958 -959 - 960 - 961 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميُّ، الفراء أبو إسحاق الرازي، يعرف بالصَّغير (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (هِشَامٌ) هو ابن يوسف، أبو عبد الرحمن الصَّنعاني اليماني قاضيها، مات سنة سبع وتسعين ومائة باليمن.
(أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (أَخْبَرَهُمْ) أي هشامًا ومن معه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ)
ج 5 ص 183
هو ابن أبي رباح (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنه.
(قَالَ) أي عطاء (سَمِعْتُهُ) أي جابرًا (يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ) إلى المصلَّى (فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) .
(قَالَ) أي ابن جريج بالإسناد السَّابق (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ) هو عبدُ الله بن الزبير (فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ) أي لابن الزبير بالخلافة، وكان ذلك في سنة أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية.
(إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) على صيغة المجهول من التَّأذين؛ أي لم يكن يؤذَّن في زمن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والضمير في «أنَّه» وفي «لم يكن» للشأن (بِالصَّلاَةِ يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ، وإِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلاَةِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية بدون الواو، ويروى بدل و «إنما» ، وقيل إنه تصحيفٌ.
وأُجيب بأنَّه لا وجه لادِّعاء تصحيفه مع صحَّة معناه إذا ثبتت الرواية.
قال ابنُ جريج بالإسناد السابق أيضًا
(وأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ) أيضًا (عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وعَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنهم (قَالَا لم يَكُنْ يُؤَذَّنُ) بفتح الذال (يَومَ الفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى) في زمنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي رواية يحيى القطَّان عن ابن جُريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لابن الزبير «لا تؤذِّن لها ولا تُقِم» ، أخرجه ابن أبي شيبة.
(و) بالإسناد السابق أيضًا (عَنْ جَابِرِ بنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنه (قَالَ) أي عطاء (سَمِعْتُهُ) أي جابرًا (يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي نسخة .
(قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ) يوم العيد (ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ) أي بعد الصلاة (فَلَمَّا فَرَغَ نبيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الخطبة (نَزَلَ) .
فإن قيل قد سبق أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخطب في المصلَّى على الأرض، وقوله هنا «نزل» يشعر بأنَّه كان يخطب على مكانٍ مرتفع.
فالجواب أنَّ النزول هنا بمعنى انتقل، فافهم.
(فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ) بالتشديد من التذكير؛ أي وعظهنَّ وخوفهنَّ بعواقب أمورهنَّ (وَهْوَ) أي والحال أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَتَوَكَّأُ) أي يعتمد (عَلَى يَدِ بِلاَلٍ) رضي الله عنه (وَبِلاَلٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ) جملة حالية أيضًا.
(يُلْقِي) بضم المثناة التحتية، من الإلقاء؛ أي يرمي (فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً) قال ابن جُريج (قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَتَرَى) بفتح المثناة الفوقية
ج 5 ص 184
(حَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ) مفعول أول للرُّؤية، وقوله (( حقًا ) )مفعول ثانٍ له قُدِّم عليه للاهتمام (فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ) من الخطبة.
(قَالَ) عطاء (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ) أي على الأئمة بقرينة ذكر الإمام (وَمَا لَهُمْ أَنْ لاَ يَفْعَلُوا) كلمة «ما» إما نافية وإما استفهامية.
ومطابقة الحديث للترجمة أمَّا للجزء الثاني والثالث فظاهرةٌ؛ لأنَّ قوله «فبدأ بالصلاة قبل الخطبة» ، وكذا قوله «قام فبدأ بالصَّلاة، ثمَّ خطب الناس» يدلُّ صريحًا على أنَّ الصلاة قبل الخطبة.
وقوله «لم يكن يؤذَّن بالصلاة يوم الفطر ولا يوم الأضحى» يدلُّ أيضًا على أن لا أذان ولا إقامة، فافهم.
وأمَّا للجزء الأول فغير ظاهرةٍ حتى قال ابن التِّين ليس فيما ذكره من الأحاديث ما يدلُّ على مشي ولا ركوب.
وأجيب بأنَّ عدم التعرُّض للمشي والركوب مشعرٌ بتسويغ كلٍّ منهما، وأن لا مزيَّة لأحدهما على الآخر.
ويحتمل أن يكون المؤلِّف استنبط من قوله «وهو يتوكأ على يد بلال» مشروعيَّة الركوب في صلاة العيد لمن احتاج إليه بجامع الارتفاق بكلٍّ منهما، ففي كلٍّ من التوكؤ والركوب ارتفاق، وإن كان الركوب أبلغ في ذلك، فكأنَّه قائمٌ على قدميه، فلمَّا تعب توكأ على يد بلالٍ رضي الله عنه.
وفي الحديث الخروج إلى المصلَّى، وقد تقدَّم تفصيله [خ¦956] .
وفيه أيضًا أنَّ الصلاة قبل الخطبة، وأجمع عليه العلماء قديمًا وحديثًا إلَّا ما كان من بني أمية. وقد تقدَّم أيضًا [خ¦956] وسيجيء أيضًا.
وفيه أيضًا أنَّه لا أذان لصلاة العيدين ولا إقامة.
وقد روى مسلم من حديث جابر بن سَمُرة قال صلَّيت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العيدين غير مرَّةٍ ولا مرتين بغير أذانٍ ولا إقامة.
وروى أبو داود من حديث طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى العيد بلا أذان وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وأخرجه ابن ماجه أيضًا.
وروى البزَّار من حديث سعدٍ بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى العيد بغير أذان ولا إقامة.
وروى الطبرانيُّ في «الأوسط» من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى في يوم الأضحى بغير أذانٍ ولا إقامة.
وروى الطبرانيُّ في «الكبير» من حديث محمد بن عبيد الله بن رافع عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخرج إلى العيد ماشيًا يُصلِّي بغير أذانٍ ولا إقامة.
وقال ابن أبي شيبة حدَّثنا ابن مهدي عن سِمَاك قال رأيتُ المغيرةَ بنَ شعبة رضي الله عنه
ج 5 ص 185
والضَّحاكَ وزيادًا يصلُّون يوم الفطر والأضحى بلا أذانٍ ولا إقامة.
وعن مكحولٍ أنَّه كان يقول ليس في العيدين أذانٌ ولا إقامة، وكذا قال عكرمة وإبراهيم وأبو وائل، وقال الشعبيُّ والحكم هو بدعة.
وقال محمَّد مُحْدَث، وبسندٍ صحيحٍ عن ابن المسيِّب أوَّل من أحدثه معاوية رضي الله عنه، وزاد الشافعي في روايته فأخذ به الحجَّاج حين مرَّ على المدينة.
وقال ابنُ إدريس عن حُصين أوَّل من أذَّن في العيد زياد، وفي «الواضحة» لابن حبيب أوَّل من فعله هشام.
وقال الدَّاودي مروان، وقيل عبد الله بن الزبير، رواه ابن المنذر، وعند مسلم من طريق عبد الرَّزاق عن ابن جريج عن عطاء عن جابرٍ رضي الله عنه قال لا أذان للصَّلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء.
فاستدلَّ المالكية والجمهور بقوله «ولا إقامة ولا شيء» على أنَّه لا يُقال قبلها الصلاة جامعة، ولا الصَّلاة، وعند الشافعيِّ ومن تبعه ينادى لها «الصلاةَ جامعةَ» بنصب الأولى على الإغراء، ونصب الثاني على الحال.
واحتجُّوا بما روى الشافعي عن الزهريِّ قال كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر المؤذِّن في العيدين بأن يقول الصَّلاة جامعة.
وهذا مرسلٌ يعضده القياس على صلاة الكسوف؛ لثبوته فيها كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1045] ، فليتوقَ ألفاظ الأذان كلها أو بعضها، فلو أذَّن أو أقام كُره له كما نصَّ عليه في «الأم» .
وفي «شرح الترمذي» للحافظ زين الدين قال الشافعيُّ وأحبُّ أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول في الأعياد وما جَمَع النَّاس من الصَّلاة الصلاةَ جامعةً أول الصلاة، فإن قال هلمُّوا إلى الصلاة لم نكرهه، وإن قال حيَّ على الصلاة فلا بأس.
ونقل الماورديُّ في «الحاوي» عن الشافعيِّ أنَّه قال فإن قال هلمُّوا إلى الصَّلاة، أو حيَّ على الصلاة، أو قد قامت الصَّلاة، كرهنا له ذلك وأجزأه.
وحكى ابن الرفعة عن القاضي حسين أنَّه يقول الصلاة الصلاة ولا يقول جامعة.
وفي الحديث أيضًا الأمر بالصَّدقة للنساء، وخصَّهن بذلك في قوله بعض العلماء لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( رأيتكنَّ أكثر أهل النار ) ).
وأمَّا المشي إلى العيد ففي الترمذيِّ عن عليٍّ رضي الله عنه من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا.
وعند ابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا، وإسناده ضعيفٌ جدًا.
وعند البزَّار من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخرج إلى العيد ماشيًا، ويرجع في طريقٍ غير الطَّريق الذي خرج منه، ولم يذكرها المؤلف رحمه الله لضعفها.
واستدلَّ الشافعيَّة بحديث (( إذا أتيتم الصَّلاة فلا تأتوها وأنتم
ج 5 ص 186
تسعون وأتوها وأنتم تمشون )) [خ¦908] .
قالوا ولا بأس بركوب العاجز للعذر وكذا الرَّاجع منها، ولو كان قادرًا ما لم يتأذَّ به أحدٌ؛ لانقضاء العبادة، والله أعلم.