1004 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن عُلَيَّة (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد الجرمي.
(عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية (قَالَ كَانَ الْقُنُوتُ) في زمنه صلى الله عليه وسلم (فِي) صلاة (الْمَغْرِبِ، وَ) صلاة (الْفَجْرِ) لكونهما طرفي النَّهار لزيادة شرف وقتهما رجاء إجابة الدُّعاء، فكان تارة يقنت فيهما، وتارة في جميع الصَّلوات حرصًا على إجابة الدُّعاء حتَّى نزل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران 128] ، فترك القنوت إلَّا في الوتر.
واحتجَّ الشَّافعي بهذا الحديث فيما ذهب إليه من القنوت في الفجر، وتعقِّب بأنَّه لا يرى القنوت في المغرب، فكيف يعمل ببعض الحديث، ويترك بعضه، وهذا تحكُّم.
نعم روى عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» أخبرنا أبو جعفر الرَّازي، عن الرَّبيع بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتَّى فارق الدُّنيا. لكنَّه ضعَّفه ابن الجوزي.
وقال في «العلل المتناهية» هذا حديث لا يصحُّ، فإنَّ أبا جعفر الرَّازي اسمه عيسى بن ماهان. قال ابن المديني كان يخلط. وقال يحيى كان يخطئ. وقال أحمد ليس بالقويِّ في الحديث. وقال أبو زرعة كان يهمُّ كثيرًا. وقال ابن حبَّان كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير.
وإن صحَّ فهو محمول على أنَّه ما زال يقنت في النَّوازل، أو على أنَّه ما زال يطوِّل في الصَّلاة، فإنَّ القنوت لفظ مشترك بين الطَّاعة والقيام والخشوع والسُّكوت وغيرها، قال الله تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل 120] ، وقال {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ} [الزمر 9] ، وقال {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ} [الأحزاب 31] ، وقال {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي} [آل عمران 43] ، وقال {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة 238] ، وقال {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة 116] .
وفي الحديث (( أفضل الصَّلاة طول القنوت ) ).
ورواه الطَّحاوي في «شرح الآثار» وسكت عنه، إلَّا أنَّه قال وهو معارَض بما رُوي عن أنس رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما قنت شهرًا على أحياء من العرب، ثمَّ تركه. انتهى.
وقال العيني ويعارضه أيضًا ما رواه الطَّبراني من حديث غالب بن فرقد الطَّحان قال كنت عند أنس بن مالك شهرين، فلم يقنت في صلاة الغداة.
وما رواه محمَّد بن الحسن في كتابه «الآثار» أخبرنا أبو حنيفة، عن حمَّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النَّخعي قال لم يُرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم قانتًا في الفجر، حتَّى فارق الدُّنيا. فإن قيل هذا نفي وما سبق إثبات، فإذا تعارضا قدم المثبت على النَّافي.
فالجواب أنَّه ليس هاهنا تعارض، بل يدَّعي النسخ.
ج 5 ص 257
وقد قال الطَّحاوي نا ابن أبي داود نا المقدمي نا أبو معشر نا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو على عصيَّة وذكوان، فلمَّا ظهر عليهم ترك القنوت، وكان ابن مسعود رضي الله عنه لا يقنت في صلاته، ثمَّ قال فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يُخبر أنَّ قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان إنَّما كان من أجل من كان يدعو عليه، وأنَّه قد كان ترك ذلك، فصار القنوت منسوخًا، فلم يكن هو من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت.
وكان أحد من روى أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ثمَّ أخبرهم أنَّ الله عزَّ وجلَّ نسخ ذلك حين أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران 128] ، فصار ذلك عند ابن عمر منسوخًا أيضًا، فلم يكن هو يقنت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينكر على من كان يقنت.
وكان أحد من رُوي عنه القنوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، فأخبر في حديثه بأنَّ ما كان يقنت به رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دعاء على من كان يدعو عليه، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ نسخ ذلك بقوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران 128] ، ففي ذلك أيضًا وجوب ترك القنوت في الفجر. انتهى.
