فهرس الكتاب

الصفحة 1509 من 11127

949 -950 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوب، وفي رواية ، وبذلك جزم أبو نُعيم في «المستخرج» واسم جده حسان أبو عبد الله التُّستَري، مصريُّ الأصل، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.

وقال أبو عليِّ بن السكن كلُّ ما في البخاريِّ «حدثنا أحمد» غير منسوب فهو أحمد بن صالح، وقال الحاكم روى البخاريُّ في كتاب الصَّلاة في ثلاث مواضع عن أحمد عن ابن وهب [خ¦471] [خ¦698] [خ¦949] ، فقيل إنَّه أحمد بن صالح، وقيل أحمد بن عيسى التُّستَري، ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما، فقد روى عنهما في «جامعه» ، ونسبهما في مواضع.

وذكر الكلاباذيُّ عن أبي أحمد الحافظ أحمد عن ابن وهب في «جامع البخاري» هو ابن أخي ابن وهب، قال الحاكم هذا وهمٌ وغلط.

والدَّليل على ذلك أنَّ المشايخ الذين تركَ أبو عبد الله الرِّواية عنهم في «الصحيح» قد روى عنهم في سائر «تصانيفه» كابن صالحٍ وغيره، وليس عن ابن أخي وهب رواية في موضع، فهذا يدلُّك على أنَّه لم يكتب عنه، أو كتب عنه ثمَّ ترك الرِّواية عنه أصلًا.

وقال ابن منده كلُّ ما في البخاريِّ حدَّثنا أحمد عن ابن وهب؛ فهو ابن صالح ولم يُخرِّج البخاريُّ عن ابن أخي ابن وهب في «صحيحه» شيئًا، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريِّ.

(قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو ابن الحارث، وقد تكرَّر ذكره (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل بن الأسود (الأَسَدِيَّ) بفتح الهمزة والسين المهملة، القرشيَّ المدنيَّ يتيم عروة، دخل مصر في زمن بني أميَّة، ومات سنة سبع عشرة ومائة.

(حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، ورجال هذا الإسناد ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلف في «الجهاد» أيضًا في باب «نظر المرأة إلى الحبشة» [خ¦5236] ، وفي باب «إذا قام العبد يصلي ركعتين» [خ¦988] ، وفي باب «حسن العِشرة مع الأهل» [خ¦5190] ، وفي باب «أصحاب الحراب في المسجد» [خ¦454] ، وأخرجه مسلم أيضًا في «الصلاة» .

(قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد في رواية الزهري، عن عروة «في أيام منى» [خ¦987] (وَعِنْدِي

ج 5 ص 160

جَارِيَتَانِ)تثنية جارية، والجارية في النِّساء كالغلام في الرجال، ويقال على من دون البلوغ منهما، وسيجيء في الباب الذي بعده «من جواري الأنصار» [خ¦952] .

وفي رواية الطبرانيِّ من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنَّ إحداهما كانت لحسَّان بن ثابت رضي الله عنه، وفي «العيدين» لابن أبي الدنيا من طريق فُلَيْح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت «دخل عليَّ أبو بكر والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متقنِّعٌ، وحمامةُ وصاحبتها تغنِّيان عندي» ، وإسناده صحيحٌ، لكن لم يذكر أحدٌ من مصنِّفي أسماء الصَّحابة حمامة هذه.

نعم ذكر الذهبيُّ في «التجريد» حمامة أمَّ بلال رضي الله عنه اشتراها أبو بكرٍ وأعتقها.

وقيل كانت كلاهما لعبد الله بن سلام رضي الله عنه.

(تُغَنِّيَانِ) ترفعان أصواتهما بأشعار العرب، وزاد في رواية الزهري «تدففان» [خ¦987] بفاءين؛ أي تضربان بالدُّف، وفي رواية مسلم عن هشام (( تغنيان بدُف ) )، وفي رواية النسائيِّ (( بدفين ) )، والدف _ بضم الدال وفتحها، والضم أشهر _، ويقال له أيضًا الكِربال _ بكسر الكاف _، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو المزهر، ويأتي في الباب الذي بعده (( تغنِّيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث ) ) [خ¦952] أي قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء.

