينفع، والثانية منه من لم يدخل في الدين أصلًا، بل بلغه فكفر به، ومثالُها من الأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا ينتفع به، وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم (( ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) ).
هذا وقال الطيبي (بقي من أقسام الناس قسمان أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه، ولم يعلمه غيره. والثاني من لم ينتفع به في نفسه، وعلمه غيره) .
وقال الحافظ العسقلاني(الأول داخل في الأول؛ لأن النفع حصل في الجملة، وإن تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تنبت الأرض منه ما ينتفع الناس، ومنه ما يصير هشيمًا، وأما الثاني فإن كان عمل الفرائض وأهمل النوافل، فقد دخل في الثاني، وإن كان
ج 1 ص 522
ترك الفرائض أيضًا فهو فاسق لا يجوز الأخذ عنه، ولعله يدخله في عموم من لم يرفع بذلك رأسًا). انتهى.
وأقول والحاصل أن هذا التقسيم إما ثنائي، وإما ثلاثي، وإما رباعي، أما الثاني والثالث فقد تقدم توضيحهما، وأما الأول فتوضيحه ما ذكره الطيبي، وحاصله أن تقسيم الأرض وإن كان ثلاثة بحسب الظاهر، ولكنه في الحقيقة قسمان؛ لأن النوعين اللذين هما النقية والأجادب محمودان؛ لحصول الانتفاع منهما، والثالث وهو القيعان مذموم؛ لأنه لا نفع فيه أصلًا، ويدل على ذلك عطف أصاب على أصاب، والناس أيضًا قسمان أحدهما ممدوح أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه بقوله (( من فقه في دين الله ) ). والآخر مذموم أشار إليه بقوله (( من لم يرفع بذلك رأسًا ) )، فالحاصل أنه قد ذكر في الحديث الطرفان العالي في الاهتداء، والعالي في الضلال، فعبر عَمَّن قَبِل هدى الله والعلم بقوله (( فقه ) )وعمن أبى قبولهما بقوله (( لم يرفع بذلك رأسًا ) ). وأما ما بعدهما وهو قوله (( ونفعه. .. إلى آخره ) )في الأول. وقوله (( ولم يقبل هدى الله. .. إلى آخره ) )في الثاني فعطف تفسيري لـ «فقه» ، ولقوله (( لم يرفع ) )وذلك لأن الفقيه هو الذي علم وعمل، ثم علَّم غيره وترك الوسط وهو قسمان
أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسب، والثاني هو الذي لم ينتفع هو بنفسه، ولكن نفع الغير. هذا وقال الكرماني (يحتمل لفظ الحديث لتثليث القسمة في الناس أيضًا بأن يقدَّر قبل لفظة «نفعه» كلمة «من» بقرينة عطفه على «من فقه» كما في قول حسان رضي الله عنه)
~أمَنْ يهْجُو رسولَ اللهَ منكُم ويمدَحُهُ وينصُرُه سواءُ
إذ تقديره ومن يمدحه، وحينئذ يكون الفقيه بمعنى العالم باللفظ مثلًا في مقابلة الأجادب، والنافع في مقابلة النقية لفًا ونشرًا غير مرتبين، ومن لم يرفع في مقابلة القيعان، ونكتة حذف لفظة (( من ) )هي الإشارة إلى أنهما في حكم شيء واحد؛ أي في كونه ذا انتفاع في الجملة كما جعل للنقية والأجادب حكم واحد، ولهذا لم يعطف بلفظ «أصاب» في «الأجادب» . انتهى.
وتعقبه محمود العيني (بأنه تعسف، والتقدير الذي ذكره غير سائغ في سعة الكلام، وباب الشعر واسع مع أنه يلزمه تربيع القسمة في الناس على هذا التقدير الأول من فقه، والثاني في نفعه، والثالث من لم يرفع، والرابع من لم يقبل هذا، فتأمل) .
تنبيه قال النووي(معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة
ج 1 ص 523
أنواع، فكذلك الناس، فالنوع الأول من الأرض التي تنتفع بالمطر فتحيى بعد أن كانت ميتة فتنبت الكلأ والعشب، فينتفع به الناس والدواب. والنوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه ويحيي قلبه ويعمل به، ويعلمه غيره، فينتفع وينفع).
والنوع الثاني من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع به الناس والدواب، وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أذهان ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العلم، فيستنبطون به المعاني والأحكام، وليس لهم اجتهاد في العمل به، فهم يحفظونه حتى يجيء أهل العلم للنفع والانتفاع، فيأخذونه منهم فينتفعون به وينفعون.
والنوع الثالث من الأرض هي السباخ التي لا تنبت، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به، ولا يحفظونه لنفع غيرهم.
فالأول المنتفع النافع، والثاني النافع الغير المنتفع، والثالث غير النافع، وغير المنتفع، فالأول إشارة إلى العلماء، والثاني إشارة إلى النقلة، والثالث إشارة إلى من لا علم له ولا نقل.
هذا ثم في الحديث تشبيه ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الدين بالغيث، وتشبيه السامعين له بالأرض المختلفة، فالأول تشبيه المعقول بالمحسوس، والثاني تشبيه المحسوس بالمحسوس، وعلى قول من يقول بتثليث القسمة يكون فيه ثلاث تشبيهات على ما لا يخفى، ويحتمل أن يكون تشبيهًا واحدًا من باب التمثيل؛ أي تشبيه صفة العلم الواصل إلى أنواع الناس من جهة اعتبار النفع وعدمه بصفة المطر المصيب إلى أنواع الأرض من تلك الجهة، وهو الظاهر الأبلغ، وقوله «فذلك مثل من فقه» . .. إلى آخره كالنتيجة للتشبيه الأول، وبيان للمقصود منه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري رحمه الله، وفي رواية سقط هذا القول (قَالَ إِسْحَاقُ) ؛ بن إبراهيم بن مَخْلَد _ بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة بينهما _ أبو يعقوب الحنظلي المروزي، المشهور بابن راهويه _ بالهاء والواو المفتوحتين والياء آخر الحروف الساكنة _ وهو المشهور. ويقال أيضًا _ بالهاء المضمومة
ج 1 ص 524
وبالياء المفتوحة _ ساكن نيسابور، قال له عبد الله بن طاهر (لم قيل لك ابن راهويه؟ قال اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية راه، وهو أحد أركان الإسلام، وعلم من أعلام الدين) ، مات بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين، ويحتمل أن يراد به إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري بالخاء المعجمة، نزيل المدينة، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وأن. يراد به إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج المروزي، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائتين، إذ البخاري في هذا الصحيح يروي عن الثلاثة عن أبي أسامة.
قال الغساني في كتابه «تقييد المهمل» (إن البخاري إذا قال حدثنا إسحاق غير منسوب حدثنا أبو أسامة؛ يعني به أحد هؤلاء الثلاثة، ولا يخلو عن أحدهم، والظاهر هو الأول؛ لكثرة رواية البخاري عنه) ، وقد حكى أبو علي الجياني عن سعيد بن السكن الحافظ (أن ما وقع في هذا الكتاب من لفظ «إسحاق» غير منسوب فهو ابن راهويه) ، قال الشيخ قطب الدين (هذا من المواضع المشكلة في هذا الكتاب، فإنه ذكر جماعة فيه غير منسوبين فوقع من بعض الناس اعتراض عليه بسبب ذلك؛ لما يحصل من اللبس وعدم البيان ولا سيما إذا شاركهم ضعيف في تلك الترجمة) ، وأزال الحاكم ابن البيِّع اللبسَ بأن نُسِب بعضهم، واستدلَّ على نسبته، وذكر الكلاباذي بعضهم، وذكر ابن السكن بعضًا، وهذا من جملة تلك المواضع كما عرفت، وفي رواية كريمة ، والراجح هو الأول.
(وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ) ؛ يعني روى إسحاق عن أبي أسامة كما في بعض النسخ «وكان» بالواو بدل الفاء و «طائفة» بدل نقية، و «قيَّلت» بتشديد الياء المفتوحة بدل قبِلت _ بكسر الباء الموحدة _ فقال الأَصيلي هو تصحيف من إسحاق، وإنما هو قبلت كما ذكر أولًا، وقال غيره بل هو صحيح أيضًا، ومعناه شربت القيل، وهو شرب نصف النهار، يقال قيَّلت الإبل إذا شربت في القائلة، وتعقبه القرطبي بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة. وأجيب بأن كون هذا أصله لا يمنع استعماله على الإطلاق تجوزًا، وقيل معناه جمعت وحبست، قال ابن دريد (يقال تقيل الماء في المكان المتحفظ إذا اجتمع فيه) ، واعترض عليه القرطبي أيضًا(بأنه يفسد التمثيل؛ لأن اجتماع الماء إنما هو مثال الطائفة الثانية
ج 1 ص 525
والكلام هنا إنما هو في الأولى التي شربت وأنبتت)، قال (والأظهر أنه تصحيف) ، ولما كان في الحديث لفظ «قيعان» أشار بقوله
(قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ) ؛ على ما وقع في رواية المستملي إلى شيئين أحدهما أن «قيعان» المذكور في الحديث جمع قاع، والآخر أن القاع هي الأرض التي يعلوها الماء ولا يستقر فيها.
وأما قوله (وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ) ؛ فإنما ذكره استطرادًا؛ لأن من عادته الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وقد يستطرد كما هنا حيث فسر «الصفصف» ، وإن لم يقع في هذا الحديث استطرادًا بالمستوي من الأرض، وهو قول أكثر أهل اللغة، وقال ابن عباد (الصفصف هو حرف الجبل، ووقع في بعض النسخ وهو تصحيف) .