فهرس الكتاب

الصفحة 1656 من 11127

1044 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ)

ج 5 ص 338

القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنس إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه.

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء المعجمة والسين المهملة على البناء للفاعل (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) أي في زمنه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى) بالفاء (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ) صلاة الخسوف.

استدلَّ به بعضهم على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يُحافظ على الوضوء، فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال. وقيل فيه نظر؛ لأنَّ في السِّياق حذفًا؛ لأنَّ في رواية ابن شهاب (( خسفت فخرج إلى المسجد فصف النَّاس وراءه ) ). وفي رواية عَمْرة (( فخسفت فرجع ضحى فمرَّ بين الحُجر ثمَّ قام يصلِّي ) ). انتهى.

وقال العيني هذا الذي ذكره لا يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان على الوضوء أو لم يكن، ولكن حاله يقتضي وجلالة قدره تستدعي كونه على محافظة الوضوء.

(فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ) أي لطول القراءة فيه، يدلُّ عليه رواية ابن شهاب «فاقترأ قراءة طويلة» [خ¦1046] ، ومن وجه آخر (( فقرأ سورة طويلة ) ) [خ¦1212] . وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما على ما سيأتي (( فقرأ نحوًا من سورة البقرة في الرَّكعة الأولى ) ) [خ¦5197] .

ونحوه لأبي داود من طريق سليمان بن يسار عن عروة، وزاد (( أنَّه قرأ في القيام الأوَّل في الركعة الثَّانية نحوًا من آل عمران ) ).

وعند الشَّافعية يستفتح القراءة في الرَّكعة الأولى والثَّانية بأم القرآن، وكذا الثَّالثة والرَّابعة عندهم. وقال مالك يقرأ السُّورة. وفي الفاتحة قولان قال مالك نعم، وقال ابن مسلمة لا.

(ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) بالتسبيح، وقد قُدِّر بمئة آية من البقرة (ثُمَّ قَامَ) من الرُّكوع (فَأَطَالَ الْقِيَامَ) وفي رواية ابن شهاب (( ثمَّ قال سمع الله لمن حمده ) ) [خ¦1046] وزاد من وجه آخر (( ربنا ولك الحمد ) ) [خ¦1046] .

وقيل استُدِلَّ به على استحباب الذِّكر المشروع في الاعتدال في أوَّل القيام الثَّاني من الرَّكعة الأولى. وقال بعضهم واستشكله بعض متأخِّري الشَّافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال بدليل اتِّفاق العلماء ممَّن قال بزيادة الرُّكوع في كلِّ ركعة على قراءة الفاتحة فيه.

وقال العيني هذا المستشكل هو صاحب «المهمَّات» ، وقوله بدليل اتِّفاق العلماء، فيه نظر؛ لأنَّ محمَّد بن مسلمة من المالكيَّة ممَّن قال بزيادة الرُّكوع في كلِّ ركعة، ولم يقل بقراءة الفاتحة فيه، كما مرَّ عن قريب.

ج 5 ص 339

وأجاب عن ذلك الشَّيخ زين الدِّين العراقي بقوله ففي استشكاله نظر؛ لصحَّة الحديث فيه، بل لو زاد الشَّارع عليه ذكرًا آخر لما كان مشكلًا.

(وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ) الذي ركع منه (ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) بالتسبيح أيضًا (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) وقدَّروه بثمانين آية من البقرة (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ) وهو ظاهر في تطويله.

قال أبو عمر عن مالك لم أسمع أنَّ السُّجود يُطَّول في صلاة الكسوف، وهو مذهب الشَّافعي، ورأت فرقة من أهل الحديث تطويل السُّجود في ذلك. وحكى التِّرمذي عن الشَّافعي أنَّه يقيم في كلِّ سجدة من الرَّكعة الأولى نحوًا ممَّا أقام في ركوعه، وقال في الرَّكعة الثَّانية ثمَّ سجد سجدتين، ولم يصف مقدار إقامته فيهما، فيحتمل أن يريد مثل ما تقدَّم في سجود الرَّكعة الأولى. ويحتمل أنَّه كسجود سائر الصَّلوات.