وسيأتي في «الهجرة» (( بما تعازفت ) ) [خ¦3921] _ بعين مهملة وزاي وفاء _ من العزف، وهو الصَّوت الذي له دَويٌّ، وفي رواية بقاف بدل العين وذال معجمة بدل الزاي من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض.

وعند أحمد في رواية حماد بن سلمة عن هشام (( تذكران يوم بُعاث، يومٌ قُتل فيه صناديد الأوس والخزرج ) ).

(بِغِنَاءِ بُعَاثَ) الغِناء _ بكسر الغين المعجمة وبالمد _ التَّغني، قال الجوهري الغناء بالكسر من السماع، وبالفتح النفع، وقال ابن الأثير ولم يُرِدْ به الغناء المعروف بين أهل اللهو واللعب، وقد رخَّص عمر رضي الله عنه في غناء الأعراب، وهو صوتٌ كالحُداء.

وبُعاث _ بضم الموحدة وتخفيف العين المهملة وفي آخره مثلثة _ والمشهور أنَّه لا ينصرف، ونقل القاضي عياض عن أبي عُبيدة بالغين المعجمة.

ونقل ابن الأثير عن صاحب «العين» خليل كذلك، وحكى عنه البكريُّ في «معجم البلدان» ، وجزم أبو موسى في «ذيل الغريب» بأنَّه تصحيفٌ، وتبعه صاحب «النهاية» .

وقال أبو موسى وصاحب «النهاية» هو اسم حصنٍ للأوس، وفي كتاب أبي الفرج الأصفهاني في ترجمة أبي قيس بن الأسلت هو موضعٌ في ديار بني قريظة فيه أموالهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك.

وقال الخطَّابيُّ يوم بُعاث يومٌ مشهورٌ من أيام العرب، كانت فيه مقتلةٌ عظيمةٌ للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة، حتَّى جاء الإسلام فألَّف الله بينهم ببركة النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 5 ص 161

على ما ذكره ابن إسحاق وغيره، وكان أوَّل هذه الوقعة فيما ذكره ابن إسحاق وهشام ابن الكلبيِّ، وغيرهما أنَّ الأوس والخزرج؛ لمَّا نزلوا المدينة وجدوا اليهود مستوطنين بها فحالفوهم، وكانوا تحت قهرهم ثمَّ غلبوا على اليهود لعنهم الله بمساعدة أبي جُبَيْلَةَ ملك غسَّان، فلم يزالوا على اتِّفاقٍ بينهم حتَّى كانت أوَّل حرب وقعت بينهم حرب سُمَيْر _ بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفي آخره راء _ بسبب رجلٍ يُقال له كعبٌ من بني ثعلبة نزل على مالك بن العجلان الخزرجي، فحالفه فقتله رجلٌ من الأوس يقال له سُمَيْر، فكان ذلك سببَ الحرب بين الحيَّين.

ثمَّ كانت بينهم وقائع من أشهرها يوم السرارات بالمهملات، ويوم فارع _ بفاء وراء وعين مهملة _، ويوم الفجار الأول والثاني، وحرب حصين بن الأسلت، وحرب حاطب بن قيس إلى أن كان آخر ذلك يوم بُعاث، وكان رئيس الأوس فيه حُضَيْرة والد أُسيد، وكان يُقال له حُضَيْر الكتائب، وجُرح يومئذٍ، ثمَّ مات بعد مدَّة من جراحته، وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، وجاءه سهمٌ في القتال فصرعه، فهُزموا بعد أن كانوا قد استظهروا، ولحسَّان وغيره من الخزرج وكذا لقيس بن الحُطيم وغيره من الأوس في ذلك أشعارٌ كثيرةٌ مثبتةٌ في دواوينهم.

وسيأتي ما يتعلَّق بذلك في أوائل «الهجرة» [خ¦3931] إن شاء الله تعالى.

(فَاضْطَجَعَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَلَى الْفِرَاشِ) وفي رواية الزهريِّ «أنَّه تغشَّى بثوبه» ، وفي رواية لمسلم «تسجَّى» أي التفَّ بثوبه.

