943 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ) أبو عثمان الأموي البغداديُّ مات في النصف من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (أَبِي) يحيى بن سعيد المذكور.
(قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاش مولى الزُّبير بن العوام مات سنة أربعين ومائة.
(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما
ج 5 ص 142
(نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ هَذَا) وهو قوله (إِذَا اخْتَلَطُوا) أي المسلمون بالكفار يصلُّون حال كونهم (قِيَامًا) أي قائمين لا راكبين.
وأخرج الإسماعيليُّ من رواية حجاج بن محمد عن ابن جُريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال إذا اختلطوا فإنَّما هو الإشارةُ بالرَّأس.
وقال ابن جُريج حدَّثني موسى بن عُقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما مثل قول مجاهد إذا اختلطوا فإنَّما هو الذِّكر وإشارة الرأس.
قال القسطلانيُّ وتبيَّن من هذا أنَّ قوله هنا (( قيامًا ) )تصحيف من قوله «فإنَّما» . انتهى.
فمذهب مجاهدٍ أنَّه يجزئه الإيماء عند شدَّة القتال كمذهب ابن عمر رضي الله عنهما، وقال ابن بطَّال أمَّا صلاة الخوف رجالًا أو ركبانًا فلا يكون إلَّا إذا اشتدَّ الخوف واختلطوا في القتال، وهذه الصَّلاة تسمَّى بصلاة المسايفة، وممَّن قال بذلك ابن عمر رضي الله عنهما.
وإن كان خوفًا شديدًا صلُّوا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. انتهى.
وكلُّ واحدٍ من قول ابن عمر رضي الله عنهما، وقول مجاهدٍ رحمه الله موقوف، أمَّا رواية نافع عن ابن عمر؛ فإنَّه موقوف عليه، وأمَّا قول مجاهد فإنَّه موقوف على نفسه؛ لأنَّه لم يَرْوه عن ابن عمر ولا عن غيره.
(وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فهو مسندٌ لا موقوف عليه.
(وَإِنْ كَانُوا) وفي رواية أي العدو (أَكْثَرَ) عند اشتداد الخوف (مِنْ ذَلِكَ) أي من الخوف الذي لا يمكن معه القيام في موضع ولا إقامة صفٍّ.
(فَلْيُصَلُّوا) حينئذٍ حال كونهم (قِيَامًا) أي قائمين على أقدامهم (وَرُكْبَانًا) أي راكبين على رواحلهم ودوابِّهم؛ لأنَّ فرض النُّزول سقط حينئذٍ.
ولمسلم في آخر هذا الحديث قال ابن عمر رضي الله عنهما فإذا كان الخوف أكثر من ذلك فليصلِّ راكبًا أو قائمًا يُومئ إيماءً، وزاد مالك في «الموطأ» في آخره أيضًا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها.
وقيل إذا كان تَرَكَ الاستقبال بسبب القتال يجوز ذلك، وأمَّا إذا انحرف عن القبلة لجماح الدابة، وطال الزَّمان بطلت صلاته، وحكم الخوف على النَّفس من سَبُع أو حية أو حرق أو غرق أو على مال ولو لغيره كما في «المجموع» فكحكم الخوف في القتال، ولا إعادة في الجميع.
وقال الطحاويُّ ذهب قومٌ إلى أنَّ الراكب لا يصلِّي الفريضة على دابَّته وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصلِّ يوم الخندق كما في حديث أخرجه البخاري [خ¦4111] ومسلم وغيرهما.
وهو ما رُوِي عن حذيفة رضي الله عنه قال سمعت النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يوم الخندق (( شغلونا عن صلاة العصر ) )قال ولم يصلِّها يومئذٍ حتَّى غربت الشمس (( ملأ الله قبورهم نارًا وبيوتهم نارًا ) )هذا لفظ الطحاوي.
ج 5 ص 143
قال العينيُّ وأراد الطحاويُّ بالقوم ابنَ أبي ليلى والحكمَ بن عُتيبة والحسن بن حيٍّ، وقال وخالفهم آخرون في ذلك، وأراد بهم الثوريَّ وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر ومالكًا وأحمد، فإنَّهم قالوا إن كان الرَّاكب في الحرب يُقاتل لا يصلِّي، وإن كان لا يُقاتل ولا يمكنه النُّزول يُصلِّي.
وعند الشافعيِّ يجوز له أن يقاتلَ وهو يصلِّي من غير تتابع الضَّربات والطعنات.
ثمَّ قال الطحاويُّ وقد يجوز أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصلِّ يومئذٍ؛ لأنَّه لم يكن أُمِرَ حينئذٍ أن يصلِّي راكبًا، دلَّ على ذلك حديث أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنَّه قال حُبسنا يوم الخندق حتَّى كان بعد المغرب بهوي من الليل حتَّى كُفينا، وذلك قول الله عز وجل {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب 25] قال فدعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلالًا رضي الله عنه، فأقام الظُّهر فأحسن صلاتها كما كان يصلِّيها في وقتها، ثمَّ أمره فأقام العصر فصلَّاها كذلك، فأقام المغرب فصلَّاها. وذلك قبل أن يُنزل الله عزَّ وجلَّ في صلاة الخوف {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة 239] .
فأخبر أبو سعيد أنَّ تركهم للصلاةٍ يومئذٍ ركبانًا إنَّما كان قبل أن يباح لهم ذلك، ثمَّ أُبيح لهم بهذه الآية حيث قال تعالى {فَإِنْ خِفْتُم} من عدوٍّ أو غيره {فَرِجَالًا} أي حافظوا عليها في حال الخوف أيضًا ولا تؤخِّروها، وصلُّوا رجالًا وهي جمع راجل، وهو القائم على الرِّجل، ويجوز لهم أداؤها بالجماعة.
{أَوْ رُكْبَانًا} جمع راكب، ولهم أن يصلُّوا وحدانًا بالإيماء، ويكون السُّجود أخفض من الرُّكوع ليتميز، أو يسقط عنهم التَّوجه إلى القبلة، ولا يجوز أن يصلُّوا بجماعةٍ عندنا ولا في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف.
وعند الشافعيِّ يصلُّون في كلِّ حالٍ أخذًا بما في هذه الآية من الإطلاق {فَإِذَا أَمِنْتُم} أي زال خوفكم {فَاذْكُرُوا الله} فصلُّوا صلاة الأمن، والذِّكر اسمٌ للصلاة {كَمَا عَلَّمَكُمْ} [البقرة 239] أي صلُّوا طائفة واحدة من غير انصرافٍ، وفي حالة الخوف يصلُّون طائفتين، وينصرفُ كلُّ طائفةٍ إلى العدو عند تمام ركعة كما في آية سورة النساء {مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة 239] مفعول «علَّمكم» .
ورجال إسناد حديث الباب ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومكيٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه مسلم والنسائي أيضًا.