936 - (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بالواو، ابن المهلَّب الأزديُّ البغداديُّ أصله كوفيٌّ، مات ببغداد في جمادى الأولى سنة أربع عشرة ومائتين، وقد مرَّ ذكره في باب «إقبال الإمام على النَّاس» [خ¦719] ، لكن روى البخاريُّ له ثمة بواسطة أحمد بن أبي رجاء، وهاهنا بدون الواسطة.
(قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) أي ابن قُدامة أبو الصَّلت الكوفي، وقد مرَّ في باب «الغسل بالمُدِّ» [خ¦268] (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح
ج 5 ص 121
الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيِّ، وقد مرَّ في باب «الأذان بعد ذهاب الوقت» [خ¦595] (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين، واسم أبي الجعد رافع الكوفيُّ، وقد مرَّ في باب «التسمية في الوضوء» [خ¦141] (قَالَ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ.
وقد أخرج متنه المؤلف في «البيوع» [خ¦2058] و «التفسير» أيضًا [خ¦4899] ، وأخرجه مسلم في «الصلاة» ، والترمذي في «التفسير» ، وكذا النسائيُّ فيه وفي «الصلاة» .
(بَيْنَمَا) بالميم، وفي رواية بدون الميم، وقد مرَّ تحقيقه غير مرَّةٍ (نَحْنُ نُصَلِّي) أي الجمعة (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ظاهره أنَّ انفضاضهم كان بعد دخولهم في الصَّلاة كما يدلُّ عليه رواية خالد بن عبد الله عند أبي نُعيم في «المستخرج» (( بينما نحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصَّلاة ) ).
ولكن وقع عند مسلم (( ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب ) )، وله في رواية (( بينا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم ) )، وزاد أبو عَوانة في «صحيحه» والترمذيُّ والدارقطنيُّ من طريقه (( يخطب ) ).
فعلى هذا يكون معنى قوله «نصلِّي» ، ننتظر الصَّلاة، ومعنى قوله «في الصلاة» في الخطبة من تسمية الشَّيء بما يقاربه، وهو الأليقُ بالصَّحابة تحسينًا للظَّنِّ بهم، فإنَّهم يتنزَّهون عن إبطال العمل المشروعِ فيه، لا سيَّما عن إبطال صلاة الجمعة بعد دخولهم فيها، أو هذا بناءٌ على أنَّ الخطبة من الصلاة.
ويحتمل أن يكون على ظاهره، وهو الأنسب للتَّرجمة، ويجوز أن يكون ذلك قبل النَّهي عن الكلام في الصلاة، وقال البيهقيُّ الأشبه أن يكون الصَّحيح رواية من روى أنَّ ذلك كان في الخطبة.
ففي رواية أخرى عند مسلم في حديث جابر رضي الله عنه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشَّام فانقلبوا إليها حتَّى لم يبقَ إلَّا اثني عشر رجلًا.
(إِذْ أَقْبَلَتْ) جواب «بينما» (عِيرٌ) بكسر العين، هي الإبل التي تحمل التِّجارة طعامًا كانت أو غيره، وهي مؤنثة لا واحدَ لها من لفظها.
وقال الزمخشريُّ في قوله تعالى {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ} [يوسف 70] إنِّها الإبل التي عليها الأحمال؛ لأنَّها تعير؛ أي تذهب وتجيء.
وقيل قافلة الحمير، ثمَّ كثر حتَّى قيل لكلِّ قافلةٍ عيرٌ كأنَّها جمع عَير _ بفتح العين _، والمراد أصحاب العير، فإسناد الإقبال إلى العير مجاز، وفي «المحكم» والجمع عيرات وعير.
(تَحْمِلُ طَعَامًا) ونقل عبد الحق في «جمعه» أنَّ البخاريَّ لم يخرج قوله «إذ أقبلت عيرٌ تحمل طعامًا» ، وليس كذلك، فإنَّه ثبت هنا وفي أوائل «البيوع» [خ¦2058] .
نعم، سقط ذلك في «التفسير» [خ¦4899] ، وزاد البخاريُّ في «البيوع» [خ¦2058] (( أنها أقبلت من الشام ) ) [خ¦2058] .
ومثله لمسلم من طريق جرير عن حصين، وفي رواية الطبرانيِّ من طريق السُّدي أنَّ الذي قدم بها من الشَّام هو دحية بن خليفة الكلبي.
وذكر أهل الحديث أنَّ دِحية بن خليفة الكلبي قدِم من الشَّام بعِير له تحمل طعامًا وبزًا، وكان النَّاس إذ ذاك
ج 5 ص 122
محتاجين فانفضُّوا إليها وتركوا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي رواية ابن مردويه من طريق الضَّحاك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما جاءت عير لعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه.