فإن قيل قد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يقنت في الصُّبح بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، فكيف تكون الآية ناسخة لجملة القنوت. ولذا أنكر البيهقيُّ ذلك، فبسط فيه كلامًا في كتاب «المعرفة» فقال وأبو هريرة رضي الله عنه أسلم في غزوة خيبر، وهي بعد نزول الآية بكثير؛ لأنَّها نزلت في أُحد. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنت في حياته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته.
فالجواب أنَّه يحتمل أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن علم نزول هذه الآية، فكان يعمل على ما علم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقنوته إلى أن مات؛ لأنَّ الحجَّة لم تثبت عنده، بخلاف ذلك.
ألا ترى أنَّ عبد الله بن عمر، وعبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم لمَّا علما بنزول الآية، وعلما كونها ناسخة لما كان صلى الله عليه وسلم يفعله تركا القنوت.
وعن إبراهيم بسند صحيح أنَّه لا يُقنت في صلاة الصُّبح. وعن عمر بن ميمون والأسود أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لم يقنت في الفجر، وكان ابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم لا يقنتان فيه، وكذلك ابن الزُّبير وجدُّه أبو بكر الصِّدِّيق، وسعيد بن جبير، وإبراهيم.
ج 5 ص 258
وقال الشَّعبي إنَّما جاء القنوت في الفجر من قبل الشَّام. وعن ابن عمر وطاوس القنوت في الفجر بدعة. وروى التِّرمذي عن ابن مالك الأشجعي عن أبيه قال صلَّيت خلف النَّبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فلم يقنتوا، يا بنيَّ إنَّه مُحدَث، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، والحديث أخرجه النَّسائي، وابن ماجه أيضًا.
وروى الدَّارقطني، ثمَّ البيهقي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال القنوت في صلاة الصُّبح بدعة. وفي سنده عبد الله بن ميسرة، قال البيهقي متروك.
وروى الطَّبراني في «الكبير» من رواية بشر بن حرب قال سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول أرأيت قيامهم عند فراغ القارئ من السُّورة للقنوت إنها لبدعة ما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه البيهقي، وقال بشر بن حرب ضعيف، لكن وثَّقه أيُّوب، ومَشاه ابن عدي.
وروى الطَّبراني في «الأوسط» من حديث إبراهيم عن علقمة، والأسود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، قال ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من صلاته إلَّا الوتر، وأنَّه كان إذا حارب يقنت في الصَّلوات كلهن يدعو على المشركين، ولا قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتَّى ماتوا، ولا قنت عليٌّ حتَّى حارب أهل الشَّام، وكان يقنت في الصَّلوات كلهنَّ. وكان معاوية يدعو عليه أيضًا، يدعو كلَّ واحد منهما على الآخر.
وقال زين الدِّين العراقي ابن مسعود رضي الله عنه لم يدرك محاربة علي رضي الله عنه أهل الشَّام، ولا موت عثمان، فإنَّه مات في زمن عثمان. ويحتمل أن يكون قوله ولا عثمان. .. إلى آخره من كلام إبراهيم، أو من علقمة، أو من الأسود، والله أعلم.
ومن الأئمَّة الذين لا يرون به الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق واللَّيث بن سعد رحمهم الله.
وقال ابن الجوزي في «التَّحقيق» أحاديث الشَّافعية على أربعة أقسام منها ما هو مطلق، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت، وهذا لا نزاع فيه.
والثَّاني مقيَّد بأنَّه قنت في صلاة الصُّبح، فيحمل على فعله شهرًا بأدلَّتنا.
والثَّالث ما رُوِي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الصُّبح، وصلاة المغرب. أخرجه مسلم، والتِّرمذي، والنَّسائي. وقال أحمد لا يروى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قنت في المغرب إلَّا في هذا الحديث.
الرَّابع ما رواه عبد الرَّزَّاق
ج 5 ص 259
في «مصنَّفه» عن أنس رضي الله عنه ما زال يقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفجر حتَّى فارق الدُّنيا، وهو صريح في مذهبهم.
ج 5 ص 260