89 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة بالمهملة والزاي، وقد تقدما في «الوحي» [خ¦7] (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (ح) للتحويل.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) يريد المؤلف نفسه، وهو ساقط في رواية (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ) وهو عبد الله بن وهب المصري، وقد تقدم في باب «من يرد الله به خيرًا» [خ¦71] ، وهذا التعليق وصله ابن حبان في «صحيحه» عن ابن قتيبة، عن حرملة، عن عبد الله بن وهب بسنده المذكور هنا، وليس في روايته قول عمر رضي الله عنه (( كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول ) )وهو مقصود هذا الباب. وإنما وقع ذلك في رواية شعيب وحده عن الزهري، نصَّ على ذلك الذهلي والدارقطني والحاكم وغيرهم.
(أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيلي، وقد سبق في «بدء الوحي» [خ¦4] ، قد ساق المصنف الحديث في كتاب «النكاح» [خ¦5191] عن أبي اليمان وحده أتم مما هنا بكثير، وإنما ذكر هنا رواية يونس؛ ليبين أن الحديث ليس كله من أفراد شعيب.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هو الزهري المذكور في الموصول، وغاير بين اللفظين تنبيهًا على قوة محافظته ومراعاته على ما سمعه من الشيوخ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بفتحها (بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) بالمثلثة المفتوحة القرشي النوفلي التابعي الثقة، روى له الجماعة، وقد اشترك معه في اسمه واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عباس، وفي رواية الزهري عنهما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، لكن روايته عن ابن عباس كثيرة في «الصحيحين» ، وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ) رضي الله عنهما.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها أنه فيه رواية التابعي عن التابعي، ومنها أن فيه رواية الصحابي
ج 1 ص 560
عن الصحابي.
وقد أخرج متنه في «النكاح» [خ¦5191] ، و «المظالم» [خ¦2468] ، و «التفسير» أيضًا [خ¦4916] ، وأخرجه مسلم في «الطلاق» ، والترمذي في «التفسير» ، والنسائي في «الصوم» ، و «عِشرة النساء» .
(قَالَ) ؛ أي إنه قال (كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ) كائنٌ (لِي) بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع المؤكد؛ لأنه إذا عطف على الضمير المرفوع المتصل أكد أولًا بمنفصل؛ لئلا يلزم عطف الاسم على جزء الفعل هذا عند البصرية، وأما عند الكوفيين فلا حاجة إلى التأكيد، ويجوز فيه النصب على معنى المعيَّة.
واسم هذا الجار عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلاني الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه على ما قاله الشيخ قطب الدين بن القسطلاني، ولم يذكر دليله. وقال ابن بشكوال إنه أوس بن خولي، وعلل بأن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عمر رضي الله عنه، لكن لا يلزم من المؤاخاة الجوار.
(مِنَ الأَنْصَارِ، فِي بَنِي أُمَيَّةَ) أي في هذه القبيلة، أو في ناحية بني أمية سميت البقعة باسم من نزلها، وفي رواية (بْنِ يَزِيْد بْنِ زَيْدٍ) والأنصار جمع نصير، أو ناصر، وهم عبارة عن الصحابة الذين آووا ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة رضي الله عنهم، وهو اسم إسلامي سمَّى الله تعالى به الأوس والخزرج، ولم يكونوا يُدْعَون الأنصار قبل نصرتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قبل نزول القرآن بذلك.
(وَهْيَ) ؛ أي هذه القبيلة، وفي رواية أي هذا الموضع، (مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ) ؛ جمع عالية، وعوالي المدينة عبارة عن قرى تقرب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوقها من جهة الشرق، وأقربها إلى المدينة على ميلين، أو ثلاثة أميال، أو أربعة وأبعدها ثمانية.
وفي الصحاح العالية ما فوق نجد إلى أرض تهامة، وإلى ما وراء مكة وهي الحجاز، وما والاها، والنسبة إليها عالي، ويقال أيضًا علوي على غير قياس، ويقال عالى الرجل وأعلى إذا أتى عالية نجد.
(وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ) بالنصب على المفعولية (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْزِلُ) أي صاحبي وجاري (يَوْمًا) نصب على الظرفية؛ أي من العوالي إلى المدينة، وإلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتعلم العلم
ج 1 ص 561
من الشرائع ونحوها.
(وَأَنْزِلُ يَوْمًا) كذلك (فَإِذَا نَزَلْتُ) أنا (جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ) هو (فَعَلَ) معي (مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ) بالرفع صفة «صاحبي» ، فإن قيل النسبة إلى الجمع ترده إلى المفرد فينسب إليه، فالجواب أن الأنصار هنا صار عَلَمًا لهم فهو كالمفرد، فلهذا نسب إليه بدون الرد.
(يَوْمَ نَوْبَتِهِ) ؛ أي يومًا من أيام نوبته، فسمع اعتزال الرسول صلى الله عليه وسلم عن زوجاته حين عاتبه الله عز وجل بقوله {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم 1] فقال (( ما أنا بداخل عليهن شهرًا ) )من شدة موجدته عليهن، كما سيجيء في «النكاح» [خ¦5191] ، فرجع إلى العوالي فجاء إلى بابي.
(فَضَرَبَ) ومثل هذه الفاء تسمى فصيحة، وقد مرّ أمثالها (بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ أَثَمَّه هُوَ) بفتح المثلثة وتشديد الميم اسم يشار به إلى المكان البعيد نحو قوله تعالى {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ} [الشعراء 64] ، وهو ظرف لا يتصرف، ولذا غلط من أعربه مفعولًا لرأيت في قوله تعالى {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ} [الإنسان 20] .
(فَفَزِعْتُ) بكسر الزاي؛ أي خفت لأجل الضرب الشديد فإنه كان على خلاف العادة، فالفاء تعليلية. وللمؤلف في «التفسير» (( قال عمر رضي الله عنه كنا نتخوف ملكًا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، وقد امتلأت صدورنا منه، فتوهمت لعله جاء إلى المدينة فخفت لذلك ) ) [خ¦4913] .
(فَخَرَجْتُ) الفاء للعطف وتحتمل السببية؛ لأن فزعه كان سببًا لخروجه (فَقَالَ) أي الأنصاري (قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ) ووجه كونه عظيمًا كونه مظنة الطلاق لا سيما بالنسبة إلى عمر رضي الله عنه، فإن بنته إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم. وفي أصل الحديث بعد قوله «أمر عظيم» (( طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قلت قد كنت أظن أن هذا كائن حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت ) ) [خ¦2468] أي من العوالي فجئت إلى المدينة.
(فَدَخَلْتُ) فالفاء في قوله «فدخلت» فصيحة تفصح عن المقدر؛ أعني قوله «فجئت إلى المدينة» ، وأما قوله «طلق ... إلى قوله ثم نزلت» فثابت في أصل الحديث، لكنه لم يذكر هنا اختصارًا، فظهر من هذا التقرير أن قوله «فدخلت» من كلام عمر رضي الله عنه، لا من كلام الأنصاري كما يوهمه ما وقع من الاختصار، وفي رواية بدون الفاء، وفي أخرى .
(عَلَى حَفْصَةَ) أم المؤمنين بنت عمر رضي الله عنهما، وكانت تحت خَنَيس _ بالخاء المعجمة المفتوحة وفتح النون والسين المهملة _ السهمي، هاجرت معه ومات عنها، فلما تأيمت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوجها سنة ثلاث أو اثنتين من الهجرة، ولما طلقها نزل عليه الوحي بأن راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة، توفيت سنة إحدى وأربعين، أو خمس وأربعين، وصلى عليها
ج 1 ص 562
مروان بن الحكم، روي لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ستون حديثًا، أخرج البخاري منها ثلاثة [خ¦324] [خ¦618] [خ¦1566] [خ¦1828] وغيرها.
(فَإِذَا) للمفاجأة (هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ) بحذف حرف الاستفهام، وقد ثبت في رواية (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ) حفصة رضي الله عنها (لاَ أَدْرِي) ولا أعلم أنه طلقني.
(ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ) يا رسول الله (أَطَلَّقْتَ) بهمزة الاستفهام، وقيل بحذفها (نِسَاءَكَ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ، فَقُلْتُ) وفي رواية بدون الفاء (اللَّهُ أَكْبَرُ) تعجبًا من كون الأنصاري ظن أن اعتزاله صلى الله عليه وسلم عن نسائه طلاقًا، أو ناشئًا عن الطلاق، فأخبر عمر رضي الله عنه بالطلاق بحسب ظنه، ولهذا سأل عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطلاق، فلما رأى عمر رضي الله عنه أن صاحبه لم يصب في ظنه تعجب منه بلفظ «الله أكبر» .
وفي الحديث فوائد منها الحرص على طلب العلم. ومنها أن لطالب العلم أن ينظر في معيشته وما يستعين على طلب العلم، ومنها قبول خبر الواحد والعمل بمراسيل الصحابة، ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم كان يخبر بعضهم بعضًا بما يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعلون ذلك كالمسند، إذ ليس في الصحابة من يكذب ولا غير ثقة، ومنها جواز ضرب الباب ودقه، ومنها جواز دخول الآباء على بناتهن من غير إذن أزواجهن والتفتيش عن أحوالهن سيما عما يتعلق بالمزاوجة، ومنها جواز السؤال قائمًا، ومنها التناوب في العلم والاشتغال به، ويستفاد من الحديث أيضًا أن شرط التواتر أن يكون مستند نَقَلَتِه الأمر المحسوس، لا الإشاعة التي لا يدرى من بدأ بها.