ويُجمع بينهما باحتمال أن تكون التِّجارة لعبد الرحمن بن عوف، وكان دحية سفيرًا فيها، أو تكون التِّجارة مشتركة بينهما، فصحَّت نسبتها إلى كلٍّ منهما بهذا الاعتبار.
(فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا) أي إلى العير، وفي رواية ابن فُضيل في البيوع (( فانفضَّ الناس ) ) [خ¦2064] ؛ أي فتفرَّق الناس، وهو موافقٌ للفظ القرآن، فدلَّ هذا على أنَّ المراد من الالتفات هو الانصراف، وبهذا يُردُّ على من حمل الالتفات على ظاهره حيث قال لا يفهم من هذا الانصراف عن الصَّلاة وقطعها، وإنَّما الذي يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو بقلوبهم.
ويردُّ هذا أيضًا قوله (حَتَّى مَا بَقِيَ) أي لم يبقَ (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) استثناء من الضَّمير الذي في «بقي» العائد إلى المصلِّي، فيجوز فيه الرفع والنصب، وقد جاءت الرِّواية بهما كما في قوله تعالى {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء 66] ، ويحتمل أن يكون الاستثناء مفرَّغًا، فعلى هذا الرَّفع ظاهر؛ لأنَّ المستثنى معرب على حسب العامل، وأمَّا النصب فلإعطاء «اثني عشر» حكم أخواته التي هي ثلاثة عشر وأربعة عشر وغيرهما؛ لأنَّ الأصل فيها البناء؛ لتضمُّنها معنى الحرف، فافهم.
وقال الحافظ العسقلانيُّ في قوله (( فالتفتوا ) )التفات؛ لأنَّ السِّياق يقتضي أن يقول فالتفتنا، وكأنَّ النكتة في عدول جابرٍ رضي الله عنه أنَّه هو لم يكن ممَّن التفت.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ جابرًا رضي الله عنه كان من الاثني عشر على ما جاء أنَّه قال وأنا فيهم، فيكون هذا إخبارًا عن الذين انفضُّوا فلا عدول فيه عن الأصل.
وأنت خبيرٌ بأنَّه لا يَرِدُ ذلك على الحافظ كما لا يخفى على من يعرف الالتفات.
ثمَّ إنَّ في تعيين عدد الذين بقوا مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روايات مختلفة؛ ففي رواية «الصحيح» أنَّهم اثنا عشر.
وفي رواية الدارقطنيِّ عن علي بن عاصم عن حُصين حتَّى لم يبقَ معه إلَّا أربعين رجلًا أنا فيهم، لكن قال الدَّارقطنيُّ لم يقل كذلك إلَّا علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب حُصَين فقالوا اثني عشر رجلًا.
وفي «المعاني» للفراء إلَّا ثمانية عشر، وفي «تفسير عبد بن حميد» إلَّا سبعة، ووقع في «تفسير» الطبري وابن أبي حاتم بإسناد صحيحٍ إلى قتادة قال قال لهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( كم أنتم؟ ) )فعدُّوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة.
وفي «تفسير» إسماعيل بن أبي زياد الشامي وابن أبان من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما وسبع نسوة، لكن إسناده ضعيفٌ.
وأمَّا تسميتهم فوقع في رواية خالد الطحَّان عند مسلم أنَّ جابرًا رضي الله عنه قال «أنا فيهم» ، وله في رواية هُشيم «فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما» .
وفي «تفسير» إسماعيل بن أبي زياد الشَّامي أنَّ سالمًا مولى أبي حذيفة منهم، وروى العُقيلي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأناسًا من الأنصار رضي الله عنهم.
ج 5 ص 123
وحكى السهيليُّ أنَّ أسد بن عمرو روى بسندٍ منقطعٍ أنَّ الاثني عشر هم العشرة المبشَّرة وبلال وابن مسعود رضي الله عنهم، قال وفي رواية عمَّار بدل ابن مسعود رضي الله عنهما، وأهمل جابرًا وهو منهم، كما ذكر في «الصحيح» .
(فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {إِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} ) هو الطَّبل الذي كان يضرب لقدوم التِّجارة فرحًا بقدومها وإعلامها ( {انْفَضُّوا} ) من الانفضاض وهو التَّفرُّق يقال فضضتُ القوم فانفضُّوا؛ أي فرَّقتهم فتفرَّقوا ( {إِلَيْهَا} ) قال الزمخشريُّ كيف قال إليها وقد ذكر شيئين؟
قلت تقديره إذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها أو لهوًا انفضوا إليه، فحذف أحدَهما لدَلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ {انفضوا إليه} وقراءة من قرأ {لهوًا أو تجارة انفضوا إليها} وقرئ {إليهما} . انتهى.
وقيل أعيد الضَّمير إلى «التِّجارة» فقط؛ لأنَّها كانت أهم إليهم، أو أعيد الضمير إلى مصدر الفعل المتقدِّم وهو الرؤية؛ أي انفضُّوا إلى الرُّؤية الواقعة على التجارة أو اللَّهو، والتَّرديد؛ للدَّلالة على أنَّ منهم من انفضَّ لمجرد سماع الطَّبل ورؤيته.
( {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} ) ظاهر هذا أنَّ سببَ نزول هذه الآية قدوم العير المذكورة، وفي «مراسيل أبي داود» حدَّثنا محمود بن غيلان حدَّثنا الوليد أخبرنا بكير بن معروفٍ أنَّه سمع مقاتل بن حيان قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلِّي الجمعة قبل الخطبةِ مثل العيدين حتَّى كان يوم جمعةٍ، والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب، وقد صلَّى الجمعة فدخل رجلٌ فقال (( إنَّ دحية قدم بتجارته ) )وكان دِحية إذا قَدِم تلقَّاه أهله بالدُّفوف، فخرج النَّاس لم يظنُّوا إلا أنَّه ليس في ترك الخطبة شيء، فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية، فقدَّم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخطبة يوم الجمعة وأخَّر الصَّلاة، فكان أحدٌ لا يخرج لرعاف أو حدث بعد النَّهي حتَّى يستأذنَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ليشيرَ إليه بإصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ يشيرُ إليه بيده.
قال السُّهيليُّ هذا وإن لم ينقل من وجهٍ ثابتٍ فالظنُّ الجميل بالصَّحابة يوجب أن يكون صحيحًا، وقال القاضي عياض وقد أنكر بعضهم كونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطب قط بعد صلاة الجمعة.
وفي «سنن الشافعيِّ» رحمه الله عن إبراهيم بن محمد حدَّثني جعفر بن محمَّد، عن أبيه كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يوم الجمعة وكانت لهم سوقٌ يقال لها البطحاءُ كانت بنو سُليم يجلبون إليها الخيل والإبل والسَّمن، فقدموا فخرج إليهم النَّاس وتركوا رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان لهم لهوٌ إذا تزوَّج أحدٌ من الأنصار يضربونه، يقال له الكير فعيَّرهم الله بذلك فقال {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة 11] الآية وهو مرسلٌ؛ لأنَّ محمَّد الباقر من التَّابعين.
ووصله أبو عَوانة في «صحيحه» والطبريُّ بذكر جابرٍ فيه أنَّهم كانوا إذا نكحوا تضرب الجواري بالمزامير فيشتدُّ النَّاس إليهم، ويدَعون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائمًا فنزلت هذه الآية.
وفي «تفسير عبد بن حميد» ثنا يعلى عن الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما قدم دحية بتجارة فخرجوا ينظرون إلَّا سبعة نفر.
وأخبرني عَمرو بن عون عن هُشيم عن يونس عن الحسن قال فلم يبقَ معه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا رهط منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فنزلت هذه الآية {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً} [الجمعة 11] فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( والذي نفسي بيده لو تتابعتم
ج 5 ص 124
حتَّى لا يبقى معي أحدٌ منكم لسال بكم الوادي نارًا )) .
حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة قال ذُكِرَ لنا أنَّ نبيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام يوم جمعةٍ فخطبهم، فقيل جاءت عيرنا فجعلوا يقومون حتَّى بقيتْ عصابةٌ منهم، فقال كم أنتم فعدُّوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا فقال (( والذي نفس محمَّدٍ بيده لو اتَّبع آخركم أوَّلكم لأُلهب الوادي عليكم نارًا ) )فأنزلَ الله تعالى فيها ما تسمعون {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً} [الجمعة 11] الآية.
حدَّثنا شيبان عن ورقاء عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال كان رجالٌ يقومون إلى نواضحِهم، وإلى السَّفر يقدَمون يبتغون التِّجارة واللهو.
وفي «تفسير ابن عبَّاس» رضي الله عنهما عن أنس رضي الله عنه بينما نحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يوم الجمعة، إذ سمع أهل المسجد صوت الطُّبول والمزامير، وكان أهل المدينة إذا قدِمت عليهم العير من الشام بالبرِّ والزَّبيب استقبلوها فرحًا بالمعازف، فقدمت عِيرٌ لدحية والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب، فتركوا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخرجوا، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ هاهنا؟ ) )فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأتان، منهم أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لو تبع آخركم أوَّلكم لاضطرم الوادي عليكم نارًا، ولكن الله تطوّل عليَّ بكم، فرفع العقوبة بكم عمَّن خرج ) )فنزلت الآية.
وفي «تفسير النسفي» وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطَّبل والتَّصفيق، وهو المراد باللَّهو، وفيه أيضًا بينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يوم الجمعة، إذ قدم دِحية بن خليفة الكلبي من الشَّام بتجارة، وكان إذا قدم لم يبقَ بالمدينة عاتق، وكان يقدم إذا قدم بكلِّ ما يُحتاج إليه من دقيقٍ أو برٍّ أو غيره، فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثمَّ يضرب الطَّبل ليؤذن النَّاس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه، فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يُسْلِم ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب، فخرج إليه النَّاس فلم يبقَ في المسجد إلَّا اثنا عشر رجلًا وامرأة، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( كم بقي في المسجد؟ ) )فقالوا اثنا عشر رجلًا وامرأة، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لولا هؤلاء لقد سوِّمت لهم الحجارة من السماء ) )وأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقد استُشكل الأَصيليُّ حديث الباب مع وصف الله تعالى الصَّحابة بأنَّهم رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله.
وأجاب باحتمال أن يكون هذا قبل نزول آية النور.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا الذي يتعيَّن المصير إليه،
ج 5 ص 125
مع أنَّه ليس في آية النور التَّصريح بنزولها في الصَّحابة رضي الله عنهم، ولئن سلَّمنا ذلك فلم يكن تقدَّم لهم نهيٌ عن ذلك، فلمَّا نزلت آية الجمعة وفهموا منها ذمُّ ذلك اجتنبوا، فوُصِفُوا بما في آية النور، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ ظاهر حديث الباب أنَّ القوم إذا نفروا عن الإمام وهو في صلاة الجمعة فصلاة من بقي وصلاة الإمام على حالها، فلذلك ترجم البخاريُّ رحمه الله الباب بما ترجم.
وقال ابن بطَّال اختلف العلماء في الإمام يفتتح صلاة الجمعة بجماعةٍ ثمَّ يتفرَّقون، فقال الثوريُّ إذا ذهبوا إلَّا رجلين صلَّى ركعتين، وإن بقي واحد صلَّى أربعًا، وقال أبو ثور يصلِّيها جمعة.
وقال العينيُّ إذا اقتدى الناس بالإمام في صلاة الجمعة، ثمَّ عرض للناس عارض أدَّاهم إلى النُّفور فنفروا وبقي الإمام وحدَه، وذلك قبل أن يركع ويسجد استقبل الظُّهر عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقال أبو يوسف ومحمَّد رحمهما الله إن نفروا عنه بعدما افتتح الصَّلاة صلَّى الجمعة، وإن بقي وحده، وبه قال المزنيُّ في قول، وإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدةً بنى على الجمعة في قولهم جميعًا خلافًا لزفر رحمه الله فعنده يصلِّي الظهر.
وعند مالك إن انفضُّوا بعد الإحرام ويئس من رجوعهم بنى على إحرامه أربعًا، وإلَّا جعلها نافلةً وانتظرهم.
وإن انفضُّوا بعد ركعةٍ قال أشهبُ وعبد الوهاب يتمُّها جمعةً وهو اختيار المزني، وقال سُحنون هو كما بعد الإحرام فيشترط إلى الانتهاء، وقال إسحاق إن بقيَ معه اثنا عشر صلَّى الجمعة، وظاهر كلام أحمد استدامة الأربعين.
وقال النوويُّ لو أحرم بالأربعين المشروطة، ثمَّ انفضُّوا ففيه خمسة أقوال
أصحُّها يتمُّها ظهرًا كالابتداء وللمزنيِّ تخريجان أحدهما يتمُّها جمعة وحده، والثَّاني إن صلَّى ركعةً بسجدتيها أتمَّها جمعة.
وقيل إن بقي معه واحد أتمَّها جمعة نصَّ عليه في القديم، وذكر ابن المنذر إن بقي معه اثنان أتمها جمعة، وهو رواية البويطيِّ.
وقال صاحب «التقريب» يحتمل أن يكتفي بالعبد والمسافر، وأقام الماورديُّ الصبي والمرأة مقامهما.
