83 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس، ابن أخت مالك رحمه الله تعالى (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) أي ابن أنس إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير القرشي التيمي، أبي محمد، تابعي ثقة فقيه، كثير الحديث من أفاضل المدينة وعقلائهم، أخو موسى ومحمد، مات سنة مئة في خلافة عمر بن عبد العزيز، روى له الجماعة.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي) ؛ الجمهور على كتابته بالياء، وهو الأفصح عند أهل العربية،
ج 1 ص 536
ويقع في كثير من الكتب بحذفها، وقد قُرِئ في السبع نحوه نحو قوله تعالى {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد 9] ، و {الداع} ، [القمر 6] قيل إنه أجوف، والجمع أعياص،
والظاهر أنه ناقص من العصيان، وأما الأعياص فهو جمع عِيص _ بكسر العين _ وهو الشجر الكثير الملتف، وقد مر ترجمته في باب «المسلم من سلم المسلمون» [خ¦10] .
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد. ومنها أن رواته كلهم مدنيون. منها أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في «العلم» في بابين [خ¦83] [خ¦124] ، وفي «الحج» أيضًا [خ¦1736] ، وأخرجه مسلم في «الحج» ، وأبو داود فيه أيضًا، والترمذي كذلك، وابن ماجه أيضًا.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ) ؛ بكسر الحاء وفتحها، والمعروف في الرواية الفتح، قال الجوهري الحِجة _ بالكسر _ المرة الواحدة، وهو من الشواذ؛ لأن القياس هو الفتح، والحجة أيضًا السنة، والجمع حجج، وذو الحجة شهرها، والجمع ذوات الحجة كذوات القعدة، والحِجة بالكسر أيضًا شحمة الأذن.
(الْوَدَاعِ) بفتح الواو، اسم التوديع كالسلام بمعنى التسليم، وجوز الكرماني الكسر بأن يكون من باب المفاعلة، وتبعه بعضهم، وقال محمود العيني (وما أظن هذا صحيحًا؛ لأنه بالكسر يتغير المعنى؛ لأن الموادعة معناها المصادَّة، وكذلك الوِداع بالكسر، والمعنى المقصود هنا هو التوديع عند الرحيل، وهو تخليف المسافر الناس خافضين وادعين وهم يودعونه إذا سافر؛ تفاؤلًا بالدعة التي تصير إليها إذا قفل؛ أي يتركونه وسفره هذا، فتأمل) .
(بِمِنًى) بالقصر مصروفًا وغير مصروف هي قرية بالقرب من مكة تذبح فيها الهدايا، وترمى فيها الجمرات، وهو في محل النصب على الظرفية أو على الحالية (لِلنَّاسِ) أي لنفعهم (يَسْأَلُونَهُ) وهو حال من الضمير الذي في «وقف» ، أو «من الناس» ، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانًا لسبب الوقوف.
(فَجَاءَهُ رَجُلٌ) وفي رواية بحذف الضمير. قال الحافظ العسقلاني (لم أعرف اسمه ولا اسم الذي جاء بعده) ، والظاهر أن الصحابي لم يسمِّ أحدًا؛ لكثرة مَنْ سأل إذ ذاك، وسيأتي بسط ذلك في «الحج» [خ¦1736] .
(فَقَالَ) ؛ يا رسول الله؛ (لَمْ أَشْعُرْ) ؛ بضم العين؛ أي لم أفطن ولم أعلم، يقال شعر يشُعر من باب نصر، شِعرًا وشِعرة وشِعرى _ بالكسر فيهن _ وشَعرة _ بالفتح _ وشعورًا ومشعورًا ومشعورة. وقال الصغاني (شعرت بالشيء علمت به وفطنت له، ومنه قولهم ليت شعري؛ أي ليتني أشعر، والشعر واحد الأشعار أيضًا) .
(فَحَلَقْتُ) ؛
ج 1 ص 537
بفتح اللام؛ أي رأسي والفاء فيه وفي قوله ( «فنحرتُ» ) سببيةٌ، جعل الحلق والنحر كلًا منها مسببًا عن عدم شعوره كأنه معتذر لتقصيره (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) الهدي (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية (اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ) أي ولا إثم عليك، فخبر «لا» محذوف.
(فَجَاءَ آخَرُ) غيره (فَقَالَ) يا رسول الله (لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ) هديي، والنحر في اللَّبة مثل الذبح في الحلق، وقد يستعمل بمعنى الذبح، واللَّبَة _ بفتح اللام والباء الموحدة _ موضع القلادة من الصدر (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية (ارْمِ) الجمرة فالمفاعيل محذوفة على ما قدرنا للعلم بها بقرينة المقام (وَلاَ حَرَجَ) عليك في ذلك (فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ) من أعمال يوم العيد من الرمي والنحر والحلق والطواف (قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ) كلاهما بصيغة المجهول وفي الأولى حذف، والتقدير لا قدَّم ولا أخَّر؛ لأن الكلام الفصيح قلَّما تقع «لا» الداخلةُ على الماضي فيه إلا مكررة، وحَسُن ذلك هنا، وقوعُه في سياق النفي، ونظيره قوله تعالى {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف 9] ، وفي رواية مسلم (( ما سئل عن شيء قدم أو أخر ) ).
(إِلاَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم للسائل (افْعَلْ) قال القاضي قيل هذا إباحة لما فعل وقدم، وإجازة له لا أمر بالإعادة؛ كأنه قال افعل ذلك كما فعلته قبل ومتى شئت؛ لأن السؤال إنما كان عما انقضى وتم (وَلاَ حَرَجَ) عليك.
اعلم أنه اختلف العلماء في ترتيب هذه الأعمال الأربعة على المنوال المذكور في أنه سُنَّة ولا شيء في تركه، أو واجب يتعلق بتركه الدم، فإلى الأول ذهب الشافعي وأحمد وعطاء وطاوس ومجاهد، واحتجوا بظاهر هذا الحديث وقالوا معنى قوله «ولا حرج» ؛ أي لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في ترك الترتيب ولا في ترك الفدية، وإلى الثاني ذهب إمامنا الأعظم أبو حنيفة والإمام مالك رحمهما الله، واحتجا فيما ذهبا إليه بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (( من قدم شيئًا في حجه، أو أخَّر، فليهرق لذلك دمًا ) ).
وتأويل الحديث على هذا لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنكم فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد، فأسقط عنهم الحرج وأعذرهم لأجل النسيان وعدم العلم، ويدل له قول السائل «لم أشعر» ، وقد جاء ذلك مصرحًا في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل في حجته فقال إني رميت وأفضت ونسيت فلم أحلق؟ قال (( فاحلق ولا حرج ) )ثم جاء رجل آخر فقال إني رميت وحلقت
ج 1 ص 538
ونسيت أن أنحر؟ فقال (( انحر ولا حرج ) ).
فدل ذلك على أن الحرج الذي رفعه الله عنهم إنما كان رفعه لأجل نسيانهم، ولجهلهم أيضًا بأمر المناسك لا لغير ذلك، وذلك أن السائلين كانوا إذ ذاك أعرابًا لا علم لهم بالمناسك، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (( ولا حرج ) )يعني فيما فعلتم بالنسيان وبالجهل، لا أنه أباح ذلك لهم فيما بعد، ومما يؤيد هذا ويؤكده أن ابن عباس رضي الله عنهما أحد رواة الحديث المذكور، فلو لم يكن معنى الحديث عنده ذلك لما قال بخلافه، وقد قال هذا.
ومما يدل على أن ذلك كان بسبب جهلهم ما أخرجه الطحاوي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي قال (( لا حرج ) )وذبح قبل أن يرمي، قال (( لا حرج ) )ثم قال (( يا عباد الله وضع الله عز وجل الحرج والضيق، تعلموا مناسككم فإنها من دينكم ) ).
قال الطحاوي (أمرهم بتعلم مناسكهم؛ لأنهم كانوا يحسنونها، فدل ذلك على أن رفع الحرج عنهم هو لجهلهم بأمر مناسكهم لا لغير ذلك) ، فإن قيل قد جاء في بعض الروايات الصحيحة ولم يأمر بكفارة، فالجواب أنه يحتمل أنه لم يأمر بها لأجل نسيان السائل، أو أمر بها وذهل عنه الراوي، والله أعلم.
وفي الحديث جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا، وجواز الجلوس على الدابة للضرورة، بل للحاجة كما كان جلوسه صلى الله عليه وسلم عليها ليشرف على الناس ولا يخفى عليهم كلامه عليه الصلاة والسلام.