وقال الرافعي وهل يُطوِّل السُّجود في هذه الصَّلاة فيه قولان، ويقال وجهان، أظهرهما لا كما لا يزيد في التشهُّد، ولا يطوِّل القعدة بين السَّجدتين، والثَّاني نعم، وبه قال ابن شُريح.

ويُحكى عن البويطي، وقد صحَّح النَّووي خلافه في «الرَّوضة» فقال الصَّحيح المختار أنَّه يطوله، وكذا صحَّحه في «شرح المهذَّب» .

وقال الشَّيخ الحافظ زين الدِّين العراقي إن قلنا بتطويل السُّجود في صلاة الكسوف، فما مقدار الإقامة فيه؟ فالذي ذكره التِّرمذي عن الشَّافعي أنَّه قال ثمَّ سجد سجدتين تامَّتين ويقيم في كلِّ [1] سجدة نحوًا ممَّا أقام في ركوعه، وهي رواية البويطي عن الشَّافعي أيضًا، إلَّا أنَّه زاد بعد قوله تامَّتين طويلتين، وهو الذي جزم به النَّووي في «المنهاج» .

(ثُمَّ فَعَلَ) صلى الله عليه وسلم (فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) وفي رواية (مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى) من تطويل القيامين والرُّكوعين، وقدَّروا القيام الأوَّل من الرَّكعة الثَّانية بنحو سورة النِّساء، والقيام الثَّاني منها بنحو سورة المائدة، وقَدَّروا الرُّكوع الأوَّل منها بسبعين آية، والرُّكوع الثَّاني منها بخمسين آية، وكل ذلك تقريبي لثبوت التَّطويل من الشَّارع بلا تقدير.

واستُشكِل تقدير القيام الأوَّل من الرَّكعة الثَّانية بالنِّساء مع كون المختار أن يكون هو أقصر من القيام الثَّاني من الرَّكعة الأوَّلى، والنِّساء أطول من آل عمران.

قال النَّووي اتَّفقوا على أنَّ القيام الثَّاني، والرُّكوع الثَّاني من الرَّكعة الأولى أقصر من القيام الأوَّل والرُّكوع الأوَّل منها، وكذا القيام الثَّاني والرُّكوع الثَّاني

ج 5 ص 340

أقصر [من الأول] منهما من الثَّانية.

واختلفوا في القيام الأوَّل، والرُّكوع الأوَّل من الرَّكعة الثَّانية هل هما أقصر من القيام الثَّاني، والرُّكوع الثَّاني من الرَّكعة الأولى. انتهى.

(ثُمَّ انْصَرَفَ) صلى الله عليه وسلم من الصَّلاة (وَقَدِ تجَلَّتِ الشَّمْسُ) بالمثناة الفوقية وتشديد اللام؛ أي صَفَتْ وانكشفت وعاد نورها. وفي رواية ابن شهاب (( وقد انجلت الشَّمس قبل أن ينصرف ) )، وفي رواية (( ثمَّ تشهَّد وسلَّم ) ).

(فَخَطَبَ النَّاسَ) خطبتين كالعيد، وهذا صريح في استحبابها، وبه قال الشَّافعي وإسحاق وابن جرير وفقهاء أصحاب الحديث، وتكون بعد الصَّلاة.

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله لا خطبة فيها قالوا لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصَّلاة، والتَّكبير، والصَّدقة، ولم يأمرهم بالخطبة، ولو كانت سُنَّة لأمرهم بها، ولأنَّها صلاة يفعلها المنفرد في بيته، فلم يُشرع لها خطبة، وإنَّما خطب صلى الله عليه وسلم بعد الصَّلاة ليعلِّمهم حكمها، وكأنَّه مختصٌّ به صلى الله عليه وسلم. وقيل خطب بعدها لا لها، بل ليردَّهم عن قولهم إنَّ الشَّمس كسفت لموت إبراهيم، كما في الحديث.