فالحاصل بقاء الأربعين في كلِّ الصَّلاة هل هو شرطٌ أو لا؟ قولان فإن قلنا لا فهل يشترط بقاء عدد أم لا؟ فقولان، فإن قلنا لا فهل يفصل بين الرَّكعة الأولى والثانية أو لا؟ قولان، فإن قلنا نعم فكم يشترط؟ قولان أحدهما ثلاثة والآخر اثنان، فإذا أردت اختصار ذلك قلت في المسألة خمسة أقوال
أحدها يتمُّها ظهرًا كيف ما كان وهو الصَّحيح.
والثَّاني جمعة كيف ما كان.
ج 5 ص 126
والثَّالث إن بقي معه اثنان أتمها جمعة وإلَّا ظهرًا.
والرَّابع إن بقي معه واحدٌ أتمَّها جمعة.
والخامس إن انفضُّوا أو بعضهم بعد تمام الرَّكعة بسجدتها أتمَّها جمعة وإلَّا أتمَّها ظهرًا.
قال العينيُّ الأصل أنَّ الجماعة من شرائط الجمعة؛ لأنَّها مشتقَّةٌ منها، وأجمعت الأمَّة على أنَّ الجمعة لا تصحُّ من المنفرد إلَّا ما ذكر ابن حزم في «المحلى» عن بعض الناس أنَّ الفذَّ يصلِّي الجمعة كالظُّهر.
ثمَّ أقلُّ الجماعة عند أبي حنيفة رحمه الله ثلاثة سوى الإمام، وبه قال زفر واللَّيث بن سعد رحمهما الله، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيِّ والثوريِّ في قول وأبي ثور، واختاره المزنيُّ، وعند أبي يوسف ومحمَّد رحمهما الله اثنان سوى الإمام، وبه قال أبو ثور والثوريُّ في قولٍ وهو قول الحسن البصري.
ثمَّ الجماعة للجمعة شرطٌ تأكُّد العقد بالسَّجدة عند أبي حنيفة وعندهما للشُّروع، وعند زفر يشترط دوامها كالوقت والطَّهارة، وفائدة الخلاف تظهر فيما ذُكِر عنهم آنفًا.
ثمَّ في العدد الذي تصحُّ به الجمعة أربعة عشر قولًا
ثلاثة سوى الإمام عند أبي حنيفة. واثنان سواه عندهما، وواحد سواه عند النخعيِّ والحسن بن حيٍّ وجميع الظاهريَّة، وسبعة عن عكرمة، واثني عشر عند مالك وأيضًا عن ربيعة، وثلاثة عشر وعشرون وثلاثون عن مالك في رواية ابن حَبيب، وأربعون موالي عن عمر بن عبد العزيز، وأربعون أحرارًا بالغين عقلاء مقيمين لا يظعنون صيفًا ولا شتاءً إلَّا ظعن حاجة عند الشَّافعيِّ وأحمد في ظاهر قوله، وخمسون رجلًا عن أحمد في رواية وعمر بن عبد العزيز، وثمانون ذكره المازريُّ، وغير محدَّدٍ بعدد ذكره المازريُّ أيضًا.
وقال الكرمانيُّ وفي الحديث دليلٌ لمالك حيث قال تنعقدُ الجمعة باثني عشر، وأجاب الشافعيَّة بأنَّه محمولٌ على أنَّهم رجعوا أو رجع منهم تمام أربعين فأتمَّ بهم الجمعة.
قال العينيُّ وفي استدلال مالك نظرٌ وكذا في جواب الشافعيَّة؛ لأنَّه لم يَرِدْ أنَّه أتمَّ الصَّلاة جمعة، ويحتمل أنَّه أتمَّها ظهرًا، قالت الشافعيَّة والحنابلة لو انفضَّ الأربعون أو بعضهم في أثناء الخطبة أو بينها وبين الصَّلاة أو في الرَّكعة الأولى ولم يعودوا أو عادوا بعد طول الفصل استأنف الإمام الخطبة والصَّلاة.
ولو انفضَّ السَّامعون للخطبة بعد إحرام تسعة وثلاثين لم يسمعوا الخطبة أتمَّ بهم الجمعة؛ لأنَّهم إذا لحقوا والعدد تامٌّ صار حكمهم واحدًا فسقط عنهم سماع الخطبة.
ولو انفضُّوا قبل إحرامهم به استأنف الخطبة بهم؛ لأنَّه لا تصحُّ الجمعة بدونها ولو قصر الفصل لانتفاء سماعهم ولحوقهم.