فهرس الكتاب

الصفحة 1503 من 11127

946 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بفتح الهمزة وبالمد، ابن عبيد بن مخراق الضُّبعيُّ البصريُّ، ابن أخي جويرية، روى عنه مسلمٌ أيضًا، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) مصغر جارية بالجيم ابن أسماء، وهو عمُّ عبد الله الرَّاوي عنه يسمَّى أبا مخراق البصري.

(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية الرجل عن عمِّه، وفيه اسم أحد الرواة بالتصغير، والحال أنَّ أصل وضعه للأنثى.

وقد أخرج متنه المؤلف في «المغازي» أيضًا [خ¦4119] ، وأخرجه مسلم فيه أيضًا عن شيخ البخاريِّ عن جويرية.

(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ) هي غزوة الخندق، وقد أنزل الله تعالى فيها سورة الأحزاب، وكانت في شوال سنة خمس من الهجرة، نصَّ على ذلك ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة.

وقال موسى بن عُقبة عن الزهريِّ أنَّه قال كانت الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن موسى بن داود عنه، والجمهور على قول ابن إسحاق.

وسمِّيت بالأحزاب؛ لأنَّ الكفار تحزَّبوا وتألَّفوا من قبائل العرب، وهم عشرة آلاف نفس، وكانوا ثلاثة عساكر، وجناح الأمر إلى أبي سفيان، وسمِّيت أيضًا بغزوة الخندق؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا سمع بهم وما جمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة.

قال ابن هشام يقال إنَّ

ج 5 ص 152

الذي أشار به سلمان رضي الله عنه، قال الطبريُّ والسُّهيليُّ أوَّل من حفر الخنادق منوجهر بن أَيْرَج، وكان في زمن موسى عليه الصلاة والسلام.

وذكر ابن إسحاق لما انصرف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الخندق راجعًا إلى المدينة، والمسلمون قد وضعوا السِّلاح، فلمَّا كان الظهر أتى جبريل عليه السلام وقال له ما وضعت الملائكة السِّلاح بعد، وإنَّ الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإنِّي عائدٌ إليهم، فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلالًا فأذَّن في النَّاس من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلِّين العصر إلا في بني قريظة.

قال ابن سعد ثمَّ سار إليهم وهم ثلاثة آلاف، وذلك يوم الأربعاء لتسعٍ بقين من ذي القعدة عقيب الخندق.

(لاَ يُصَلِّيَنَّ) بالنون المثقلة المؤكدة (أَحَدٌ) منكم (الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) بضم القاف وفتح الراء وسكون المثناة التحتية وبالظاء المعجمة وفي آخره تاء التأنيث، وهم فرقةٌ من اليهود.

وقال ابن دريد القرظ ضربٌ من الشَّجر يُدبغ به، يقال أديم مقروظ، وتصغيره قريظة، وبه سُمِّي البطن من اليهود، ورواية البخاريِّ التَّنصيص على العصر، وكذا في رواية ابن حبان و «مستخرج أبي نُعيم» .

وقيل التَّوفيق بين الرِّوايتين أنَّ هذا الأمر كان بعد دخول وقت الظهر وقد صلى الظُّهر بعضهم دون بعضٍ، فقيل للذين لم يصلُّوا الظهر لا تصلُّوا الظهر إلَّا في بني قريظة والذين صلُّوها بالمدينة لا تصلُّوا العصر إلا في بني قريظة.

وقيل يحتمل أنَّه قيل للذين ذهبوا أوَّلًا لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة، وللذين ذهبوا بعدهم لا تصلُّوا العصر إلَّا بها.

(فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ) الضمير فيه يرجع إلى لفظ «أحد» وهو منصوب على أنَّه مفعول «أدرك» وفاعله (الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ) وفي رواية بالواو (بَعْضُهُمْ) الضَّمير فيه كالآتي يرجع إلى البعض الأول (لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا) عملًا بظاهر قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا يصلِّين أحد ... إلى آخره ) )فخصُّوا عموم الأمر بالصَّلاة في أوَّل وقتها بما إذا لم يكن عذر، بدليل أمرهم بذلك.

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ) على صيغة المجهول من المضارع؛ أي المراد من قوله «لا يصلِّين أحدٌ .. إلى آخره» ، لازمه وهو الاستعجال في الذَّهاب إلى بني قريظة لا حقيقة ترك الصَّلاة أصلًا كأنَّه قال صلوا في بني قريظة إلَّا أن يدرككم وقتها قبل أن تصلوا إليها، فجمعوا بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإسراع فصلُّوا ركبانًا مومئين؛ لأنَّهم لو نزلوا للصَّلاة؛ لكان فيه مضادَّة للأمر بالإسراع، ولا يظنُّ ذلك بالصَّحابة رضي الله عنهم، وبهذا يطابق الحديث الترجمة.

فإن قيل هذا معارَض

ج 5 ص 153

بأنَّهم لو تركوا الركوع والسُّجود؛ لكان ذلك مضادًّا لقوله تعالى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج 77] ، ولا يظنُّ بهم ذلك.

فالجواب أنَّه عامٌّ خُصَّ بدليل، كما أنَّ الأمر بتأخير الصَّلاة إلى إتيان بني قريظة خُصَّ بما إذا لم يخش الفوات هكذا قيل.

وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لم يصرح لهم بترك النُّزول فلعلهم فهموا أنَّ المراد بأمرهم أن لا يصلُّوا العصر إلَّا في بني قريظة المبالغة في الأمر بالإسراع، فبادروا إلى امتثال أمره، ولمَّا حضر وقت الصلاة وقد تقرَّر عندهم من تأكُّيد أمر الصلاة نزلوا فصلُّوا، ولا يكون في ذلك مضادة لما أمروا به، ودعوى أنَّهم صلُّوا ركبانًا يحتاج إلى دليلٍ.

قال الحافظ العسقلاني ولم أره صريحًا في شيء من طرق هذه القصَّة، والله أعلم.

(فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ أحِدًا) ويروى (مِنْهُمْ) لا التَّاركين للصلاة المؤخِّرين عن أوَّل وقتها؛ لحملهم النَّهي على ظاهره، ولا الذين فهموا أنَّه كنايةٌ عن الاستعجال.

وقد استنبط من هذا الحديث ابنُ حبَّان معنىً حسنًا حيث قال لو كان تأخير المرء للصَّلاة عن وقتها إلى أن يدخل وقت الصَّلاة الأخرى يلزمه بذلك اسم الكفر؛ لما أمر المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك.

وقال السُّهيليُّ في الحديث دليلٌ على أنَّ كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيبٌ، إذ لا يستحيل أن يكون الشَّيء صوابًا في حقِّ إنسانٍ خطأً في حقِّ غيره، فيكون من اجتهد في مسألة فأداه اجتهاده إلى الحلِّ مصيبًا، وكذا الحرمة، وإنَّما المحال أن يحكم المسألة بحكمين متضادين في حقِّ شخصٍ واحدٍ، وإنَّما عسر فهم هذا الأصل على طائفتين الظاهرية والمعتزلة.

أمَّا الظاهريَّة فإنَّهم علَّقوا الأحكام بالنصوص، فاستحال عندهم أن يكون النَّصُّ يأتي بحظر وإباحة معًا إلَّا على وجه النسخ.

وأمَّا المعتزلة فإنَّهم علَّقوا الأحكام بتقبيح العقل وتحسينه، فصار حسن الفعل عندهم أو قبحه صفة عينٍ، فاستحال عندهم أن يتَّصف فعل بالحسن في حقِّ زيد، والقبح في حقِّ عمرو كما يستحيل ذلك في الألوان والأكوان وغيرها من الصِّفات القائمة بالذوات، وأمَّا ما عدا هاتين الطائفتين فليس الحظر عندهم والإباحة بصفات أعيان، وإنما هي صفات أحكام.

وقال الخطابيُّ إنَّ قول القائل في هذا كلُّ مجتهدٍ مصيب، ليس بذاك، وإنَّما هو ظاهر خطاب خُصَّ بنوعٍ من الدَّليل. ألا تراهم قالوا بل نصلِّي لم يُرِدْ منَّا ذلك؛ يعني أنَّ طاعة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 5 ص 154

فيم أمر به من إقامة الصَّلاة في بني قريظة لا يوجب تأخيرها عن وقتها على عموم الأحوال، وإنَّما هو كأنَّه قال صلُّوا في بني قريظة إلَّا أن يدرككم وقتها قبل أن تَصِلوا إليها، وكذا الطَّائفة الأخرى في تأخيرهم الصَّلاة كأنَّه قيل لهم صلُّوا الصَّلاة في أول وقتها إلَّا أن يكون لكم عذرٌ فأخِّروها إلى آخر وقتها.

وقال النوويُّ رحمه الله لا احتجاج فيه على إصابة كلِّ مجتهدٍ؛ لأنَّه لم يصرِّح بإصابة الطَّائفتين، بل ترك تعنيفهما، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد وإن أخطأ إذا بذل وسعه، وأمَّا اختلافهم؛ فسببه أنَّ الأدلة تعارضت، فإنَّ الصَّلاة مأمورٌ بها في الوقت، والمفهوم مِنْ «لا يصلِّين» المبادرة بالذَّهاب إليهم، فأخذ بعضهم بذلك فصلُّوا حين خافوا فوت الوقت والآخرون في الآخر فأخِّروها.

ويُقال اختلاف الصَّحابة في المبادرة بالصَّلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها سببه أنَّ أدلَّة الشَّرع تعارضت عندهم فإنَّ الصلاة مأمورٌ بها في الوقت مع أنَّ المفهوم من قوله (( لا يُصلينَّ أحدٌ إلَّا في بني قريظة ) )المبادرة بالذهاب إليهم، وأن لا يشتغل عنه بشيءٍ؛ لأنَّ تأخير الصَّلاة مقصورٌ في نفسه من حيث إنَّه تأخير، فأخذ بعض الصَّحابة بهذا المفهوم نظرًا إلى المعنى لا إلى اللفظ، فصلُّوا حين خافوا الفوت، وأخذ آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته، ولم يعنِّف الشارع أحدًا منهم؛ لأنَّهم مجتهدون ففيه دليلٌ لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى، ولمن يقول بالظاهر أيضًا.

وقال العينيُّ هذا القول مثل ما قال النوويُّ مع بعض زيادة فيه، وقال الداوديُّ فيه إنَّ المتأول إذا لم يبعد في التَّأويل ليس بمخطئٍ، وأنَّ السُّكوت على فعل أمرٍ كالقول بإجازته، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت