1029 - (قَالَ) وفي رواية (أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن بلال شيخ المؤلِّف، وإنَّما ذكره بصيغة التَّعليق؛ لأنَّه سمعه عنه عند المحاورة والمذاكرة، أو لأنَّه سمعه عن غيره بإسناده إليه. وقد وصله أبو نُعيم الحافظ فقال حَدَّثنا أبو أحمد محمَّد بن أحمد حَدَّثنا موسى بن العبَّاس، وإسحاق الحربي، قالا حَدَّثنا محمَّد بن إسماعيل التِّرمذي حَدَّثنا أيوب بن سليمان حَدَّثنا أبو بكر، فذكره. وقال ذكره البخاري، وقال وقال أيُّوب بن سليمان بلا رواية.
وقال الإسماعيليُّ أنا موسى بن العبَّاس نا أبو إسماعيل نا أيُّوب بن سليمان، وعنده «حبس المسافر، وانقطع الطَّريق» .
وقال البيهقي أنا أبو القاسم عبد الخالق المؤذِّن أنا أبو بكر محمَّد بن أحمد أنا أبو إسماعيل التِّرمذي نا أيُّوب بن سليمان، وفيه «فأتى الرَّجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بشق المسافر، ومنع الطَّريق ... » ، الحديث.
(حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضم الهمزة، هو أبو بكر عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس بن مالك الأصبحي المدني القاضي، أخو إسماعيل بن أبي أويس (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ) هو أبو أيُّوب المذكور.
(قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس أبو سعيد المدني الأنصاري القاضي، وفي رواية (قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ) وفي رواية .
(مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ) فيه تضعيف قول من قال إنَّه العبَّاس (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وهو قائم يخطب فاستقبله قائمًا (فَقَالَ) وفي رواية (يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ)
ج 5 ص 304
وقد سبق في باب «الدُّعاء إذا كثر المطر» قال (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة، فقام النَّاس، فصاحوا فقالوا يا رسول الله قحط المطر ) ) [خ¦1021] .
والجمع بين الرِّوايتين أنَّ الرَّجل قام أولًا فتبعه النَّاس، وكذا في الجمعة الأخرى، أو أنَّهم صاحوا، فقام الرَّجل، فتكلَّم عنهم، أو المراد بالنَّاس الرَّجل؛ لأنَّه لما كان نائبًا عنهم عبَّر عنه بهم، وكأنَّهم هم الذين صاحوا، قاله ابن التِّين.
وإذا قلنا بتخصيص الرَّجل الأعرابي بالكلام، فترك خواص الصَّحابة رضي الله عنهم لذلك لكون مقامهم يقتضي الرِّضا والتَّسليم، بخلاف مقام السَّائل، فإنَّه مقام فقر وتمسكن.
(هَلَكَ) وفي رواية (الْعِيَالُ، هَلَكَ النَّاسُ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ) حال كونه (يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ) وفي رواية (يَدْعُونَ) واستُدِلَّ بهذا الحديث على استحباب رفع اليدين في الدُّعاء للاستسقاء، وهل يرفع في غيره من الأدعية أو لا؟
الصَّحيح الاستحباب؛ لأنَّه خضوع وتضرُّع إلى الله تعالى. وقد رُوِي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ الله حيي يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردَّهما صفرًا ) ). وقد ورد أنَّه صلى الله عليه وسلم رفع يديه في مواضع كثيرة
منها أنَّه رفعهما في قصَّة خالد بن الوليد قائلًا (( اللَّهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالد ) )رواه البخاري [خ¦4339] والنَّسائي.
ومنها أنَّه رفعهما على الصَّفا رواه مسلم.
ومنها أنَّه رفعهما ثلاثًا بالبقيع مستغفرًا لأهله، رواه البخاري [1] ومسلم.
ومنها أنَّه رفعهما حين تلا قوله تعالى {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم 36] الآية قائلًا (( اللَّهم أمَّتي أمَّتي ) )رواه مسلم.
ومنها أنَّه رفعهما لمَّا بعث جيشًا فيهم علي رضي الله عنه قائلًا (( اللَّهم لا تمتني حتَّى تريني عليًّا ) )رواه التِّرمذي.
ومنها أنَّه رفعهما لمَّا جمع أهل بيته، وألقى عليهم الكساء قائلًا (( اللَّهم هؤلاء أهل بيتي ) )رواه الحاكم.
وقد جمع النَّووي في «شرح المهذَّب» نحوًا من ثلاثين حديثًا في ذلك من «الصَّحيحين» ، وغيرهما. وللمنذري فيه جزء
وأمَّا الحديث المروي في «الصَّحيحين» وغيرهما الآتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي أنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدُّعاء إلَّا في الاستسقاء، فإنَّه كان يرفع يديه حتَّى يرى بياض إبطيه [خ¦1031] ، فمعارض بما ذكر من الأحاديث السَّابقة آنفًا، فيحمل النَّفي في هذا الحديث على صفة مخصوصة كالرَّفع البليغ كما يدلُّ عليه قوله (( حتَّى يُرى بياض إبطيه ) ). وكجعل ظهر كفَّيه إلى السَّماء
ج 5 ص 305
كما روى مسلم (( أنَّه استسقى صلى الله عليه وسلم فأشار بظهر كفِّه إلى السَّماء ) )، أو على نفي رؤية الرَّاوي لذلك، وهو لا يستلزم نفي رؤية غيره، ورواية المثبت مقدَّمة على النَّافي.
والحاصل أنَّه يستحب الرَّفع في كل دعاء إلا ما جاء من الأدعية مقيَّدًا بما يقتضي عدمه كدعاء الرُّكوع والسُّجود، ونحوهما. ورُوِي عن الإمام مالك أنَّه لم يرفع يديه إلَّا في دعاء الاستسقاء خاصة، وكان يرى أيضًا رفعهما فيه، وبطونهما إلى الأرض.
وفي مسلم وأبي داود عن أنس رضي الله عنه (( أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يستسقي هكذا _ ومدَّ يديه _ وجعل بطونهما ممَّا يلي الأرض حتَّى رأيت بياض إبطيه ) )، وذلك العمل عند الاستكانة والخوف، وهو الرَّهب. وأمَّا عند الرغبة والسُّؤال فبسط الأيدي، وهو الرَّغب، وهو معنى قوله تعالى {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء 90] .
قال النَّووي قال جماعة من أصحابنا وغيرهم السنَّة في كلِّ دعاء لرفع بلاء كالقحط أن يرفع يديه، ويجعل ظهر كفَّيه إلى السَّماء، فإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطونهما إلى السَّماء، وذلك تفاؤلًا ليقلب الحال ظهرًا لبطن، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرِّداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السَّحاب إلى الأرض ليصيب المطر.
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَمَا خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا) على البناء للمفعول بدون همزة (فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ) بضم النون وفتح الطاء على صيغة المجهول (حَتَّى كَانَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ) المذكور أولًا، إذ اللام في مثله للعهد عن النكرة السَّابقة غالبًا، لكن رواية ابن عساكر صارفة لتعيينه مثبتة للتردُّد فيه كما مرَّ أنَّ أنسًا رضي الله عنه قال «لا أدري أهو الرَّجل الأوَّل أم غيره» [خ¦1014] ، لكن لا منافاة بينهما، إذ ربَّما نسي ثمَّ تذكَّر، أو كان ذاكرًا ثمَّ نسي، والله أعلم.
(إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَشِقَ الْمُسَافِرُ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وفي آخره قاف؛ أي ملَّ كما فسَّره البخاري، وفي رواية بفتح المعجمة.
قال الخطَّابي بشق ليس بشيء إنَّما هو لثق المسافر من اللثق _ بالثاء المثلثة _، وهو الوحل، يقال لثق الثَّوب إذا أصابه ندى المطر ولطخ الطِّين. ويحتمل أن يكون مشق _ بالميم _، فحسبه السَّامع بشق لتقارب مخرجي الباء والميم، يريد أنَّ الطَّريق صارت مزلة زلقًا، ومنه مشق الخط.
وقال ابن بطَّال وذكر الرُّواة في هذا الحديث (( بشق المسافر ) )بالباء الموحدة ولم أجد له في اللُّغة معنى، ووجدت في «نوادر اللَّحياني» (( نشق ) )بالنون وكسر الشين بمعنى نشب، وعلى هذا يصح المعنى في قوله «ومنع الطَّريق» .
قال صاحب «التَّلويح» وفيه نظر؛ لما ذكره أبو محمَّد في كتاب «الرَّاعي
ج 5 ص 306
في الحديث» (( بشق المسافر ) )رواه المستملي في «صحيح البخاري» كذا؛ يعني بالباء الموحدة، ومعنى بشق مل.
وفي «المنضد» لكراع بشق تأخَّر ولم يتقدَّم، قال فمعنى بشق المسافر ضعف عن السَّفر وعجز عنه؛ لكثرة المطر.
وقال صاحب «المجمل» بشق الظَّبي في الحبالة علق، ورجل بشق، وقع في الأمر لا يكاد يتخلَّص عنه. (وَمُنِعَ الطَّرِيقُ) .
1030 - (وقَالَ الأُوَيْسِيُّ) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون المثناة التحتانية وبالسين المهملة، هو عبد العزيز بن عبد الله، وقد تقدَّم في باب «الحرص على الحديث» [خ¦99] .
(حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن كثير المدني (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وشَرِيكٍ) هو ابن عبد الله بن أبي نمر قالا (سَمِعْنَا أَنَسًا) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ) أي كما في رواية ابن عساكر (يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) وفي رواية ابن عساكر .
استدلَّ به غير واحد على خصوصيَّته صلى الله عليه وسلم ببياض إبطيه. وعورضِ بقول عبد الله بن أقوم الخزاعي كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد، رواه التِّرمذي وحسَّنه، وغيره.
والعفرة بياض ليس بالنَّاصع. نعم الذي يُعتَقد فيه صلى الله عليه وسلم أنَّه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان رائحته كرائحة العطر، كما ثبت في «الصَّحيح» . ثمَّ هذا التَّعليق وصله أبو نُعيم في «المستخرج» .
ثمَّ إنَّه ثبت هنا في رواية المستملي، وثبت في رواية أبي الوقت، وكريمة في آخر الباب. وسقط بالكليَّة عند بقية الرُّواة، وهو مذكور عند الجميع في كتاب «الدَّعوات» .
[1] لم أره في البخاري.