فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 11127

قال المؤلف رحمه الله

9 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي البخاري المُسْندي _ بضم الميم وفتح النون _ سمي به؛ لأنَّه كان يطلبُ الأحاديث المسندة، ويرغب عن المراسيل والمنقطعات، أو لأنَّه أوَّل من جمع مسند الصَّحابة على التراجم بما وراء النهر.

واليمان هذا أحد أجداد [1] البخاري ولاء إسلام، سمع عبد الله وكيعًا وخلقًا، وعنه الذُّهلي وغيره من الحفاظ، مات سنة تسع وعشرين ومائتين.

انفرد البخاريُّ به عن أصحاب الكتب الستة، وروى الترمذيُّ عن المحاربيِّ عنه، وفي رواية ابن عساكر .

(قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيس (الْعَقَدِيُّ) بفتح العين المهملة والقاف، نسبة إلى العقد، قوم من قيس، وهم بطن من الأزد، أو بطن من بجيلة، أو قبيلة من اليمن البصري سمع مالكًا وغيره، وعنه أحمد. واتَّفق الحفَّاظ على توثيقه وجلالته، مات بالبصرة سنة خمس أو أربع ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) هو أبو محمد، أو أبو أيوب القرشي التيميُّ المدني، مولى آل أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه سمع عبد الله بن دينار وجمعًا من التَّابعين، وعنه الأعلام، كابن المبارك وغيره. وقال محمد بن سعيد كان جميلًا حسنَ الهيئة عاقلًا مفتيًا وولي خراج المدينة، وتوفي بها سنة اثنتين أو سبع وسبعين ومائة.

وليس في الكتب السِّتَّة من اسمه سليمان سوى هذا.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) هو أبو عبد الرَّحمن أخو عَمرو بن دينار القرشي التيميِّ المدني مولى ابن عمر سمع مولاه وغيره، وعنه ابنه عبد الرَّحمن وغيره، وهو ثقة بالاتفاق، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وفي الرواة أيضًا ابن دينار غيرهما.

(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان الزَّيَّات المدني، كان يجلب السَّمن والزَّيت إلى الكوفة

ج 1 ص 167

مولى جويرية بنت الأعمش الغطفاني، وقيل مولى جويرية بنت الحارث امرأة من قيس. سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه جمع من التابعين منهم عطاء، وسمع الأعمش منه ألف حديث، وروى عنه أيضًا بنوه عبد الله وسهيل وصالح، واتَّفقوا على توثيقه. قال أحمد بن حنبل هو ثقةٌ من أجلِّ الناس وأوثقهم، توفي بالمدينة سنة إحدى ومائة.

وأبو صالح في الرواة جماعة.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) اختلف في اسمه واسم أبيه [2] على نحو ثلاثين قولًا، وأقربها عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدَّوسي التَّميمي. قال ابن عبد البرِّ لم يختلف في اسم أحدٍ في الجاهلية ولا في الإسلام كالاختلاف فيه. روي عنه أنه قال كان اسمي في الجاهلية عبد شمس، وسمِّيت في الإسلام عبد الرحمن، واسم أمه ميمونة، وقيل أميَّة، وقد أسلمت بدعاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلم.

وقال أبو هُريرة نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لسبرة بنت غزوان خادمًا لها، فزوَّجنيها الله تعالى، فالحمد لله الَّذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا. قال وكنت أرعى غنمًا وكان لي هرَّة صغيرة ألعب بها فكنوني بها. وقيل رآه النبي صلَّى الله عليه وسلم وفي كمِّه هرَّة فقال (( يا أبا هريرة ) ).

قدم المدينة سنة سبع عام خيبر، وأسلم وشهدها مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ثمَّ لزمه وواظب عليه، وكان عريف أهل الصُّفة وحمل عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من العلم شيئًا كثيرًا، وهو أكثر الصَّحابة رواية بإجماع العلماء، روى له خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربع وسبعون حديثًا، اتَّفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعين.

وكان يدور مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم حيث ما دارَ. وقال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم إنِّي قد سمعت منك حديثًا كثيرًا، وإني أخافُ أن أنسى، فقال (( ابسط رداءك ) )فبسطه فغرفَ بيده ثمَّ قال (( ضمَّه ) )فما نسيتُ شيئًا بعد ذلك.

وقال الشافعي رحمه الله أبو هريرة رضي الله عنه أحفظُ من روى الحديث في دهره.

وكان آدم ذا ضفيرتين محفيًا لشاربه مزَّاحًا، وكان مروان ربما استخلفه على المدينة، فيركب حمارًا قد شدَّ عليه بردعته وفي رأسه شيء من الليف فيسير فيلقى الرجل فيقول الطَّريق قد جاء الأمير، وكان ينزلُ بذي الحليفة بقرب المدينة، وله بها دار تصدَّق بها على مواليه.

روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل

ج 1 ص 168

من صاحبٍ وتابعٍ منهم ابن عباس وجابر وأنس رضي الله عنهم، وهو أزدي دوسي يماني، ثم مدني. مات بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل ثمان، وقيل سبع، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وسبعين سنة.

والذي يقوله الناس أنَّ قبره بقرب عسقلان لا أصل له، فاجتنِبه. نعم هناك قبر خيشنة بن خندرة الصَّحابي.

وأبو هريرة من الأفراد ليس في الصَّحابة من اكتنى بهذه الكنية.

وفي الرواة آخر اسمه ثابت بن مشيل. قال عبد الغفَّار في حقه شيخ فاضل مناظر.

ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ رجاله كلهم مدنيون إلا العقدي، فإنه بصري، وإلَّا المسنَدي، وأن كلهم على شرط الستة إلى المسنَدي، وأنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي، وهو عبد الله بن دينار عن أبي صالح. وأخرج متنه أبو داود في السنَّة، والترمذي في الإيمان، وقال حسنٌ صحيح. والنَّسائي في الإيمان أيضًا، وابنُ ماجه، وأخرجه مسلم عن عبيد الله بن سعيد، وعبد بن حميد عن العقدي، ورواه أيضًا عن زهير، عن جرير، عن سهيل، عن عبد الله بن دينار.

(عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ الإِيمَانُ) بالرفع مبتدأ وخبره (بِضْعٌ) بكسر الموحدة، وقد تفتح لغة وهو ما بين الثلاث إلى التسع، من البضع بمعنى القطع على الصَّحيح. وفي (( القاموس ) )هو ما بين الثَّلاث إلى التِّسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعة، أو من أربعٍ إلى تسعٍ، أو هو سبع، وإذا جاوز العشر ذهب البضع لا يقال بضع وعشرون، أو يقال ذلك. انتهى.

وهي مع المذكَّر بهاء ومع المؤنَّث بغير هاء يقال بضعة عشر في المذكر، وبضع عشرة في المؤنث، قال الله تعالى {فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم 4] . وقال الفراء هو خاص بالعشرات إلى التسعين، فلا يقال بضع ومائة، ولا بضع وألف.

هذا وفي أكثر الأصول .

(وَسِتُّونَ شُعْبَةً) بتأنيث بضعة على تأويل شُعبة بالنوع وهي بضم الشين بمعنى القطعة، وهي واحدة الشعب، وهي في الأصل أغصان الشجرة. والمراد بالشُّعبة هنا الخصلة؛ أي الإيمان ذو خصال متعددة، ثمَّ إنَّه وقع هاهنا بضع وستون [3] .

وقد وقع عند مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار (( بضع وستون أو بضع وسبعون ) )على الشك. وعند أصحاب (( السنن ) )الثَّلاثة من طريقه

ج 1 ص 169

(( بضع وسبعون ) )من غير شكٍّ، ولأبي عَوَانة في (( صحيحه ) )من طريقه (( ست وسبعون أو سبع وسبعون ) ). ورجَّح البيهقي رواية البخاري؛ لأنَّ سليمان لم يشك، وعورض بوقوع الشَّك عنه عند أبي عَوَانة، لكن يُرجَّح بأنَّه المُتيقَّن وما عداه مشكوكٌ فيه، وأمَّا رواية الترمذي بلفظ (( أربع وستون ) )فلا تخالف رواية البُخاري.

وأمَّا ترجيح رواية (( بضع وسبعون ) )؛ لكونها زيادة ثقة، وليس في رواية الأقل ما يمنعها، كما قال به القاضي عياض والحَليمي وجماعة منهم النووي، فلا يستقيم؛ لأنَّ الَّذي زادها لم يستمر على الجزم بها لاسيَّما مع اتحاد المَخرج.

ثمَّ إنهم اختلفوا في أنَّ المراد حقيقة العدد أم المبالغة قال الطِّيبيُّ الأظهر هو الثاني، وذكر البضع المترقي يعني أن شعب الإيمان أعداد مبهمة لا نهاية لكثرتها، ولو أراد التحديد لم يبهم.

وقال آخرون المراد حقيقة العدد ويكون النص وقع أولًا على البضع والستين، ثمَّ تجددت العشرة الزَّائدة فنص عليها.

وقال الإمام أبو حاتم ابن حِبَّان _ بكسر الحاء وتشديد الموحدة _ في كتاب (( وصف الإيمان وشعبه ) )تتبعت معنى هذا الحديث مدَّة، وعددت الطَّاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن فعددت كلَّ طاعة عدها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فإذا هي تنقص عنه، فرجعتُ إلى كتاب الله تعالى، فعددتُ كلَّ طاعة عدَّها الله تعالى من الإيمان، فإذا هي تنقص عنه أيضًا، فضممت إلى السنن وأسقطت المُعاد فإذا كلُّ شيء عدَّه الله ورسوله من الإيمان ذلك العدد لا يزيد ولا ينقص، فعلمتُ أن مرادَ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم هذا العدد من الكتاب والسنة.

قال القاضي عياض وقد تكلَّف جماعة في بيان هذا العدد بطريقِ الاجتهاد، وفي الحكم بكون المراد ذلك نظر وصعوبة. وقال أيضًا ولا يقدح عدم معرفة ذلك على التَّفصيل في الإيمان، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محقَّقة، والإيمان بأنَّه هذا العدد واجب على الجملة، وتفصيل تلك الأصول وتعيينها على هذا العدد يحتاجُ إلى توقيف.

وقال الخطابيُّ هذهِ منحصرةً في علم الله وعلم رسولهِ موجودة في الشَّريعة، غير أن الشرع لم يوقفنا عليها، وذلك لا يضرُّنا في عملنا بتفاصيل ما كلفنا به، فما أُمرنا بالعمل به عملنا، وما نُهينا عنه انتهينا، وإن لم نُحط بحصر أعداده [4] .

وقال أيضًا الإيمان ينشعب إلى أمور ذوات عدد جِماعها الطاعة،

ج 1 ص 170

ولهذا صار من صار من العلماء إلى أن الناس متفاضلون في درج الإيمان، وإن كانوا متساوين في اسمه، وكان بَدء الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بقيَّة عمره يدعو الناس إليها، ويُسمي من أجابه إلى ذلك مؤمنًا إلى أن نزلت الفرائض بهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة 6] ، وهذا الحكم مستمرٌّ في كلِّ اسم يقع على أمرٍ ذي شُعَب كالصلاة فإن رجلًا لو مرَّ على مسجد وفيه قوم؛ منهم من يستفتح الصَّلاة، ومنهم من هو راكعٌ أو ساجد، فقال رأيتُهم يصلون، كان صادقًا مع اختلاف أحوالهم وتفاضل أفعالهم فيها.

فإن قيل إذا كان الإيمان بضعًا وسبعين شعبة، فهل يمكنكم أن تسمُّوها بأسمائها، وإن عجزتم عن تفصيلها فهل يصحُّ إيمانكم بما هو مجهولٌ عندكم؟ قلنا إيماننا بما كلفنا به صحيح، والعلم به حاصلٌ، وذلك من وجهين

الأوَّل أنَّه قد نَصَّ على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطَّاعات وأدناها، فدخل فيه جميع ما يقع بينهما من جنس الطَّاعات كلها، وجنس الطَّاعات معلومٌ.

والثاني أنَّه لم يُوجِب علينا معرفة هذه الأشياء بخواص أسمائها حتى يلزمنا تسميتها في عقد الإيمان، وإنما كلَّفَنا التَّصديق بجملتها كما كلَّفَنا الإيمان بملائكته، وإن كنَّا لا نعلم أسماء أكثرهم ولا أعيانهم.

وقال النَّووي قد بيَّن النبي صلَّى الله عليه وسلم أعلى هذه الشِّعب وأدناها، كما ثبت في (( الصحيح ) )من قوله عليه السلام (( أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) ). فبيَّن أن أعلاها التَّوحيد المتعيّن على كلِّ مكلَّف، والذي لا يصح شيء غيره من الشُّعب إلَّا بعد صحَّته، وأن أدناها دفع ما يتوقع به ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد فيجب علينا الإيمان به وإن لم نعرف جميع أعيان أفراده كما نؤمن بالملائكة، وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم. انتهى.

قال محمود العينيُّ وقد صنَّف في تعيين هذه الشُّعب جماعة منهم الإمام أبو عبد الله الحَليمي صنَّف فيها كتابًا سمَّاه (( فوائد المنهاج ) )والحافظ أبو بكر البيهقيُّ وسمَّاه (( شعب الإيمان ) )، والشيخ عبد الجليل أيضًا سمَّاه (( شعب الإيمان ) )، وإسحاق بن إبراهيم القرطبي وسمَّاه كتاب (( النصائح ) )، والإمام أبو حاتم وسمَّاه (( وصف الإيمان وشعبه ) ).

ولم أر أحدًا منهم شفى العليل، وأروى الغليل. فنقول ملخصًا بعون الله وتوفيقه إنَّ أصل الإيمان هو التَّصديق بالقلب، والإقرار باللسان، ولكن الإيمان الكامل التَّام هو التَّصديق والإقرار

ج 1 ص 171

والعمل، فهذه ثلاثة أقسام

الأول يرجع إلى الاعتقاديات، وهي تنشعبُ إلى ثلاثين شعبة

1 -الإيمان بالله عزَّ وجلَّ ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأن ليس كمثله شيء. 2 - اعتقاد حدوث ما سوى الله. 3 - الإيمان بملائكته. 4 - الإيمان بكتبه. 5 - الإيمان برسله. 6 - الإيمان بالقدر خيره وشره. 7 - الإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه سؤال القبر وعذابه والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط. 8 - الوثوق على وعد الجنة والخلود فيها. 9 - اليقين بوعيد النار وعذابها وأنها لا تفنى. 10 - محبَّة الله تعالى. 11 - الحبُّ في الله والبغضُ فيه، ويدخل فيه حبُّ الصَّحابة المهاجرين والأنصار، وحب آل الرَّسول عليه السلام. 12 - محبة النَّبي عليه السلام ويدخل فيه الصَّلاة عليه واتِّباع سننه. 13 - الإخلاص ويدخل فيه ترك الرِّياء والنِّفاق. 14 - التَّوبة والنَّدم. 15 - الخوف. 16 - الرجاء. 17 - ترك اليأس والقنوط. 18 - الشكر. 19 - الوفاء. 20 - الصبر. 21 - التواضع ويدخل فيه توقير الأكابر. 22 - الرحمة والشفقة ويدخل فيه الشَّفقة على الأصاغر. 23 - الرضا بالقضاء. 24 - التوكل. 25 - ترك العجب والزهو ويدخل فيه ترك مدح نفسه وتزكيتها. 26 - ترك الحسد. 27 - ترك الحقد والضِّغن. 28 - ترك الغضب. 29 - ترك الغش، ويدخل فيه الظَّن بالسوء والمكر.

30 -ترك حُبِّ الدنيا، ويدخل فيه ترك حُبِّ المال وحُبِّ الجاه، فإذا وَجدتَ شيئًا من أعمال القلب من الفضائل أو الرذائل خارجًا عمَّا ذُكر بحسب الظاهر، فإنه في الحقيقة داخل في فصل من الفصول، يظهر ذلك عند التأمل.

والقسم الثاني يرجع إلى أعمال اللِّسان، وهي تتشعَّب إلى سبع شعب

1 -التلفظ بالتوحيد. 2 - تلاوة القرآن. 3 - تعلُّم العلم. 4 - تعليم العلم. 5 - الدعاء. 6 - الذكر ويدخل فيه الاستغفار. 7 - اجتناب اللغو.

والقسم الثالث يرجعُ إلى أعمال البدن، وهي تتشعَّب إلى أربعين شعبة وهي على ثلاثة أنواع

الأول ما يختص بالأعيان، وهي ستة عشر شعبة

1 -التَّطهر ويدخل فيه طهارة البدن والثوب والمكان، ويدخل في طهارة البدن الوضوء من الحدث، والاغتسال من الجنابة، والحيض، والنفاس. 2 - إقامة الصَّلاة، ويدخل فيها الفرض والنَّفل والقضاء. 3 - أداء الزَّكاة، ويدخل فيها الصَّدقة ويدخل فيها صدقة الفطر، ويدخل في هذا الباب الجود، وإطعام الطعام، وإكرام الضيف. 4 - الصَّوم فرضًا ونفلًا. 5 - الحج ويدخل فيه العمرة. 6 - الاعتكاف ويدخل فيه التماس ليلة القدر. 7 - الفرار بالدين ويدخل فيها الهجرة

ج 1 ص 172

من دار الشرك. 8 - الوفاء بالنذر. 9 - التحري في الإيمان. 10 - أداء الكفارات. 11 - ستر العورة في الصَّلاة وخارجها. 12 - ذبح الضَّحايا والقيام بها إذا كانت منذورة. 13 - القيام بأمر الجنائز. 14 - أداء الدَّين. 15 - الصِّدق في المعاملات والاحتراز عن الربا. 16 - أداء الشهادة بالحق وترك كتمانها.

النوع الثاني ما يختصُّ بالاتباع، وهي ستُّ شعب

1 -التعفف بالنكاح. 2 - القيام بحقوق العِيال ويدخل فيه الرفق بالخدم. 3 - بر الوالدين ويدخل فيه الاجتناب عن العقوق. 4 - تربية الأولاد. 5 - صلة الرحم. 6 - طاعة الموالي.

النوع الثالث ما يتعلق بالعامة وهي ثمانية عشر شعبة

1 -القيام بالإمرة مع العدل. 2 - متابعة الجماعة. 3 - طاعة أولي الأمر. 4 - الإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة. 5 - المعاونة على البر. 6 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 7 - إقامة الحدود. 8 - الجهاد ويدخل فيه المرابَطة. 9 - أداء الأمانة، ويدخل فيه أداء الخُمس. 10 - القرض مع وفائه. 11 - إكرام الجار. 12 - حسن المعاملة، ويدخل فيه جمع المال من حِلِّه. 13 - إنفاق المال في حقِّه، ويدخل فيه ترك التبذير والإسراف. 14 - رد السلام. 15 - تشميت العاطس. 16 - كفُّ الضرر عن الناس. 17 - اجتناب اللَّهو. 18 - إماطة الأذى عن الطَّريق.

فهذه سبع وسبعون شعبة.

(وَالْحَيَاءُ) ممدودًا هو الاستحياء، وهو في اللغة تغيرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به ويُذم، واشتقاقه من الحياة. يقال حَيِيَ الرجل، إذا انتقص حياته، وانتكس قوَّته، كما يقال نَسِي إذا اعتلَّ نَساه؛ أي العرق الَّذي في الفخذ، وحَشِيَ إذا اعتلَّ حشاه، فمعنى الحيي المؤف [5] ، وقد حَيِيَ منه حياء واستحيى واستحى بحذف الياء الأخيرة كراهية التقاء الياءين والأخيران يتعدَّيان بحرف وبغير حرف، يقال استحيى منك، واستحياك، ورجل حيي ذو حياء، والأنثى بالتاء.

وفي الشريعة خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حقِّ ذي الحق ونحوه، ولهذا جاء في الحديث (( الحياء خير كلُّه ) ). وورد أيضًا (( الحياء لا يأتي إلَّا بخير ) ).

(شُعْبَةٌ مِنَ) شعب (الإِيمَانِ) ؛ لأنه باعثٌ على أفعال الخير، ومانعٌ من المعاصي، ولكنَّه ربما يكن تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وربما يكون عزيزة، لكن استعماله على قانون الشَّرع يحتاج إلى اكتسابٍ ونيَّة، فمن ثمة كان من الإيمان.

فإن قلت صاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحقِّ، فيترك الأمر

ج 1 ص 173

بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فكيف يكون من الإيمان؟

أُجيب بأنه ليس بحياء حقيقةً، بل هو عجز ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازًا؛ لمشابهته الحياء الحقيقي، ثمَّ أولى الحياء الحياءُ من الله تعالى، وهو أن لا يراك الله حيث نهاك، وذاك إنما يكون عن معرفة ومراقبة، وهو المراد بقوله عليه السلام (( أن تعبدَ الله كأنَّك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنَّه يراك ) ).

وقد خرَّج الترمذي عنه عليه السلام أنَّه قال (( استحيُوا من الله حقَّ الحياء ) )قالوا إنَّا نستحيي من الله يا رسول الله والحمد لله، فقال (( ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن تحفظَ الرَّأس وما حوى، والبطنَ وما وعى، وتذكر الموتَ والبِلى، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حقَّ الحياء ) ).

وقال الجُنيد الحياء يتولَّد من رؤية الآلاء؛ أي النعم ورؤية التَّقصير. ثمَّ إفراد الحياء بالذِّكر من بين سائر الشعب؛ لأنه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب فإن الحييَّ يخاف فضيحة الدُّنيا وفظاعة الآخرة، فينزجر عن المعاصي، ويتمثَّل الطَّاعات كلها.

وقال الطِّيبيُّ معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشُّعَب كأنَّه يقول هذه شعبةٌ واحدة من شعبه فهل يحصي شُعبه كلها، هيهات إنَّه البحر لا يُدرى قعره، وسيجيء تتمة لهذا المقام.

ثم إن في هذا الحديث تشبيه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب، كما شبَّه في الحديث السابق الإسلام بخباءٍ ذات أعمدة وأَطْناب، ومبناه على المجاز، وذلك لأنَّ الإيمان في اللُّغة التَّصديق، وفي الشَّرع تصديق القلب واللسان، وتمامه وكماله بالطَّاعات، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنه بضع وستون، أو بضع وسبعون، ونحو ذلك يكون من باب إطلاق الأصل على الفرعِ، وذلك لأنَّ الإيمان هو الأصل، والأعمالُ فروع منه، وإطلاقُ الإيمان على الأعمال مجاز؛ لأنَّها تكون غير الإيمان هذا.

فائدة روي من حديث المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد قال حدَّثني أبي، عن جدي، وكانت له صحبة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال (( ثلاثة وثلاثون شريعةً من وافى الله بشريعةٍ منها دخل الجنة ) ). وفي كتاب ابن شاهين من حديث الإفريقي عن عبد الله بن راشد مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه سمعت أبا سعيد رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم (( إنَّ بين يدي الرحمن عزَّ وجلَّ لوحًا فيه ثلاث مائة وتسع عشرة شريعة، يقول عزَّ وجلَّ لا يجيئني عبدٌ من عبادي لا يشرك بي شيئًا فيه واحدة منهنَّ إلا أدخلته الجنة ) ). ومن حديث عبد الواحد بن زيد،

ج 1 ص 174

عن عبد الله بن راشد، عن مولاه عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم (( إنَّ لله مائة خُلُق مَن أتى بخلُق منها دخل الجنة ) ). قال لنا أحمد _ سُئل ما ذي الأخلاق؟ _ قال يكون في الناس حياء، تكون فيه رحمة، يكون فيها سخاء، يكون فيه تسامح، هذا من أخلاقِ الله عزَّ وجلَّ.

وفي رواية ابن مَهْدي عن حذيفة (( الإسلام ثمانية أسهمٍ الإسلام سهمٌ، والصَّلاة سهمٌ، والزكاة سهمٌ، وصوم رمضان سهمٌ، والحجُّ سهمٌ، والجهاد سهمٌ، والأمر بالمعروف سهمٌ، والنهي عن المنكر سهمٌ، وقد خاب من لا سهم له ) ).

هذا اللَّهمَّ إنا نسألك من كلِّ سهم نصيبًا وافيًا.

[1] في هامش الأصل هو المغيرة بن بردزبة. منه.

[2] في هامش الأصل لا في اسمه فقط كما توهم واعترض بأنه لم يبلغ ذلك المبلغ. منه.

[3] في هامش الأصل ثمَّ تخصيص الستين لأن العدد إما زائد وهو ما أجزاؤه أكثر منه كالاثني عشر فإن له نصفًا وثلثًا وربعًا وسدسًا، ومجموع هذه الأجزاء خمسة عشر، وإما ناقص وهو ما أجزاؤه أقل منه كالأربعة فإنَّ لها الربع والنصف فقط، ومجموعهما ثلاثة، وإما تام وهو ما أجزاؤه مثله كالستة فإن لها نصفًا وثلثًا وسدسًا ومجموعها ستة، والفضل من بين الأنواع الثلاثة للتام فلمَّا أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشارًا وهي الستون، وأما الحكمة في تعيين السبعين فهي أن السبعة تشتمل على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى زوج وفرد، وكل منهما إلى أول ومركب، والفرد الأول ثلاثة والمركب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركب أربعة، وينقسم أيضًا إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة، فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشارًا، وهي السبعون وأما زيادة البضع على النوعين فقد علم أنه يطلق على الست والسبع؛ لأنه ما بين اثنين إلى عشرة وما فوقها، ففي الأول الستة أصل للستين، وفي الثاني السبعة أصل للسبعين كما ذكرناه فهذا وجه تعيين هذين العددين. كذا ذكره محمود العيني. منه.

[4] في هامش الأصل المقصود بها تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه، ويحسن معاده، وذلك بأن يعتقد الحق، ويستقيم في العمل، وإليه أشار صلى الله عليه وسلم حيث قال لسفيان الثَّقفي حين سأله قولًا جامعًا (( قل آمنت بالله ثم استقم ) ). منه.

[5] هكذا في العمدة، وفي الكواكب الدراري فمعنى الحياء المألوف الحياء من خوف المذمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت