1012 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) هو أخو محمَّد بن أبي بكر المذكور آنفًا [خ¦1011] ، وفي رواية ، وقد صرَّح ابن خزيمة في روايته بتحديث عبد الله به لابن عيينة.
(أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ) المازني (يُحَدِّثُ أَبَاهُ) أي أبا عبد الله؛ يعني أبا بكر، ولا يعود الضَّمير على عبَّاد (عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ) أي ابن عاصم (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى) بالصَّحراء؛ لأنَّه أبلغ في التَّواضع، وأوسع للنَّاس.
وعند أحمد وأصحاب السُّنن من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم متبذِّلًا متواضعًا متضرِّعًا حتَّى أتى المصلَّى، فرقى المنبر؛ أي لابسًا ثياب بِذْلة _ بكسر الموحدة وسكون المعجمة _؛ أي مَهْنة؛ لأنَّه اللَّائق بالحال، وفارق العيد بأنَّه يوم عيد، وهذا يوم مسألة واستكانة.
(فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ) وفي رواية (رِدَاءَهُ) والمشهور عند الشَّافعية في تحويل الرِّداء أن يأخذَ بيده اليمنى الطَّرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطَّرف الأسفل أيضًا من جانب يمينه، ويقلب بيده خلف ظهره حيث يكون الطَّرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين، والمقبوض باليسرى على كتفه الأعلى من اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يسارًا وبالعكس، والأعلى أسفل وبالعكس.
(وَصَلَّى) بالنَّاس (رَكْعَتَيْنِ) أي كما يصلِّي في العيدين رواه ابن حبَّان وغيره. وقال التِّرمذي حسن صحيح. وذكر ابن حبَّان كان خروجه صلى الله عليه وسلم إلى المصلَّى للاستسقاء في شهر رمضان
ج 5 ص 277
سنة ست من الهجرة.
وفي «سنن أبي داود» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت شكى النَّاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلَّى، ووعد النَّاس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة رضي الله عنها فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشَّمس، فقعد على المنبر، فكبَّر وحمد الله، ثمَّ قال (( إنَّكم تنكَّرتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إِبَّانِ زمانه عليكم، وقد أمركم الله تعالى أن تدعوه، ووعدَكم أنَّ الله يستجيبُ لكم، ثمَّ قال الحمد لله رب العالمين، الرَّحمن الرحيم، مالك يوم الدِّين، لا إله إلَّا الله يفعل ما يريد، اللَّهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ، واجعل ما أنزلت لنا قوَّة وبلاغًا إلى حين ) )ثمَّ رفع يديه فلم يزل في الرَّفع حتَّى بدا بياض إبطيه، ثمَّ حوَّل إلى النَّاس ظهره، وقلب أو حوَّل رداءه، وهو رافع يديه، ثمَّ أقبل على النَّاس، ونزل فصلَّى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثمَّ أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتَّى سالت السُّيول، فلمَّا رأى سرعتهم إلى الكِنِّ ضحك حتَّى بدت نواجذه، فقال (( أشهد أنَّ الله على كلِّ شيء قدير، وأنِّي عبد الله ورسوله ) ). والمفهوم من هذا الحديث أنَّ الخطبة قبل الصَّلاة.
ولكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التَّصريح أنَّه بدأ بالصَّلاة قبل الخطبة. والجمع بينهما أنَّه محمول على الجواز، والمستحبُّ تقديم الصَّلاة لأحاديث أُخر، ومذهب الشَّافعية والمالكيَّة أنَّه يخطب بعد الصَّلاة لما عند أحمد، وقد ذُكِر.
ولما عند ابن ماجه وغيره أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج إلى الاستسقاء، فصلَّى ركعتين، ثمَّ خطب، وقد عرفت الجمع بينهما. ثمَّ إنَّ صلاة الاستسقاء ركعتان.
وروى أبو داود عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما حديثًا، وفيه (( ولم يخطب خطبتكم هذه ) )، ولكن لم يزل في الدُّعاء والتضرُّع والتَّكبير، ثم صلَّى ركعتين كما يصلِّي في العيد.
وقال الخطَّابي وفيه دلالة على أنَّه يكبِّر كما يكبِّر في العيدين، وإليه ذهب الشَّافعي، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، ومحمَّد بن جرير الطَّبري، وهو رواية عن أحمد.
وذهب جمهور العلماء إلى أنَّه يكبِّر فيها كسائر الصَّلوات تكبيرة واحدة للافتتاح، وهو قول مالك، والثَّوري والأوزاعي وإسحاق وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور وأبي يوسف ومحمَّد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة. وقال داود إن شاء كبَّر كما يكبِّر في العيد، وإن شاء كبَّر [1] تكبيرة واحدة للافتتاح كسائر الصَّلوات.
والجواب عن حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ المراد من قوله «كما يصلِّي في العيد» ؛ يعني في العدد والجهر
ج 5 ص 278
بالقراءة، وفي كون الرَّكعتين قبل الخطبة.
فإن قيل قد روى الحاكم في «مستدركه» ، والدَّارقطني، ثمَّ البيهقي في «السُّنن» عن محمَّد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرَّحمن بن عوف، عن أبيه، عن طلحة قال أرسلني مروان إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما أسأله عن سنَّة الاستسقاء، فقالت سنَّة الاستسقاء سنة الصَّلاة في العيدين، إلَّا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب رداءه، فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، وصلَّى ركعتين كبَّر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، وقرأ في الثَّانية {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} ، وكبَّر فيها خمس تكبيرات. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. فالجواب عنه بوجهين
أحدهما أنَّه ضعيف، فإنَّ محمَّد بن عبد العزيز. قال البخاري فيه منكر الحديث. وقال النَّسائي متروك الحديث. وقال أبو حاتم ضعيف الحديث ليس له حديث مستقيم.
وقال ابن قطَّان في كتابه هو أحد ثلاثة أخوة كلُّهم ضعفاء محمَّد، وعبد الله، وعمران بنو عبد العزيز بن عمر بن عبد الرَّحمن بن عوف، وأبوهم عبد العزيز مجهول الحال، فاعتلَّ الحديث بهما.
والثَّاني أنَّه معارَض بحديث رواه الطَّبراني في «الأوسط» بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فخطب قبل الصَّلاة واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه، ثمَّ نزل، فصلَّى ركعتين لم يكبِّر فيهما إلَّا تكبيرة واحدة.
نعم. حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند التِّرمذي (( ثمَّ صلَّى ركعتين كما يصلِّي في العيدين ) )أخذ بظاهره الشَّافعي فقال يكبِّر فيهما كما يكبِّر في العيدين، ويرفع يديه، ويقف بين كل تكبيرتين مسبِّحًا حامدًا مهللًا. ثمَّ إنَّ وقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد، كما دلَّ عليه حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وقد اختُلِف في ذلك؛ فذهب الحنفيَّة، والمالكيَّة، والحنابلة إلى أنَّه يخرج لها كما يخرج إلى العيد. وحكى ابن المنذر، وابن عبد البر عن الشَّافعي كذلك.
ونقل ابن الصبَّاغ في «الشَّامل» ، وصاحب «جمع الجوامع» عن نصِّ الشَّافعي أنَّها لا تختصُّ بوقت دون وقت، وبه قطع المتولي والماوردي. وصحَّحه الرَّافعي في «المحرر» لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد، كما صرَّح به الماوردي.
وقال النَّووي أنَّه صحَّحه المحقِّقون، وأمَّا أنَّ وقتها وقت العيد عنده، فقال إمامُ الحرمين لم يرهُ له غير الشَّيخ أبي علي. انتهى.
وقال العيني لم ينفرد به الشَّيخ أبو علي، بل قاله أيضًا الشَّيخ أبو حامد، والمحاملي، والبغوي في «التَّهذيب» .
ثمَّ إنَّه يقرأ في صلاة
ج 5 ص 279
الاستسقاء بعد الفاتحة ما يقرأ في العيد إما سورة {ق} و {اقْتَرَبَتِ} ، أو {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، والغاشية، وهو قول الشَّافعي استدلالًا بما في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما المذكور (( ثمَّ صلَّى ركعتين كما يصلِّي في العيدين ) ).
وقال الشَّافعي في «الأم» ويصلِّي ركعتين لا تخالف صلاة العيد في شيء، ويقرأ فيها ما يقرأ في صلاة العيد، قال وما قرأ به مع أمِّ القرآن أجزأه، وإن اقتصر على أمِّ القرآن في كلِّ ركعة أجزأه.
وصدَّر الرَّافعي كلامه بأنَّه يقرأ في الأولى {ق} ، وفي الثَّانية {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح 1] . وأمَّا عند أصحابنا الحنفيَّة فليس في صلاة أيَّ صلاة كانت قراءةٌ مؤقتة.
وذكر في «البدائع» ، و «التُّحفة» الأفضل أن يقرأ فيهما بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} في الأولى، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} في الثَّانية.
ثمَّ إنَّه يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء كما روى التِّرمذي من حديث عبد الله بن زيد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالنَّاس يستسقي، فصلَّى بهم ركعتين، وجهر بالقراءة فيهما ... الحديث.
وعن أبي يوسف أحسن ما سمعنا فيه أن يصلِّي الإمام ركعتين جاهرًا بالقراءة مستقبلًا للقبلة بوجهه، قائمًا على الأرض دون المنبر، متَّكئًا على قوسٍ، يخطب بعد الصَّلاة خطبتين. وعن أبي يوسف خطبة واحدة؛ لأنَّ المقصود منها الدُّعاء فلا يقطعها بالجلسة، وعند محمَّد يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة، وبه قال الشَّافعي.
ثمَّ اعلم أنَّ أبا حنيفة رحمه الله قال ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلَّى النَّاس وحدانًا جاز إنَّما الاستسقاء الدُّعاء والاستغفار؛ لقوله تعالى {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح 10 - 11] علَّق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصَّلاة، فكان الأصل فيه الدُّعاء والتضرُّع دون الصَّلاة. ويشهد لذلك أحاديث سردها العيني لم يذكر فيها الصَّلاة.
والجواب عن الأحاديث التي فيها الصَّلاة أنَّه صلى الله عليه وسلم فعلها مرَّة، وتركها أخرى، وهذا لا يدلُّ على السنيَّة، وإنَّما يدلُّ على الجواز.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه (كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (يَقُولُ هُوَ) أي راوي حديث الاستسقاء عبد الله بن زيد بن عبد ربُّه بن ثعلبة.
(صَاحِبُ) رؤيا (الأَذَانِ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ) بسكون الهاء على أنَّه مصدر، وفي رواية بكسر الهاء على أنَّه ماض، وفي رواية .
(لأَنَّ هَذَا) أي راوي حديث الاستسقاء (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ) وفي بعض النسخ لا مازن بني تميم وغيره، ولم يذكر المؤلِّف مقابله حيث لم يقل وذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربه الخزرجي، وكأنَّه اكتفى بالذي ذكره.
وقد اتَّفق كلاهما في الاسم، واسم الأب، والنِّسبة إلى الأنصار، ثمَّ إلى الخزرج، والصُّحبة والرِّواية، وافترقا في الجدِّ والبطن الذي في الخزرج؛ لأنَّ حفيد عاصم من بني مازن، وحفيد عبد ربه من بني الحارث بن الخزرج، ثمَّ الموازن كثيرة
مازن في قيس غيلان، وهو مازن بن منصور بن الحارث بن خصفة بن قيس بن غيلان.
ومازن في فزارة، وهو مازن بن فزارة.
ومازن في ضبَّة، وهو مازن بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضبَّة.
ومازن في مذحج، وهو مازن بن ربيعة بن زبيد بن صعب بن سعد العشيرة بن مدحج.
ومازن في الأنصار، وهو مازن بن النَّجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج.
ومازن في تميم، وهو مازن بن مالك بن عمرو بن تميم.
ومازن في شيبان، وهو مازن بن ذهل بن ثعلبة بن شيبان.
ومازن في هُذيل، وهو مازن بن معاوية بن تميم بن سعد بن هُذيل.
ومازن في الأزد، وهو مازن بن الأزد.
قال الرَّشاطي مازن في القبائل كثير. وقال ابن دُريد المازن بَيْضُ النَّمل.
ووقع في «مسند الطَّيالسي» وغيره مثل ما قال سفيان بن عيينة، وهو غلط، ثمَّ إنَّ هذا القول يحتمل أن يكون تعليقًا. ويحتمل أن يكون البخاري سمع ذلك من شيخه علي بن عبد الله المذكور.
تتمة قال النَّووي الاستسقاء ثلاثة أنواع
الاستسقاء بالدُّعاء من غير صلاة. والاستسقاء في خطبة الجمعة، أو في إثر الصَّلاة، وهو أفضل من الأوَّل والثَّالث وهو أكملها أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين مع الخروج إلى الصَّحراء، وتحويل الرِّداء، وقالوا تحويله في نحو ثلث الخطبة الثَّانية، وشرع التَّحويل تفاؤلًا بتغيير الحال من القحط إلى الخصب، ومن الضِّيق إلى السِّعة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله
ج 5 ص 281
لا يستحبُّ التَّحويل، وقال الاستسقاء بالبروز إلى الصَّحراء بدعة. وقال ابن بطَّال اختلفوا في صفة التَّحويل فقال مالك يجعل ما على اليمين على اليسار وبالعكس. وأحمد يجعل ما على ظهره بحيث يلي السَّماء، وما يلي السَّماء على ظهره. وقال الشَّافعي يجعل أعلاه أسفل وبالعكس، والله أعلم.
[1] قوله (( كما يكبر في العيد، وإن شاء كبر ) )ليس في (خ) .