وقال الحافظ العسقلاني والعجب أنَّ مالكًا رحمه الله روى حديث هشام هذا، وفيه التَّصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه.

وقال العيني هذا ليس بعجب، فإنَّ مالكًا وإن كان قد رواها فيه، ولكن علَّلها لما قلنا، فلم يقل بها، وتبعه أصحابه فيه.

(فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) زاد النَّسائي من حديث سَمُرة (( وشهد أنَّه عبد الله ورسوله ) ) (ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَنْخَسِفَانِ) بنون ساكنة بعد المثناة التحتية وبالخاء، وفي رواية بإسقاط النون (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من النَّاس (وَلاَ لِحَيَاتِهِ) وإنَّما يخوِّف الله بكسوفهما عباده.

(فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) الكسوف في أحدهما (فَادْعُوا اللَّهَ) كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره (وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا) وهذا هو موضع التَّرجمة.

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ) قيل فيه معنى الإشفاق كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله يا بنيَّ.

وتعقَّبه العيني بأنَّه ليس هذا مثل المثال الذي ذكره، فلو كان قال يا أمَّتي بالنِّسبة إليه؛ لكان من هذا الباب، وإنَّما هذا يُشبه أن يكون من باب التَّجريد كأنَّه أبعدهم عنه، فخاطبهم بهذا الخطاب؛ لأنَّ المقام مقام التَّخويف والتَّحذير.

ج 5 ص 341

(وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ) بنصب «أغيرَ» على أنه خبر «ما» النافية الحجازيَّة، و «أحدٌ» مرفوع المحل على أنَّه اسمها، وكلمة «من» زائدة لتأكيد العموم، ويجوز أن يكون «أغيرُ» مرفوعًا على أنَّه صفة «أحد» باعتبار المحل، والخبر محذوف؛ أي موجود. ويجوز أن يكون مجرورًا بالفتحة على أنَّه صفة «أحد» باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون مرفوعًا على أنَّه خبر للمبتدأ أعني قوله «أحد» على أن كلمة «ما» تميمية.

وقوله (أَنْ يَزْنِيَ) متعلِّق بقوله «أغير» على تقدير «في» أو «على» ، وحذف الجار من [قبل] «أن» قياس مستمر (عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ) وقوله «أغير» أفعل التفضيل من الغيرة، وهي تَغيُّرٌ يحصل من الحميَّة والأنفة، وأصلها في الزُّوجين، وذلك محالٌ على الله عزَّ وجلَّ، وهو مجاز محمول على غاية إظهار غضبه على الزَّاني.

وقيل لمَّا كانت ثمرة الغيرة ولازمها هو صون الحريم، ومنعهم وزجرهم ممَّن يقصدهم، وزجر من يقصد إليهم أطلق ذلك؛ لكونه منع من فعل ذلك، وزجر فاعله زجرًا شديدًا وتوعَّده، فهو من باب تسمية الشَّيء بما يترتَّب عليه، فيكون زيادة الغيرة بمعنى زيادة المنع، والزِّيادة هنا حقيقة؛ لأنَّ صفات الأفعال عندنا حادثة تقبل التَّفاوت.

ويمكن أن يؤول بإرادة الانتقام؛ لتكون من صفات الذَّات والتفضيل هنا مجازي؛ لأنَّ القديم لا يتفاوت، إلَّا أن يراد التَّفاوت باعتبار التعلُّق.

وقال ابن فورك المعنى ما أحد أكثر زجرًا عن الفواحش من الله تعالى. وقال ابن دقيق العيد أهل التَّنزيه في مثل هذا على قولين إمَّا ساكت، وإمَّا مؤول على أنَّ المراد من الغيرة شدَّة المنع والحماية. وقيل معناه ليس أحد أمنع من المعاصي من الله، ولا أشدُّ كراهة لها منه.

