1013 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلام البخاري البِيْكندي (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بكسر العين المهملة، اللَّيثي المدني.
(أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا) لم يُدرَ اسمه، وقيل روى الإمام أحمد من حديث كعب بن مرَّة ما يمكن به أن يفسَّر هذا المبهم بأنَّه كعب المذكور هذا، وهو من رواية شرحبيل بن السَّمِط أنَّه قال لكعب يا كعب بن مرَّة حَدِّثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحذر، قال جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسقِ الله عزَّ وجلَّ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال (( اللَّهم اسقنا غيثًا مريعًا طَبْقًا عاجلًا غير رائث نافعًا غير ضار ... ) )الحديث.
فانظر هل ترى فيه ما قاله، وقيل إنَّه أبو سفيان بن حرب، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ قوله في الحديث «فقال يا رسول الله» يدلُّ على أنَّ السَّائل كان مسلمًا، وأبو سفيان إذ ذاك لم يكن مسلمًا.
(دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) المسجد النَّبوي بالمدينة (مِنْ بَابٍ كَانَ وجَاهَ الْمِنْبَرِ) بكسر الواو وضمها؛ أي مواجهه ومقابله. وقال صاحب «التَّلويح» ناقلًا عن ابن التِّين وجاه المنبر؛ يعني مستدبر القبلة، ثمَّ قال إن كان يريد بالمستدبر المنبر فصحيح، ولكن لا معنى لذكره، وإن كان أراد الباب؛ فلا يتَّجه لباب يواجه المنبر أن يستدبر القبلة.
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر من بابٍ كان نحو دار القضاء [خ¦1014] ، وهي دار عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما، وسُمِّيت دار القضاء؛ لأنَّها بيعت في قضاء دينه فكان يُقال لها دار قضاء دين عمر، ثمَّ لما طال ذلك قيل لها دار القضاء، وقد صارت إلى مروان بعد ذلك،
ج 5 ص 282
وهو أمير المؤمنين.
وقال القاضي عياض كان أمير المؤمنين أنفق من بيت المال، وكتبه على نفسه، وأوصى ابنه عبد الله أن يُباع فيه ماله، فإن عجز ماله استعان ببني عدي، ثمَّ قريش، فباع عبد الله هذه الدَّار لمعاوية رضي الله عنه، وقضى دينه، وكان ثمانية وعشرين ألفًا، وفي قوله ثمانية وعشرين ألفًا غرابة. والذي في «الصَّحيح» وغيره من كتب المؤرِّخين كان ستَّة وثمانين ألفًا [خ¦3700] .
(وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَائِم) جملة اسمية وقعت حالًا، وقوله (يَخْطُبُ) جملة حالية أيضًا إمَّا مترادفة أو متداخلة (فَاسْتَقْبَلَ) ذلك الرَّجل (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (قَائِمًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) فيه دلالة على أنَّ السَّائل كان مسلمًا؛ فلا يكون هو أبا سفيان؛ لأنَّه حين سؤاله لذلك لم يكن أسلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قريبًا [خ¦1020] .
(هَلَكَتِ الْمَوَاشِي) وفي رواية ، والمراد بالأموال المواشي أيضًا لا الصَّامت، والمال عند العرب هي الإبل كما أنَّ المال عند أهل التِّجارة الذَّهب والفضَّة. وفي رواية ، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه. وتقدَّم في كتاب الجمعة بلفظ (( هلك المال، وجاع العيال ) ) [خ¦933] ، وفي لفظ (( هلك الكُراع ) ) [خ¦932] ، وهو بضم الكاف يطلق على الخيل وغيرها.
وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية (( هلكت الماشية، هلك العيال، هلك النَّاس ) ) [خ¦1029] ، وهو من قبيل ذكر العامِّ بعد الخاصِّ، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
(وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) وفي رواية بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء، والسُّبل _ بضم السين والموحدة _ جمع سبيل بمعنى الطَّريق، واختلف في معناه فقيل ضعفتِ الإبلُ لعدم الكلأ. وقيل هلكت لذلك فلم تسلكها. وقيل إنَّها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبلغها، وهو قريب من الأوَّل. وقيل إنَّ النَّاس أمسكوا ما عندهم من الطَّعام، ولم يجلبوه إلى الأسواق. وقيل نفد ما عندهم من الطَّعام أو قلَّ، فلا يجدون ما يجلبونه إلى الأسواق، ولا ما يحملونه على الإبل.
وفي رواية قتادة الآتية عن أنس رضي الله عنه (( قحط المطر ) ) [خ¦1015] أي قلَّ أو لم ينزل أصلًا. وفي رواية ثابت الآتية عن أنس رضي الله عنه أيضًا (( واحمرت الشَّجر ) ) [خ¦1021] واحمرارها كناية عن يبس ورقها؛ لعدم شربها الماء، أو لانتشاره، فصار الشَّجر أعوادًا بغير ورق.
وقال
ج 5 ص 283
أحمد في رواية قتادة (( وأمحلت الأرض ) )، ووجه هذا الاختلاف أنَّه يحتمل أن يكون السَّائل قال ذلك كلَّه، ويحتمل أن يكون بعض الرُّواة روى شيئًا ممَّا قاله بالمعنى، فإنَّ المعاني متقاربة.
(فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا) هكذا في رواية الأكثرين، ووُجِّه بحذف المبتدأ؛ أي هو يُغيثنا، وقيل إنَّ أصله كما في رواية، فحذفت «أن» فارتفع الفعل وفيه كلام، وضبطه البرماوي بالجزم جوابًا للطَّلب، وهو الأوجه، لكن المروي هنا هو الرفع أو النَّصب بذكر كلمة «أن» .
نعم في رواية الكُشميهني الآتية إن شاء الله تعالى في الباب التالي بالجزم. ثمَّ إنَّ لفظ (( يُغيثنا ) )بضم الياء، في جميع النسخ المصحَّحة، من باب أغاث يغيث إغاثة، من الغوث، وهو الإجابة، أو من الغيث، وهو المطر، لكن المشهور في كتب اللُّغة أنَّه يُقال غاث الله النَّاس والأرض يَغيثهم _ بفتح الياء _؛ أي سقاهم المطر، وأغاثهم أجاب دعاءهم، ويقال غاثَ وأغاثَ بمعنى.
قال القاضي عياض هذا المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث إنَّما يُقال في طلب الغيث غاث يغيث.
وقال أبو الفضل ويحتمل أن يكون من الغيث؛ أي يهب لنا، ويرزقنا الغيث، كما يقال سَقَاه وأَسْقَاه؛ أي جعل له سُقيا، على لغة من فرَّق بينهما، وقيل يحتمل أن يكون معنى قولهم اللَّهم أغثنا فرِّج عنا وأدركنا، فعلى هذا يستقيم ما وقع في عامَّة النُّسخ.
وفي «المنتهى» يقال أغاثَهُ الله يغيثه، والغياث ما أغاثك الله به، اسمٌ من أغاثَ واستغاثني فأغثته. وقال القزَّاز غاثه يغوثه غوثًا وأغاثه يغيثه إغاثةً، فأُميت غاث، واستعمل أغاث، ويقول الواقع في بلية اللَّهم أغثني؛ أي فرِّج عنِّي. وقال الفرَّاء الغيث والغوث مُتَقاربان في المعنى والأصل، هذا وضبطه البرماوي بالوجهين، وقدَّم الفتح. وجوَّزهما الحافظ العسقلاني، لكن بقي النَّظر في الرِّواية. نعم. ثبت الوجهان في الرِّواية اللاحقة، والله أعلم.
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ) وفي رواية النَّسائي عن شريك (( فرفع يديه حذاء وجهه ) )، وتقدَّم في الجمعة بلفظ (( مدَّ يديه ودعا ) ) [خ¦932] ، وزاد في رواية قتادة في «الأدب» (( فنظر إلى السَّماء ) ) [خ¦6093] .
(فَقَالَ) في دعائه (اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا) ثلاث مرات؛ لأنَّه كان إذا دعا دعا ثلاثًا، وهمزة «اسقنا» فيها للوصل، كما في «فرع اليونينية» .
وجوَّز الزَّركشي قطعها معللًا بأنَّه ورد في القرآن ثلاثيًا ورباعيًا، وقيل إن ثبتت الرِّواية بهما؛ أي بالوصل والقطع
ج 5 ص 284
فلا كلام، وإلَّا اقتصرنا من الجائزَين على ما وردت به الرِّواية.
(قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (فَلَا وَاللَّهِ) وفي رواية بالواو، وفي رواية ثابت الآتية «وايم الله» والتَّقدير فلا نرى والله، فحذف الفعل منه؛ لدَلالة المذكور عليه، وكرَّر النفي للتَّأكيد.
(مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ) أي من سحابٍ مجتمع (وَلاَ قَزَعَةً) أي من سحاب متفرِّق، وهو _ بفتح القاف والزاي والعين المهملة _. وفي «التَّلويح» القزعة مثال شجرة، قطعة من السَّحاب رقيقة كأنَّها ظلٌّ، إذا مرَّت من تحت السَّحاب الكبير. وقال أبو حاتم القزع السَّحاب المتفرِّق. وقال يعقوب عن الباهلي يُقال ما على السَّحاب [1] قزعة؛ أي شيء من الغيم، ذكره في «الموعب» .
وفي «تهذيب الأزهري» كل شيء متفرِّق فهو قزع. وفي «المحكم» أكثر ما يكون ذلك في الخريف، وهو إمَّا منصوب على أنَّه عطف على محلِّ قوله «من سحاب» ، وإمَّا مجرور على أنَّه عطف على لفظه.
(ولا شَيْئًَا) أي ولا نرى شيئًا من الكدورة التي تكون مظنَّة للمطر، ومن الرِّيح الدالَّة عليه (ومَا بَيْنَنا وبَينَ سَلْعٍ) بفتح السين المهملة وسكون اللام وفي آخره عين مهملة، وهو جبل معروف بالمدينة. وزعم الهروي أنَّ سلعًا معرفة لا يجوز إدخال اللام عليه.
وفي «دلائل النُّبوَّة» للبيهقي، وكتاب أبي نُعيم الأصبهاني، وأبي سعيد الواعظ، و «الإكليل» للحاكم (( وطلعت سحابة من وراء السلع ) ).
(مِنْ بَيْتٍ ولَا دَارٍ) يحجبنا عن رؤيته، وأراد بذلك أنَّ السحاب كان مفقودًا لا مستترًا ببيت ولا دار ولا غيره. ووقع في رواية ثابت في «علامات النبوَّة» [خ¦3582] و «إنَّ السماء لفي مثل الزجاجة» ؛ أي لشدَّة صفائها، وذلك أيضًا مشعر بعدم السَّحاب أصلًا.
(قَالَ فَطَلَعَتْ) أي ظهرت (مِن وَرَائِهِ) أي من وراء سلع (سَحَابَةً مِثْلَ التُّرسِ) أي في الاستدارة لا في القَدْرِ، يدلُّ عليه ما وقع في رواية أبي عوانة (( فنشأت سحابة مثل رِجْل الطَّائر، وأنا أنظر إليها ) )، فبهذا يشعر بأنَّها كانت صغيرة. وفي رواية ثابت (( فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثمَّ اجتمع ) ). وفي رواية قتادة في الأدب [خ¦1033] (( فنشأ السَّحاب بعضه إلى بعض ) ).
وفي رواية إسحاق الآتية [خ¦933] (( حتَّى ثار السَّحاب أمثال الجبال ) )؛ أي لكثرته، وفيه ثمَّ لم ينزل عن منبره حتَّى رأينا المطر يتحادر على لحيته. وهذا يدلُّ على أنَّ السَّقف وكف؛ لكونه كان من جريد النَّخل.
(فَلَمَّا تَوَسَّطتِ) السَّحابة (السَّمَاءَ) أي بلغت إلى وسط
ج 5 ص 285
السَّماء، وهي على هيئتهِ مستديرة (انْتَشَرتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ) وفي رواية أي أنس رضي الله عنه (وَاللَّهِ) وفي رواية (مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا) أي ستَّة أيَّام، وفي رواية . ولا تنافي؛ لأنَّ من روى السَّبع أضاف إلى الستِّ يومًا ملفقًا من الجمعتين. وفي رواية الأكثرين بفتح السين المهملة وسكون الموحدة، والمراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشَّيء باسم بعضه كما يقال جمعة.
وإنَّما عبَّر أنس بالسَّبت؛ لأنَّه كان من الأنصار، وكانوا قد جاوروا اليهود فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنَّما سَمُّوا الأسبوع سبتًا؛ لأنَّه أعظم الأيَّام عندهم كما أنَّ الجمعة أعظم الأيَّام عندنا.
ووقع في رواية إسحاق الآتية (( فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد ومن بعد الغد، والذي يليه حتَّى الجمعة الأخرى ) ) [خ¦1033] . ووقع في رواية مالك عن شريك [خ¦1017] (( فمطرنا من جمعة إلى جمعة ) ). وفي رواية قتادة الآتية [خ¦1015] (( فمطرنا فما كدنا نصل إلى منازلنا ) )أي من كثرة المطر. وقد تقدَّم في كتاب «الجمعة» من وجه آخر (( فخرجنا نخوض في الماء حتَّى أتينا منازلنا ) ) [خ¦3582] .
ولمسلم في رواية ثابت (( فأمطرنا حتَّى رأيت الرَّجل تهمُّه نفسه أن يأتي أهله ) ). ولابن خزيمة في رواية حميد (( حتَّى همَّ الشَّاب القريب الدَّار الرُّجوع إلى أهله ) ). وللبخاري في «الأدب» من طريق قتادة [خ¦6093] (( حتَّى سالت مثاعب المدينة ) ).
والمثاعب جمع مثعب _ بالثاء المثلثة وآخره باء موحدة _ مسيل الماء.
(ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ) الظَّاهر أنَّ هذا غير ذاك الرَّجل الأوَّل؛ لأنَّ النَّكرة إذا أُعيدت نكرة تكون غير الأوَّل غالبًا، وفي رواية إسحاق عن أنس رضي الله عنه «فقال ذلك الرَّجل أو غيره» [خ¦1033] على الشَّكِّ. وسيأتي في رواية يحيى بن سعيد (( فأتى الرَّجل فقال يا رسول الله ) ) [خ¦1029] . وفي رواية أبي عَوانة من طريق حفص عن أنس رضي الله عنه بلفظ (( فما زلنا نمطر حتَّى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى ) ).
(مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ) الذي دخل منه السَّائل أولًا (فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ) وفي رواية (فَاسْتَقْبَلَهُ) ذلك الرَّجل (قَائِمًا) حال من الضَّمير المرفوع لا المنصوب.
(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ) أي المواشي من عدم الرَّعي؛ لأنَّه انقطع المرعى بسبب كثرة المياه، أو من عدم ما يُكِنها من المطر (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) وزاد في رواية سعيد عن شريك أخرجها النَّسائي (( من كثرة الماء ) )، وفي رواية حُميد عند ابن خزيمة
ج 5 ص 286
(( واحتبس الرُّكبان ) ). وفي رواية مالك عن شريك (( تهدَّمت البيوت ) ) [خ¦1016] . وفي رواية إسحاق الآتية (( هدم البناء، وغرق المال ) ) [خ¦1033] .
(فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا) بالجزم جوابًا للأمر، أو بالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي هو يمسكها، وفي رواية الكُشميهني بكلمة (( أن ) )، والضَّمير المنصوب للسَّحابة أو للأمطار. وفي رواية سعيد عن شريك (( أن يمسك عنَّا الماء ) ). وفي رواية أحمد من طريق ثابت (( أن يرفعها عنَّا ) ). وفي رواية قتادة في «الأدب» (( فادع ربَّك أن يحبسها عنَّا، فضحك ) ) [خ¦6093] . وفي رواية ثابت (( فتبسَّم ) ) [خ¦1021] ، وزاد في رواية حميد (( لسرعة ملال ابن آدم ) ).
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ) أنزل المطر (حَوَالَيْنَا) بفتح اللام، وفي رواية مسلم (( حولنا ) )، وكلاهما صحيح. والحول والحوال بمعنى الجانب، والذي في رواية البخاري تثنية حوال. فإن قيل إذا أمطر حول المدينة فالطَّريق تكون ممتنعة، وحينئذٍ لم تُزل شكواهم.
فالجواب أنَّه أراد بقوله (( حوالينا ) )الآكام والظِّراب وشبههما، كما في الحديث، فعلى هذا تبقى الطُّرق مسلوكة كما سألوا، وأيضًا أخرج الطَّريق بقوله
(وَلاَ) تنزله (عَلَيْنَا) قال الطِّيبي وفي إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنَّه لو أسقطها؛ لكان مستسقيًا للآكام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أنَّ طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلَصة للعطف، ولكنَّها للتعليل، وهو كقولهم تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها، فإنَّ الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكن لكونه مانعًا من الرضاع بأجرة إذا كانوا يكرهون ذلك. انتهى.
وقال الدَّماميني الواو مخلَصة للعطف، ولكنها كواو التعليل وفائه، فالمراد أنَّه إن سبق في قضائك أن لا بدَّ من المطر، فاجعله حول المدينة، ويدلُّ على أنَّ الواو ليست لمحض العطف اقترانها بحرف النفي، ولم يتقدَّم مثله. انتهى.
وقال القسطلاني لم يستقم لي إجراء هذا الكلام على القواعد، وليس في كلام العرب واو وُضِعت للتَّعليل، وليس «لا» هنا للنفي، وإنَّما هي للدُّعاء مثل قوله (( لا تؤاخذنا ) )والمراد أنزل المطر حوالينا حيث لا نستضرُّ به، ولا تنزله علينا حيث نستضرُّ به، فلم يطلب منع الغيث بالكليَّة.
وهو من حسن الأدب في الدُّعاء؛ لأنَّ الغيث رحمة الله ونعمته المطلوبة، فكيف يُطلب منه رفع نعمته، وكشف رحمته، وإنَّما يُسأل سبحانه كشف البلاء، والمزيد من النعماء، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم، فإنَّما سأل جلب النَّفع، ودفع الضَّرر، فهو استسقاء بالنسبة إلى محلين، فالواو لمحض العطف، و «لا» جازمة لا نافية، ولا إشكال. والحاصل أنَّ المراد صرفه عن الأبنية والطُّرق.
ولذا قال (اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ) بكسر الهمزة وفتحها ممدودة جمع أَكَمَة _ بفتحات _. قال ابن البرقي هو التُّراب المجتمع. وقال الدَّاودي أكبر من الكدية. وقال القزَّاز هي التي من حجر واحد.
وقال الخطَّابي هي الهضبة الضَّخمة، وقيل الجبل الصَّغير، وقيل ما دون الجبل، وأعلى من الرَّابية، وقيل ما ارتفع من الأرض.
(وَالْجِبَالِ) وزيد في رواية هنا بالمد والجيم (وَالظِّرَابِ) بكسر الظاء المعجمة وفي آخره باء موحدة، جمع ظَرِب _ بفتح الظاء وكسر الراء _ جبل منبسط على الأرض، وقيل بسكون الراء. ويقال ظراب وظرب، كما يقال كتاب وكتب.
وفي «المنتهى» للبرمكي الرَّوابي الصِّغار دون الجبل. قال البرماوي والزركشي وخُصَّت؛ لأنَّها أوفق للزِّراعة من رؤوس الجبال.
(وَالأَوْدِيَةِ)
ج 5 ص 287
جمع الوادي، وفي رواية مالك «بطون الأودية» [خ¦1017] ، والمراد بها ما يتحصَّل فيه الماء لينتفع به، قالوا ولم يُسمَع أفعلة جمع فاعل إلا أودية جمع وادي، وزاد مالك في روايته «ورؤوس الجبال» [خ¦1017] . (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) أراد به المزارع.
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَانْقَطَعَتْ) أي الأمطار عن المدينة، ويروى ، ويروى ، والكلُّ بمعنى واحد. وفي رواية سعيد عن شريك (( فما هو إلَّا أن تكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك تمزق السَّحاب حتَّى ما نرى منه شيئًا ) )؛ أي في المدينة.
ولمسلم في رواية حفص (( فلقد رأيت السَّحاب يتمزَّق كأنَّه المُلا حين طوي ) )، والمُلا _ بضم الميم مقصورًا وقد يمد _ جمع ملاءة، وهو ثوب معروف. وفي رواية قتادة عند البخاري (( فلقد رأيت السَّحاب يتقطَّع يمينًا وشمالًا يمطرون _ أي أهل النَّواحي _ ولا يمطر أهل المدينة ) ) [خ¦1015] .
وله في «الأدب» (( فجعل الله السَّحاب يتصدَّع عن المدينة _ وزاد فيه _ يريهم الله كرامة نبيِّه، وإجابة دعوته ) ) [خ¦6093] . وله في رواية ثابت عن أنس (( فتكشطت _ أي تكشفت_، فجعلت تمطر حول المدينة، ولا تمطر في المدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنَّها لفي مثل الإكليل ) ) [خ¦1021] .
وفي «مسند أحمد» من هذا الوجه فتفور ما فوق رؤوسنا من السَّحاب حتَّى كأنا في الإكليل وهو _ بكسر الهمزة _ التَّاج. وفي رواية إسحاق عن أنس رضي الله عنه (( فما يشير بيده إلى ناحية من السَّماء إلَّا تفرَّجت حتَّى صارت المدينة في مثل الجوبة ) ) [خ¦933] .
والجَوْبَة _ بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الموحدة _ هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السَّحاب.
وقال الخطَّابي الجوبة هنا الترس. وضبط بعضُهم _ بالنون _، ثمَّ فسَّره بالشَّمس إذا ظهرت في خلل السَّحاب. وقال القاضي عياض فقد صحف من قال بالنون. وفي رواية إسحاق من الزيادة أيضًا «وسال الوادي، وادي قناة شهرًا» ، وقد مرَّ تفصيله في كتاب «الجمعة» [خ¦933] .
(وَخَرَجْنَا نَمْشِي، قَالَ شَرِيكٌ) الرَّاوي (فَسَأَلْتُ) وفي رواية (أَنَسًا أَهُوَ) أي السَّائل الثَّاني (الرَّجُلُ الأَوَّلُ، قَالَ لاَ أَدْرِي) وفي موضع آخر (( فأتى الرَّجل فقال يا رسول الله ) ). وفي لفظ (( جاء رجل فقال ادع الله يغيثنا، ثمَّ قال جاء فقال ) )، وفي لفظ (( قام أعرابي، ثمَّ قال فقام ذلك الأعرابي ) ).
قال ابن التِّين لعلَّ أنسًا رضي الله عنه تذكَّر بعدُ أو نسي بعد ذكره
ج 5 ص 288
إن كان هذا الحديث قبل قوله لا أدري. فإن قيل لمَ لم يباشر السُّؤال للاستسقاء بعض أكابر الصَّحابة؟
فالجواب أنَّهم كانوا يسلكون مسلك الأدب بالتَّسليم وترك الابتداء بالسُّؤال، ومنه قول أنس رضي الله عنه كان يعجبنا أن يجيء الرَّجل من البادية فيسأل. واستنبط منه أبو عبد الله الأُبِّي أنَّ الصَّبر على المشاق، وعدم التسبُّب في كشفها أرجح؛ لأنَّهم إنَّما يفعلون الأفضل.
وفي الحديث جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة. وفيه أيضًا القيام للخطبة، وأنَّها لا تنقطع بالكلام، ولا تقطع بالمطر. وفيه أيضًا قيام الواحد بأمر الجماعة. وفيه أيضًا سؤال الدُّعاء من أهل الخير، ومن يُرجى منه القبول، والإجابة لذلك. وفيه أيضًا تكرار السُّؤال ثلاثًا. وفيه أيضًا إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدُّعاء به على المنبر. وفيه أنَّه لا تحويل ولا استقبال. وفيه امتثال الصَّحابة بمجرد الإشارة.
وفيه الأدب في الدُّعاء حيث لم يدعُ برفع المطر أصلًا؛ لاحتمال الاحتياج إلى استمراره، فدعا بما يقتضي رفع الضَّرر، وإبقاء النَّفع. وفيه أنَّ الدُّعاء بدفع الضَّرر لا ينافي التوكُّل، وإن كان الأفضل التَّفويض.
وقال ابن بطَّال استُدِلَّ به على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء. وقيل فيه نظر؛ لأنَّه جاء في رواية يحيى بن سعيد (( ورفع النَّاس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون ) ) [خ¦1029] .
وفيه حجَّة واضحة لأبي حنيفة رحمه الله أنَّ الاستسقاء دعاء واستغفار، ولا صلاة فيه. قيل مجرد الدُّعاء لا ينافي مشروعيَّة الصَّلاة. وفيه أنَّ أبا حنيفة رحمه الله لم يقل إن الصَّلاة فيه غير مشروعة، بل إنه يقول إنَّها ليست بسنَّة، وما ورد في أحاديث الصَّلاة؛ فلبيان الجواز، ولقد مرَّ الكلام فيه [خ¦1012] ، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل في نسخة ما على السماء.