(وَحَوَّلَ وَجْهَهُ) الظَّاهر أنَّه للإعراض عن ذلك؛ لأنَّ مقامه الأسنى يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إليه، لكن عدم إنكاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدلُّ على تسويغ مثله على الوجه الذي أقرَّه، إذ هو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُقرُّ على باطلٍ، والأصل التنزُّه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النصُّ وقتًا وكيفيَّة.

(وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصديق رضي الله عنه، ويروى ، وفي رواية هشام بن عروة في الباب الذي بعده «ودخل عليَّ أبو بكرٍ» [خ¦952] ، وكأنَّه جاء زائرًا لها بعد أن دخل النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيته، ويمكن أن يكون مجيئه لمنعه الجاريتين المذكورتين عن الغناء.

(فَانْتَهَرَنِي) أي زجرني، وفي رواية الزهريِّ «فانتهرهما» أي الجاريتين، والتَّوفيق بينهما أنَّه نهر عائشة رضي الله عنها لتقريرها ذلك، ونهرهما لفعلهما ذلك في بيت النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(وَقَالَ مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) المِزمارة _ بكسر الميم _ يعني بها الغناء أو الدف، وهمزة الاستفهام قبلها مقدرة، وهي مشتقةٌ من الزمر،

ج 5 ص 162

وهو الصَّوت الذي له صفير، وسُمِّيت به الآلة المعروفة التي يُزْمر بها، وإضافتها إلى الشَّيطان من جهة أنَّها تُلهي، وتشغل القلب عن ذكر الله.

وفي رواية حماد بن سلمة عند أحمد فقال (( يا عباد الله أَبمزمورٍ عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )، قال القرطبيُّ المزمور الصوت.

وضبطه القاضي عياض بضم الميم، وحكي فتحها، وقال ابن سِيْده يقال زمر يزمِر كضرب يضرب، وزمر يزمُر كنصر ينصر زميرًا، وزمرانًا غنَّى في القصب، وامرأة زامرة، ولا يقال رجل زامر إنَّما هو زمَّار، وقد حكى بعضهم رجل زامر.

وفي «الجامع» في الحديث «نَهى عن كسب الزمَّارة» يريد الفاجرة، وفي «الصحاح» ولا يقال للمرأة زمَّارة، وفي «كتاب ابن التين» الزُّمر الصوت الحسن، ويُطلق على الغناء أيضًا، وجمع المزمار مزامير.

وهذا من الصدِّيق إنكارٌ لما سمع معتمدًا على ما تقرَّر عنده من تحريم اللهو والغناء مطلقًا، ولم يعلم أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرَّ من الغناء على هذا القدر اليسير في مثل ذلك الوقت؛ لأنَّه رضي الله عنه دخل فوجده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضطجعًا مغطَّى بثوبه فظنَّه نائمًا، فبادر إلى إنكار ذلك قيامًا عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ) أي على أبي بكرٍ رضي الله عنه (رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وفي رواية الزهريِّ «فكشف النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن وجهه» ، وفي رواية فُليح «فكشف رأسه» ، وقد مضى أنَّه كان ملتفًّا.

(فَقَالَ) يا أبا بكر (دَعْهُمَا) أي الجاريتين؛ أي اتركهما، وفي رواية أي عائشة رضي الله عنها، وزاد في رواية هشام (( يا أبا بكر إنَّ لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا ) ) [خ¦952] فهذا تعليلٌ لنهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاه بقوله (( دعهما ) )، وبيانًا لخلاف ما ظنَّه أبو بكرٍ رضي الله عنه من أنَّهما فعلتا ذلك بغير علمه؛ لكونه دخل فوجد النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مغطى بثوبه نائمًا، فأوضح النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحال. وبيَّن الحكمة فيه بأنَّ لكل قومٍ عيدًا؛ أي أنَّ لكلِّ طائفة من الملل المختلفة عيدًا يسمُّونه باسمٍ مثل النيروز والمهرجان، وأنَّ هذا اليوم يوم عيدنا، وهو يوم سرور شرعيٍّ، فلا يُنكر فيه مثل هذا كما لا يُنكر في الأعراس.