ويجوز أن يكون هذا استعارة مصرَّحة تبعية قد شبَّه حالة ما يفعل الله بعبده الزَّاني من الانتقام وحلول العقاب بحالة ما يفعله السيِّد بعبده الزَّاني من الجَلْد والتَّعزير، وعلى كلِّ حال استعمل هذا اللَّفظ جاريًا على ما أُلِف من كلام العرب.

قال الطِّيبي ما حاصله إنَّ وجه اتِّصال هذا الكلام، وتعلُّقه بما قبله هو أنَّه صلى الله عليه وسلم لما خوف أمَّته من الكسوف، وأمرهم باستدفاع البلاء بالذِّكر والصَّلاة والصَّدقة، وحرَّضهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بذلك أراد أن يردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب حدوث البلاء. وخصَّ منها الزِّنا؛ لأنَّه أعظمها، وميل النَّفس إليها أكثر من ميلها إلى غيره.

وقيل لمَّا كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدُّها تأثيرًا في إثارة النُّفوس وغلبة الغضب، ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة ربِّ الغيرة وخالقها. ولعلَّ تخصيص العبد

ج 5 ص 342

والأمة بالذِّكر رعاية لحسن الأدب؛ لأنَّ أصل الغيرة على ما مرَّ من الأهل والزَّوج، وجنابه الأقدس منزَّه عنهما، والله أعلم.

(يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من عظمة الله، وعظيم انتقامه من أهل الجرائم، وشدَّة عقابه، وأهوال القيامة وأحوالها كما علمته (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) أي لما ضحكتم أصلًا، والعلَّة هنا بمعنى العدم كما في قوله تعالى {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} [التوبة 82] .

(وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) أي بكاء غير منقطع، وتصدير كلامه بقوله «والله» في الموضعين؛ لإرادة التَّأكيد لخبره، وإن كان لا يُرتاب في صدقه صلى الله عليه وسلم. وقيل معنى هذا الكلام لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه ولطفه وكرمه ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم في ذلك.

وقيل إنَّما خصَّ نفسه صلى الله عليه وسلم بعلمٍ لا يعلمه غيره؛ لأنَّه لعله [أن يكون ما] رآه حينئذٍ من النَّار في عرض الحائط، ورأى فيها منظرًا شديدًا لو علمت أمَّته في ذلك ما علم لكان ضحكهم قليلًا، وبكاؤهم كثيرًا إشفاقًا وخوفًا.

ومن فوائد الحديث المبادرة بالصَّلاة والذِّكر والتَّكبير والصَّدقة عند وقوع كسوف وخسوف ونحوهما من زلزلة، وظلمة شديدة، وريح عاصف، ونحو ذلك من الأهوال.

ومنها الزَّجر عن كثرة الضَّحك، والتَّحريض على كثرة البكاء. ومنها الرَّدُّ على من زعم أنَّ للكواكب تأثيرًا في حوادث الأرض على ما مرَّ. ومنها اهتمام الصَّحابة رضي الله عنهم بنقل أفعال النَّبي صلى الله عليه وسلم ليُقتدى به فيها. ومنها الأمر بالدُّعاء، والتضرُّع في سؤاله. ومنها التَّحريض على فعل الخيرات، ولاسيما الصَّدقة، إذ نفعها متعدٍّ.

ومنها عظة الإمام عند الآيات، وأمرهم بأعمال البرِّ.

ومنها أنَّ صلاة الكسوف ركعتان، ولكن على هيئة مخصوصة من تطويل زائد في القيام وغيره على العادة، ومن زيادة ركوعٍ في كلِّ ركعة.

قال الحافظ العسقلاني والأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا، وقد وافق عائشة على رواية ذلك عبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما كما مرَّ. وعن جابر رضي الله عنه عند مسلم، وعن علي رضي الله عنه عند أحمد، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عند النَّسائي. وعن ابن عمر رضي الله عنهما عند البزَّار، وعن أمِّ سفيان رضي الله عنها عند الطَّبراني.

وتعقَّبه العيني بأنَّه لم سكت هذا القائل عن حديث أبي بكرة رضي الله عنه الذي صدَّره البخاري في هذا الباب [خ¦1040] ،

ج 5 ص 343

ورواه النَّسائي أيضًا، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي رواه ابن خزيمة في «صحيحه» .

وحديث عبد الرَّحمن بن سَمُرة عند مسلم، وحديث سَمُرة بن جندب عند الأربعة، وحديث النُّعمان بن بشير عند الطَّحاوي، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عنده أيضًا، وعند أبي داود، وأحمد. وحديث قَبيصة الهلالي عند أبي داود رضي الله عنهم، وقد ذُكِر جميع ذلك مستقصى [خ¦1040] .

فأحاديث هؤلاء كلَّها تدلُّ على أنَّ صلاة الكسوف ركعتان كهيئة النَّافلة من غير زيادة على ركوعين. فإن قيل أحاديث هؤلاء غاية ما في الباب أنَّها تدلُّ على أنَّ صلاة الكسوف ركعتان [2] ، والخصم قائل به، وليس فيها ما ينفي ما ذهب إليه الخصم من الزِّيادة.

فالجواب أنَّ في أحاديثهم نصًّا على الرَّكعتين مطلقًا، والمطلق ينصرف إلى الكامل، وهي الصَّلاة المعهودة من غير الزِّيادة المذكورة، مع أنَّهم لم يقولوا بإلغاء تلك الزِّيادة، وإنَّما اختاروا ما ذهبوا إليه لموافقته القياس.

ويؤيِّد ذلك ما رواه الطَّحاوي عن علي رضي الله عنه أنَّه كان يقول فرض النَّبي صلى الله عليه وسلم أربع صلوات صلاة الحضر أربع ركعات، وصلاة السَّفر ركعتين، وصلاة الكسوف ركعتين، وصلاة المناسك ركعتين، وقد قُرنت صلاة الكسوف بصلاة السَّفر، وصلاة المناسك، وفي ركعة كلِّ واحدة منهما ركوع واحد بلا خلاف، فكذلك صلاة الكسوف، ولاسيَّما على قول من يقول إنَّ القرآن في النَّظم يُوجب القرآن في الحكم، فإن قالوا الزِّيادة المذكورة ثبتت في رواية الحفَّاظ الثِّقات؛ فوجب قبولها والعمل بها.

فالجواب أنَّه قد ثبت عند مسلم عن عائشة وجابر رضي الله عنهما أنَّ في كلِّ ركعة ثلاث ركوعات. وعنده عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ في كلِّ ركعة أربع ركوعات. وعند أبي داود عن أبي بن كعب. وعند البزَّار عن علي رضي الله عنهما أنَّ في كلِّ ركعة خمس ركوعات، فما كان جوابهم عن هذه؛ فهو جوابنا عن تلك.

ثمَّ إنَّ الحافظ العسقلاني نقل عن ابن القيِّم صاحب «الهدي» أنَّه نقل عن الشَّافعي وأحمد والبخاري أنَّهم كانوا يعدون الزِّيادة على الرُّكوعين في كلِّ ركعة غلطًا من بعض الرُّواة، وفيه أنَّه ينبغي أن لا يُعتبر هذا؛ لأنَّه ثبت في «صحيح مسلم» ثلاث ركعات

ج 5 ص 344

وأربع ركعات كما ذكر الآن.

[1] من قوله (( فالذي ذكره. .. إلى قوله ويقيم في كل ) )ليس في (خ) .

[2] من قوله (( كهيئة النافلة. .. إلى قوله الكسوف ركعتان ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت