947 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَد(قَالَ حَدَّثَنَا
ج 5 ص 155
حَمَّادٌ)وفي رواية (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ) بضم الموحدة وبالنونين بينهما ألف وآخره ياء النسبة كلاهما (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ) عند خيبر (بِغَلَسٍ) أي في أوَّل وقتها، وقيل التَّغليس بالصبح سنَّة سفرًا وحضرًا، وكان من عادته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وفيه أنَّه قد ردَّ أحاديث كثيرة صحيحة بالأمر بالإسفار، وإنَّما غلَّس هنا لأجل مبادرته إلى الرُّكوب.
(ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ) لمَّا أشرف على خيبر (اللَّهُ أَكْبَرُ) ففيه أنَّ التكبير عند الإشراف على المدن والقرى سنَّة، وكذا عند ما يُسرُّ به، من ذلك عند رؤية الهلال، وكذا رفع الصَّوت به إظهارًا لعلوِّ دين الله، وظهور أمره، وتنزيهًا له تعالى من كلِّ ما نسبه إليه أعداؤه، ولاسيما اليهود قبَّحهم الله تعالى.
(خَرِبَتْ خَيْبَرُ) يحتمل الإنشاء والخبر، وفيه التَّفاؤل بخرابه سعادةً للمسلمين فهو من الفأل الحسن لا من الطيرة، وقيل تفاءل بخراب خيبر اشتقاقًا من اسمها، والله أعلم.
قاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثقة بوعده تعالى حيث قال {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ*إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ*وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} إلى قوله {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} [الصافات 171 - 177] ، فلمَّا نزل جند الله بخيبر مع الصَّباح لزم الإيمانُ بالنَّصر وفاءً بالعهد.
فلذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ) قال ابن التين السَّاحة الموضع، وقيل ساحة الدار فناؤها (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) أي فبئس صباح المنذرين صباحهم؛ أي أصابهم السُّوء من القتل على الكفر والاسترقاق.
(فَخَرَجُوا) أي أهل خيبر حال كونهم (يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ) بكسر السين جمع سكَّة، وهي الزقاق؛ أي في أزقَّة خيبر (وَيَقُولُونَ) جاء أو هذا (مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ) برفع «الخميس» عطفًا على سابقه، ويجوز نصبه على أنَّه مفعول معه.
(قَالَ) أي البخاريُّ نفسه أو عبد العزيز أو من دونه (وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ) سُمِّي الجيش به؛ لانقسامه إلى خمسة أقسام الميمنة والميسرة والقلب والمقدِّمة والسَّاقة (فَظَهَرَ) أي فغلب (عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ) أي النُّفوس المقاتِلة منهم وهم الرجال.
(وَسَبَى الذَّرَارِيَّ) جمع الذرية وهي الولد، ويجوز فيها تخفيف الياء وتشديدها كما في العواري وكل جمع مثله، والمراد بالذراريِّ هنا غير المقاتلة باعتبار المقابلة، ولهذا شملت النِّساء (فَصَارَتْ صَفِيَّةُ) بنت حيي بن أخطب سيِّدة بني قريظة والنضير (لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ) أعطاها إيَّاه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل القسمة؛ لأنَّ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفيَّ المغنم يعطيه من يشاء.
(وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ظاهره أنَّها صارت لهما جميعًا وليس كذلك،
ج 5 ص 156
بل صارت أولًا لدحية، ثمَّ صارت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالواو في قوله «وصارت» إمَّا بمعنى «ثمَّ» أو بمعنى الفاء، والحروف ينوب بعضها عن بعض؛ يعني أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استرجعها منه برضاه، أو اشتراها منه؛ لما جاء أنَّه أعطاه سبعة أرؤس، أو أنَّه إنَّما كان أذن له في جاريةٍ من حشو السَّبْي لا من أفضلهنَّ، فلمَّا رآه أخذ أَنْفَسَهنَّ نسبًا وشرفًا وجمالًا استرجعها؛ لأنَّه لم يأذن له فيها، ورأى أنَّ في إبقائها مفسدةً لتميُّزه بها على سائر الجيش، ولما فيه من انتهاكها مع مرتبتها، وربَّما ترتَّب على ذلك شقاق، فكان أخذها لنفسه النَّفيسة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاطعًا لهذه المفاسد.
(ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا) لأنَّها كانت بنت ملك، ولم يكن مهرها إلَّا كثيرًا، ولم يكن بيده ما يرضيها فجعل صداقها عتقها؛ لأنَّ عتقها عندها كان أعزُّ من الأموال الكثيرة.
وفي رواية بزيادة مثناة فوقية بعد القاف، وقد تقدَّم في باب «ما يذكر في الفخذ» [خ¦371] من 4 أبواب السِّتر في الصَّلاة أنَّ جعل العتق صداقًا من خصائص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند أبي حنيفة ومحمد وأكثر العلماء رحمهم الله.
(فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) هو عبد العزيز بن صُهَيب المذكور (لِثَابِتٍ) البُناني المذكور أيضًا (يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَأَنْتَ) بهمزتين أولاهما للاستفهام، وفي رواية سقط همزة الاستفهام (سَأَلْتَ أَنَسًا) وفي رواية .
(مَا أَمْهَرَهَا) أي ما أصدقها، وفي رواية بحذف الهمزة، وصوَّبه القطب الحلبيُّ، وهما لغتان، قال ابن الأثير يقال مَهَرْتُ المرأة وأمهرتُها إذا جعلت لها مهرًا، وإذا سُقْتَ إليها مهرًا وهو الصداق.
وأنكر أبو حاتم أمهرت إلَّا في لغةٍ ضعيفة، والحديث يردُّ عليه وصحَّحها أبو زيد، وقيل مهرت ثلاثيًا أفصح وأعرب، وفائدة هذا السُّؤال مع علمه بذلك لقوله (( وجعل صداقها عتقها ) )هي التأكيد، أو كان استفسره بعد الرِّواية ليصدِّق روايته.
(فَقَالَ) وفي رواية (أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا) بالنصب؛ أي أعتقها وتزوَّجها بلا مهر، وهو من خصائصه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَتَبَسَّمَ) أي ثابت.
وموضع الترجمة من الحديث قوله (( صلَّى الصُّبح بغلس ثمَّ ركب فقال الله أكبر ) )وقد تقدَّم هذا الحديث بأطول منه في باب «ما يذكر من الفخذ» من أبواب السِّتر في الصَّلاة [خ¦371] مع مباحثه اللطيفة، وسيأتي في «المغازي» [خ¦4197] و «النكاح» [خ¦5085] إن شاء الله تعالى.
ج 5 ص 157