على أنَّ ذلك لم يكن بالغناء الذي يهيِّج النفوس إلى أمورٍ لا تليق، ولهذا جاء في رواية (( وليستا بمغنيتين ) )يعني لم تتَّخذ الغناء صناعةً وعادةً.

وروى النسائيُّ وابن حبان بإسناد صحيحٍ عن أنس رضي الله عنه قدم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال (( قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما يوم الفطر والأضحى ) ).

(فَلَمَّا غَفَلَ) بفتح الفاء؛ أي أبو بكرٍ رضي الله عنه (غَمَزْتُهُمَا) جواب «لما» ، والغمز بالمعجمتين، الإشارة بالعين والحاجب أو اليد، والرمز كذلك.

(فَخَرَجَتَا) بفاء العطف، وفي رواية

ج 5 ص 163

بدون الفاء بدل أو استئناف.

(وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ) القائل بذلك عائشة رضي الله عنها، ويدلُّ عليه ما وقع في رواية الجوزقي في هذا الحديث (( وقالت عائشة رضي الله عنه كان يوم عيد ) )، وبهذا يظهر أيضًا أنَّه موصولٌ كغيره، وقد جمعه مع السَّابق بعض الرواة، وأفردهما آخرون.

(يَلْعَبُ فِيْهِ) أي في ذلك اليوم، وسقط في رواية لفظ «فيه» (السُّودَانُ) وفي رواية الزهريِّ (( والحبشة يلعبون في المسجد ) ) [خ¦3530] (بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا) بكسر الهمزة، وهي تدلُّ على تردُّدها فيما كان وقع منها، هل كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن لها في ذلك ابتداءً منه من غير سؤالٍ منها، أو كان عن سؤالٍ منها إيَّاه في ذلك.

وقوله (سَأَلْتُ) يحتمل أن يكون بلفظ المتكلم وحده وأن يكون بلفظ الغيبة؛ أي التمست (النَّبِيَّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) النَّظر إليهم (وَإِمَّا قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ) كلمة الاستفهام فيه مقدرة، وكذلك «أن» المصدرية في «تنظرين» مرادة، والتَّقدير أتشتهين النظر إلى السُّودان.

(فَقُلْتُ نَعَمْ) أشتهي، وقد اختلفت الروايات عنها في ذلك؛ ففي رواية النسائيِّ من طريق يزيد بن رُومان عنها سمعنا لغَطًا وصوت صبيان، فقام النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا حبشيَّة تزفن _ أي ترقص _ والصبيان حولها فقال (( يا عائشة تعالي فانظري ) )فهذا يدلُّ على أنَّه سألها.

وفي رواية عُبيد بن عُمير عند مسلم عنها أنَّها قالت للعابين وددت أنِّي أراهم، ففي هذا يحتمل أن يكون السَّائل هو النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن تكون عائشة رضي الله عنها، لا كما جزم به البعض أنَّها سألته.

وفي رواية النسائيِّ من طريق أبي سلمة عنها دخل المسجد الحبشةُ يلعبون، فقال لي النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يا حُمَيراء أتحبِّين أن تنظري إليهم ) )فقلت نعم، إسناده صحيح.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ في حديث صحيحٍ ذكر الحميراء إلَّا في هذا، وقال العينيُّ رُوِي من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت أسخنتُ ماءً في الشَّمس فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا تفعلي يا حميراء، فإنَّه يورث البرص ) )، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا ففيه ذكر الحميراء.

وفي «مسند السراج» من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ الحبشة كانت تزفن بين يدي النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويتكلَّمون بكلامٍ لهم فقال ما يقولون؟ قال (( يقولون محمدٌ عبد صالح ) ).

(فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ) أي متلاصقين فهي جملةٌ حالية بدون الواو، كقوله تعالى {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة 36] ؛ أي متعادين، والتَّحقيق في تلك المسألة أنَّه إذا أمكن وضع

ج 5 ص 164

مفرد مقام تلك الجملة، يكون كونها حالًا بدون الواو فصيحًا وإلَّا فلا، كذا قاله الكرمانيُّ.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يحتاج إلى ذلك التَّفصيل، فإنَّ كلَّ جملةٍ أيَّ جملة كانت لا يكتسي محلُّها إعرابًا إلَّا إذا وقعت موقع المفرد، فافهم.

وقد اختلفت الرِّوايات في هذا اللفظ ففي رواية مسلم بن هشام عن أبيه «فوضعت رأسي على منكبه» ، وفي رواية أبي سلمة «فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خدِّه» .

وفي رواية عُبيد بن عمير عنها «أنظر بين أذنه وعاتقه» ، وفي رواية الزهريِّ عن عروة التي تأتي بعد «فيسترني، وأنا أنظر» [خ¦988] ، وقد مضى في «أبواب المسجد» بلفظ «يسترني بردائه» [خ¦454] .

(وَهُوَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ) جملة حالية أيضًا؛ أي حال كونه قائلًا للسُّودان إذنًا لهم وتنشيطًا (دُونَكُمْ) بالنصب على الظرف بمعنى الإغراء، والمغرى به محذوفٌ؛ أي الزموا ما أنتم فيه وعليكم به، والعرب تُغْري بعليك وعندك وأخواتهما (يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء وفتحها، والكسر أشهرُ، وهو لقب الحبشة أو اسم أبيهم الأقدم، وقيل جنس منهم يرقصون، وقيل المعنى يا بني الإماء.

وفي رواية الزهريِّ عن عروة فزجرهم عمر رضي الله عنه فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أَمْنًا بني أرفدة ) )، وبيَّن الزهري أيضًا عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه وجه الزَّجر حيث قال فأهوى إلى الحصباءِ فحصبَهم بها، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( دعهُم يا عمر ) )، وسيأتي في «الجهاد» [خ¦2901] . وزاد أبو عَوَانة في «صحيحه» فيه (( فإنهم بنو أرفدة ) )كأنه يعني أنَّ هذا شأنهم وطريقتهم، وهو من الأمور المباحة فلا إنكار عليهم.

قال المحبُّ الطبريُّ وفيه تنبيهٌ على أنَّهم يغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم؛ لأنَّ الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب، فيقتصر على ما ورد فيه النصُّ، وقوله (( أَمْنًا بني أرفدة ) )منصوب بفعل محذوف؛ أي ائمَنُوا أمنًا ولا تخافوا.

ويجوز أن يكون «أمنًا» الذي هو مصدر أُقيم مقام الصِّفة كقولك رجلٌ عدل؛ أي عادل، والمعنى كونوا آمنين يا بني أرفدة، وقال ابن التِّين وضبط في بعض الكتب على وزن فاعلًا، ويكون أيضًا بمعنى آمنين.

(حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ) بكسر اللام الأولى من الملل، وهو السَّآمة، وفي رواية الزهريِّ (( حتى أكون أنا الذي أسأم ) ) [خ¦5236] ، ولمسلم من طريقه (( حتى أكون أنا التي أنصرف ) ).

(قَالَ حَسْبُكِ) أي أكافيكِ هذا القدر بحذف همزة الاستفهام والخبر، وقيل لا داعي إلى حذف همزة الاستفهام مع أنَّ في جوازه كلامًا. انتهى.

يُريد به ما في بعض «حواشي المغني» من أنَّ حذفها عند أمن اللبس من الضَّرورات، فتأمل.

وفي رواية يزيد بن رُومان عند النسائيِّ (( أما شبعتِ أما شبعتِ ) )قالت فجعلت أقول لا؛ لأنظر منزلتي عنده، وله من رواية أبي سلمة عنها قلت يا رسول الله لا تعجل فقام لي، ثمَّ قال (( حسبكِ ) )قلت لا تعجل، قالت وما بي حبُّ النَّظر إليهم، ولكن أحببتُ أن يبلغَ النِّساءَ مقامه لي ومكاني منه.

(قُلْتُ نَعَمْ) حسبي (قَالَ فَاذْهَبِي) فإن قيل قولها (( نعم ) )يقتضي فهمها الاستفهام،

ج 5 ص 165

فالجواب أنَّه ممنوع؛ لأنَّ (( نعم ) )قد تأتي لتصديق المخبر، ولا مانع من جعلها هنا كذلك، والله أعلم.

وفي الحديث وجوه من الكلام

الأول في الغناء، ومذهب أبي حنيفة رحمه الله تحريمه وبه يقول أهل العراق، ومذهب الشافعي كراهته، وهو المشهور من مذهب مالكٍ، واستدلَّ جماعة من الصوفيَّة بحديث الباب على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة.

ويُردُّ عليهم بأنَّ غناء الجاريتين لم يكن إلَّا في وصف الحرب والشَّجاعة وما يجري في القتال، وهو إذا انصرف إلى معنى التَّحريض على قتال الكفار كان معاونة في أمر الدِّين، فلذلك رخَّص صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه.

وقد أجازت الصَّحابة رضي الله عنهم غناء العرب الذي هو الإنشاد والتَّرنُّم، وأجازوا الحُداء وفعلوه في حضرته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا وأمثاله ليس بحرامٍ ولا يجرح الشَّاهد.

وأمَّا الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرِّك الساكن، ويهيِّج الكامن الذي فيه وصف محاسن الصبيان والنساء ووصف الخمر ونحوها من الأمور المحرَّمة كذكر الفواحش، والمجاهرة بالمنكر بالقول، فهو من المحظور من الغناء المُسقِط للمروءة، وحاشا أن يجري شيءٌ منه بحضرته الشَّريفة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولا اعتبار لما أبدعه الجهلة من الصوفيَّة في ذلك، فإنَّك إذا تحقَّقت أقوالهم في ذلك ورأيت أفعالهم وقفت على آثار الزَّندقة منهم بخلاف السَّادة الصوفيَّة، فإنهم بريئون من ذلك وبالله المستعان.

وقال بعض مشايخنا مجرَّد الغناء والاستماع إليه معصية، حتَّى قالوا استماع القرآن بالألحان معصية، والتَّالي والسَّامع آثمان.

واستدلُّوا في ذلك بقوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان 6] وجاء في التفسير أنَّ المراد به الغناء.

وفي «فردوس الأخبار» عن جابر رضي الله عنه أنَّه قال «احذروا الغناء، فإنَّه من قِبل إبليس وهو شرك عند الله، ولا يغنيِّ إلَّا الشيطان» ، ولا يلزم من إباحة الضَّرب بالدفِّ في العرس ونحوه إباحة غيره من آلات اللهو كالعود ونحوه.

وسُئل أبو يوسف عن الدف أتكرهه في غير العرس مثل المرأة في منزلها، والصبي؟ قال لا أكرهه، وأمَّا الذي يجيء منه اللعب الفاحش والغناء؛ فإنِّي أكرهه.

الثاني جواز سماع صوت الجارية بالغناء الخالي عن المحرَّمات، ولو لم تكن مملوكةً؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُنكر على أبي بكرٍ سماعه بل أنكر إنكاره، واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة رضي الله عنها بالخروج، ولكن لا يخفى أنَّ محلَّ الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك.

وقال المهلَّب الذي أنكره أبو بكرٍ رضي الله عنه كثرة التَّنغيم، وإخراج الإنشاد من وجهه إلى التَّطريب بالألحان، ألا ترى أنَّه لم يُنكر الإنشاد، وإنَّما أنكر مشابهة الزمر بما كان فيه من اختلاف النَّغمات والإطراب، فهو الذي يُخشى منه، وقطع الذَّريعة فيه أحسن، وما كان دون ذلك من الإنشاد، ورفع الصَّوت حتَّى لا يخفى معنى البيت، وما أراده الشاعر بشعره فغير منهيٍّ عنه.

وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنَّه رخَّص في غناء الأعراب، وهو صوت

ج 5 ص 166

كالحُداء إلَّا أنَّه رقيق.

الثالث أنَّه قد استدلَّ به ابن حزم، وقال الغناء واللعب والزفن في أيَّام العيدين حسن في المسجد وغيره، وقال ابن التِّين كان هذا في أوَّل الإسلام لتعلُّم القتال.

وقال أبو الحسن في «التبصرة» هو منسوخٌ بالقرآن العظيم، قال تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة 18] الآية، وبقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم ) ).

الرَّابع أنَّ في الحديث جواز اللعب بالسَّلاح للتدريب على الحرب والتَّنشيط عليه.

الخامس أنَّ فيه جواز نظر النساء إلى فعل الرِّجال الأجانب، وإنَّما يكره لهنَّ النَّظر إلى المحاسن والاستلذاذ بذلك، ونظر المرأة إلى وجه الرَّجل الأجنبيِّ إن كان بشهوةٍ فحرام اتِّفاقًا، وإن كان بغير شهوةٍ ففيه قولان، والأصحُّ التحريم.

وقيل هذا كان قبل نزول قوله تعالى {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور 31] ، وقيل كان ذلك قبل بلوغ عائشة رضي الله عنها، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ في رواية ابن حبان أنَّ ذلك وقع لمَّا قدم وفد الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها حينئذٍ خمس عشرة سنة.

السَّادس أنَّ فيه مشروعيَّة التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم به بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة، لكن الإعراض مع ذلك أولى.

السابع أنَّ فيه جواز إظهار السُّرور في الأعياد، وذلك من شعار الدين.

الثامن أنَّ فيه جواز دخول الرَّجل على ابنته وهي عند زوجها إذا كانت له بذلك عادة.

التاسع أنَّ فيه جواز تأديب الأب ابنته بحضرة الزَّوج وإن تركه الزوج، إذ التَّأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروعٌ من الأزواج للنِّساء.

العاشر أنَّ فيه جواز الرفق بالمرأة واستجلاب مودَّتها، وأنَّه ينبغي للمرء أن يعاشر مع أهله، وإيثار مسارِّهم فيما لا حرج عليهم فيه.

الحادي عشر أنَّ مواضع الصَّالحين، وأهل الخير تُنزَّه عن اللهو واللَّغو وإن لم يكن فيه إثمٌ.

الثَّاني عشر أنَّ التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يُستنكر مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك أفتئات على شيخه، بل هو أدبٌ منه ورعاية لحرمته، وإجلالٌ له من أن يتولَّى ذلك بنفسه وصيانة لمجلسه، وإنَّما سكت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنهنَّ؛ لأنَّه مباحٌ، وكان هذا من رأفته وحكمه.

الثالث عشر أنَّ فيه فتوى التِّلميذ بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته، ويحتمل أنَّ أبا بكر رضي الله عنه ظنَّ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نام فخشي أن يستيقظ فيغضب على ابنته فبادر إلى سدِّ هذه الذَّريعة.

وفي قول عائشة رضي الله عنها في آخر هذا الحديث «فلمَّا غفل غمزتهما فخرجتا» دلالةٌ على أنَّها مع ترخيص النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها في ذلك الوقت راعت خاطر أبيها، أو خشيت غضبه عليها فأخرجتهما.

واقتناعهما في ذلك بالإشارة فيما يظهر للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها رضي الله عنها وعن أبيها.

ج 5 ص 167

الرَّابع عشر أنَّ فيه جواز اكتفاء المرأة في التستُّر بالقيام خلف من تُسْتَرُ به من زوجٍ أو ذي محرم.

الخامس عشر أنَّ فيه ما كان له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الخلق الحسن واللطف وحسن الشَّمائل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

تنبيه قال ابن بطَّال حمل السِّلاح يوم العيد لا مدخل له عند العلماء في سنة العيد ولا في هيئة الخروج إليه، لكنَّه جائزٌ عندهم، وأمَّا لعب الحبشة [1] فليس فيه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج به في العيد، ولا أمر أصحابه بالتأهُّب به، ولم تكن الحبشة له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عسكرًا ولا أنصارًا، وإَّنما هم قومٌ يلعبون، وإنَّما فائدة هذا الحديث إباحة النَّظر إلى اللهو إذا كان فيه تدريب الجوراح على تقليب السِّلاح؛ لتخفَّ الأيدي بها في الحرب، والله أعلم.

[1] أي بالسلاح والضمير في خرج به يعود عليه أيضًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت