فهرس الكتاب

الصفحة 1471 من 11127

929 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) سلمان الجهنيِّ مولاهم (الأَغَرِّ) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء، لقبه وهو معدودٌ في أهل المدينة وأصله من أصفهان.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقَفَتِ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ) بضم الميم وكسر الجيم المشددة؛ أي وصِفَةُ المبكِّر إلى المسجد الذي يُصلَّى فيه الجمعة، ويحتمل أن يكون المراد الذي يأتي في وقت الهاجرة، وقد سبق البحث فيه في باب «فضل الجمعة» [خ¦881] .

(كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي) بضم المثناة التحتانية وكسر الدال المهملة، وفي رواية أي يقرِّب (بَدَنَةً) من الإبل والكاف لتشبيه صفة بصفة أُخرى.

(ثُمَّ) الذي يأتي (كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ) الذي يأتي كالذي يهدي (كَبْشًا، ثُمَّ) الذي يأتي كالذي يهدي (دَجَاجَةً، ثُمَّ) الذي يأتي كالذي يهدي (بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ) المنبر (طَوَوْا) أي الملائكة (صُحُفَهُمْ) التي كتبوا فيها درجات السَّابقين على من يليهم في الفضيلة (وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي الخطبة، وأتى بصيغة المضارع؛ لاستحضار صورة الحال اعتناء بهذه المرتَّبة، وحملًا على الاقتداء بالملائكة.

وهذا هو موضع الاستشهاد على التَّرجمة، قال التيميُّ في استماع الملائكة حضٌّ على استماعها والإنصات إليها.

وقد ذكر من المفسِّرين أنَّ قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف 204] ورد في الخطبة وسمِّيت قرآنًا؛ لاشتمالها عليه، والإنصات السُّكوت، والاستماع شغل السَّمع بالسماع، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه.

والإنصات إلى الخطبة مطلوبٌ بالاتِّفاق، والجديد الصَّحيح من مذهب الشافعيِّ أنَّه يكره الكلام حال الخطبة من ابتدائها، وبه قال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والشعبي والنَّخعي والثوري وداود [1] ؛ لظاهر الآية. وحديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إذا قلتَ لصاحبك أنصتْ يوم الجمعة والإمام يخطبُ فقد لغوت ) ) [خ¦934] ولا يحرم للأحاديث الدَّالَّة على ذلك كحديث أنس رضي الله عنه المروي في «الصحيحين» بينما النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يوم والجمعة قام أعرابيٌّ، فقال يا رسول الله هلك المالُ وضاع العيالُ، فادع الله لنا فرفع يديه ودعا [خ¦933] .

وحديث أنسٍ رضي الله عنه أيضًا المرويُّ بسند صحيحٍ أخرجه البيهقيُّ أنَّ رجلًا دخلَ

ج 5 ص 102

والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يوم الجمعة فقال متى السَّاعة فأومئ النَّاس إليه بالسُّكوت فلم يقبلْ، وأعاد الكلام، فقال له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الثالثة (( ما أعددت لها؟ ) )قال حبُّ الله ورسوله، قال (( إنَّك مع من أحببتَ ) ).

قيل وجه الدَّلالة أنَّه لم ينكر عليه الكلام ولم يبيِّن له وجه السكوت والمنع في الآية للنَّدب، ومعنى لغوت تركت الأدب جمعًا بين الأدلة، والقول القديم أنَّه يحرم، وبه قال مالك والأوزاعيُّ وأبو حنيفة وصاحباه وأحمد رحمه الله لحديث (( إذا قلت لصاحبك أنصت ... ) )الحديث [خ¦933] .

وأجابوا عن حديث أنسٍ رضي الله عنه السَّابق وما في معناه بأنَّه غير محلَّ النِّزاع؛ لأنَّ محلَّ النزاع الإنصات والإمام يخطب.

وأمَّا سؤال الإمام وجوابه فهو قاطعٌ لكلامه فيخرج عن ذلك، وقد بنى بعضهم القولين على الخلاف في أنَّ الخطبتين بدل عن الرَّكعتين، وبه صرَّح الحنابلة وعزوه لنصِّ إمامهم، أو هي صلاةٌ على حيالها؛ لقول عمر رضي الله عنه الجمعة ركعتان تمام غير قصرٍ على لسان نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد خاب من افترى، رواه الإمام أحمد وغيره وهو حديث حسنٌ، كما قاله في «المجموع» فعلى الأول يحرم لا على الثاني.

ثمَّ قال أبو حنيفة رحمه الله خروج الإمام يقطعُ الكلام والصَّلاة جميعًا؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا خرج الإمام لا صلاة ولا كلام ) )ولحديث الباب.

وقالت طائفةٌ لا بأس بالكلام قبل ابتداء الخطبة، وبه قال مالك والثوري وأبو يوسف ومحمَّد والأوزاعي والشافعي لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( خروج الإمام يقطع الصَّلاة، وكلامه يقطع الكلام ) ).

ثمَّ إنَّه قد اختلف العلماء في أنَّ الإنصات واجبٌ على من سمع الخطبة ومن لم يسمعْها، أو على من سمعها فقط، فقالت المالكيَّة يحرمُ على من لم يسمعها أيضًا كمَن به صممٌ، أو بُعْدٌ عن الإمام بحيث لا يسمع لعموم وجوب الإنصات.

وقد قال عثمان رضي الله عنه من كان قريبًا استمعَ وأنصت ومن كان بعيدًا أنصتَ، وقال رضي الله عنه أيضًا للمنصت الذي لا يسمعُ من الأجر مثل ما للمنصتِ الذي يسمع.

وقالت الحنفيَّة الأحوط السُّكوت، وبه قال بعضُ أصحاب الشافعيِّ، وقال أحمد لا بأس أن يذكر الله ويقرأ من لا يسمع الخطبة. وقيل الاشتغال بالذِّكر وقراءة القرآن أفضل من السُّكوت، وأمَّا دراسة الفقه والنَّظر في كتب الفقه وكتابته، فقيل يكره، وقيل لا بأس به. وقال أصحابنا إذا اشتغل الإمام بالخطبة ينبغي للمستمع أن يجتنب ما يجتنب في الصَّلاة، فيكره له ردُّ السَّلام وتشميت العاطس، إلَّا في قولٍ جديدٍ للشافعيِّ أنَّه يردُّ ويشمت. وعن أبي حنيفة رحمه الله إذا سُلِّم عليه يردُّه بقلبه، وعن أبي يوسف يردُّ السَّلام ويشمِّت العاطس فيها، وعن محمَّد يردُّ ويشمِّت بعد الخطبة ويصلِّي على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

تتمة قال ابن عبد البرِّ رُوِي عن

ج 5 ص 103

الشعبيِّ وسعيد بن جبير والنخعيِّ وأبي بُردة أنَّهم كانوا يتكلمون والإمام يخطب إلَّا في قراءة القرآن في الخطبة خاصة لقوله تعالى {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف 204] . انتهى.

وقال ابن قدامة وكان سعيد بن جبير وإبراهيم بن مهاجر وأبو بردة والنخعي والشعبي يتكلَّمون والحجَّاج يخطب. انتهى.

قال ابن عبد البرِّ وفعلهم مردودٌ عند أهل العلم وأحسن أحوالهم أنَّهم لم يبلغهم الحديث في ذلك.

هذا وفي «المجتبى» قيل وجوب الاستماع مخصوصٌ بزمن الوحي، وقيل في الخطبة الأولى دون الثَّانية لما فيها من مدح الظَّلمة.

وقال شيخ الإسلام الاستماع إلى خطبة النِّكاح والختم وسائر الخطب واجبٌ.

وفي «الكامل» ويقضي الفجر إذا ذكره في الخطبة، والله أعلم.

[1] من قوله (( وبه قال عروة ... إلى قوله وداود ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت