فهرس الكتاب

الصفحة 1664 من 11127

1048 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفي، وفي نسخة سقط «ابن سعيد» (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديُّ الجهضمي البصري (عَنْ يُونُسَ) بن عبيد (عَنِ الْحَسَنِ) البصري.

(عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث رضي الله عنه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لمَّا كسفت الشَّمس، وقالوا إنَّما كسفت لموت إبراهيم ابن النَّبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) يعني كسوفهما؛ لأنَّ التَّخويف إنَّما هو بكسوفهما، وإن كان كل شيء من خلقه آية من آياته.

(لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ) وفي رواية زيادة قوله ، ويروى بحذف اللام، وذلك لأنَّهما خلقان مسخَّران ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدَّفع عن أنفسهما.

(وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا) أي بالكسفة، وفي رواية (عِبَادَهُ) وفي رواية . فالكسوف من آياته المخوِّفة أمَّا أنَّه آية من آيات الله؛ فلأنَّ الخلق عاجزون عن ذلك، وأمَّا أنَّه من آياته المخوفة؛ فلأنَّ تبديل النُّور بالظُّلمة تخويف، والله تعالى إنَّما يخوِّف عباده ليتركوا المعاصي، ويرجعوا إلى طاعته التي فيها

ج 5 ص 352

نورهم، وأفضل الطَّاعات بعد الإيمان الصلاة.

وفيه ردٌّ على أهل الهيئة حيث يزعمون أنَّ الكسوف أمر عادي لا تأخُّر فيه ولا تقدُّم؛ لأنَّه لو كان كما زعموا؛ لكان بمنزلة الجزر والمدِّ في البحر، فلم يكن فيه تخويف ولا فزع، ولم يكن للأمر بالعتق، والصَّدقة، والصَّلاة، والذِّكر معنى. وقد جاء في حديث أبي موسى على ما يأتي (( فقام فزعًا يخشى أن تكون السَّاعة ) ) [خ¦1059] ، ويردُّ عليهم أيضًا ما جاء في رواية أحمد والنَّسائي وغيرهما (( إنَّ الشَّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنَّهما آيتان من آيات الله، وإنَّ الله إذا تجلَّى لشيء من خلقه خضع له ) ).

وقال الغزالي هذه الزِّيادة لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها، ولو صحَّت؛ لكان أهون من مكابرة أمور قطعيَّة لا تُصادم الشَّريعة. ورُدَّ عليه بأنَّه كيف يسلِّم دعوى الفلاسفة، ويزعم أنَّها لا تُصادم الشَّريعة مع أنَّها مبنيَّة على أنَّ العالم كر [و] يُّ الشَّكل، وظاهر الشَّرع خلاف ذلك.

والثَّابت من قواعد الشَّرع أنَّ الكسوف أثر الإرادة القديمة، وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النُّور متى شاء، والظُّلمة متى شاء من غير توقيف على سبب، وكيف يردُّ الزِّيادة المذكورة، وقد أثبتها جماعة من العلماء، وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم.

ثمَّ إنَّه إن سلَّمنا أنَّ ما ذكره أهل الحساب صحيح في نفس الأمر، فلا ينافي كون ذلك تخويفًا لعباده، فإنَّ التَّخويف يجوز أن يكون باعتبار أنَّه يُذكِّر بالقيامة؛ لكونه أنموذجًا، قال تعالى {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ*وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة 7 - 8] الآية.

ومن ثمَّه قام صلى الله عليه وسلم فزعًا يخشى أن تكون السَّاعة كما في رواية أخرى [خ¦1059] ، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا اشتدَّ هبوب الرِّياح تغير، ودخل وخرج خشية أن تكون كريح عاد، وإن كان هبوب الرِّياح أمرًا عاديًا، وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقلِّ من ذلك، إذ كل ما في العالم علويَّه وسفليَّه دليل على تفرُّد قدرة الله تعالى، وتمام قهره.

فإن قيل التَّخويف عبارة عن إحداث الخوف بسبب، ثمَّ قد يقع الخوف وقد لا يقع، وحينئذٍ يلزم الخلف في الوعيد.

فالجواب المنع؛ لأنَّ الخلف من عوارض الأقوال، وأمَّا الأفعال فلا، وإنَّما هي من جنس المعاريض.

فإن قيل قد يكون الوعيد باللَّفظ العام، وفيمن يشمله من كان مغفورًا له، فكيف يسلم من الخلف على تقدير المغفرة؟

فالجواب

ج 5 ص 353

أنَّ لفظ الوعيد عامٌّ أريد به الخصوص غير أنَّ كل واحد يقول لعليِّ داخل في العموم، فيحصل له التَّخويف، فيحصل الخوف، وإن كان الله تعالى لم يُرِده في العموم، ولكن أراد تخويفه بإيراد العموم، وستر العاقبة عنه، ولم يبيِّن أنَّه خارج منه، فيجتمع حينئذٍ الوعيد والمغفرة ولا خُلْف، والله أعلم.

(وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري، وسقط ذلك في رواية (لَمْ يَذْكُر) وفي رواية بالواو (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد التَّنُّوري _ بفتح المثناة الفوقية وتشديد النون _ البصري.

(وَشُعْبَةُ) بن الحجَّاج (وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الطَّحان الواسطي (وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح اللام، ابن دينار الربعي (عَنْ يُونُسَ) هو ابن عبيد المذكور (يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا) وفي رواية (عِبَادَهُ) أمَّا رواية عبد الوارث؛ فذكرها المؤلِّف رحمه الله بعد عشرة أبواب في باب «الصَّلاة في كسوف القمر» [خ¦1063] ، وليس فيها هذا اللَّفظ على ما ستقف عليها، ولكن ثبت ذلك عن عبد الوارث من وجه آخر رواه النَّسائي.

وأمَّا رواية شعبة فأخرجها المؤلِّف في باب «كسوف القمر» [خ¦1062] أيضًا، وأمَّا رواية خالد بن عبد الله فقد مضت في أول أبواب الكسوف [خ¦1040] .

وأمَّا رواية حمَّاد بن سلمة فأخرجها الطَّبراني في «المعجم الكبير» عن عليِّ بن عبد العزيز قال نا حجَّاج بن منهال نا حمَّاد بن سلمة، عن يونس ... فذكره، وأخرجها البيهقيُّ أيضًا من طريق أبي زكريا السيلَحِيني، عن حمَّاد بن سلمة، عن يونس ... فذكره.

(وَتَابَعَهُ) أي تابع يونس في روايته عن الحسن (مُوسَى) واختلف في المراد به، فقيل هو موسى بن إسماعيل التَّبوذكي، وجزم به الحافظ المزِّي. وقيل هو موسى بن داود الضَّبي. ومال إليه الحافظ الدّمياطي وجماعة.

ورجَّح الحافظ العسقلاني الأوَّل بأنَّ ابن إسماعيل معروف في رجال البخاري دون ابن داود.

(عَنْ مُبَارَكٍ) بضم الميم، هو ابن فَضَالة ابن أبي أميَّة القرشي العدويِّ البصريِّ (عَنِ الْحَسَنِ) البصريِّ (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكرَةَ) رضي الله عنه.

(عَن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا) أي بالكسوفين، وفي رواية أي بالكسفة (عِبَادَهُ) وفي رواية ، وفي أخرى فأسقط لفظة الجلالة بعد «يخوف» ، ولفظ (( إنَّ الله تعالى ) )قبله.

وأراد البخاري بهذه المتابعة الرَّد على ابن أبي خيثمة،

ج 5 ص 354

فإنَّه ذكر في «تاريخه الكبير» عن يحيى أنَّه لم يسمع الحسن من أبي بكرة، فرد عليه ذلك بهذه المتابعة، فإنَّه صرَّح فيها أنَّ الحسن قال أخبرني أبو بكرة. ومن المعلوم أنَّ المثبت مقدَّم على النَّافي.

(وَتَابَعَهُ) أي تابع مبارك بن فَضَالة، أو تابع يونس (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة وفي آخره مثلثة، هو ابن عبد الملك الحُمراني _ بضم الحاء المهملة _ البصري.

(عَنِ الْحَسَنِ) البصري، لكن بلا ذكر التَّخويف كما رواه النَّسائي كذلك، عن الفلاَّس، عن خالد بن الحارث، عن أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال كنا جلوسًا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، فكسفت الشَّمس، فوثب يجرُّ ثوبه، فصلَّى ركعتين حتَّى انجلت.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وقع قوله (( وتابعه أشعث ) )في بعض الرِّوايات عقيب متابعة موسى، والصَّواب تقديمه لخلو رواية أشعث عن ذكر التَّخويف.

وقال العيني لا يلزم من متابعة أشعث لمبارك بن فَضَالة في الرِّواية عن الحسن أن يكون فيه ذكر التَّخويف؛ لأنَّ مجرَّد المتابعة يكفي في الرِّواية.

وقد ذهل صاحب «التَّلويح» هنا حيث قال في قوله «تابعه أشعث عن الحسن» ؛ يعني تابع مبارك بن فَضالة عن الحسن بذكر التَّخويف، رواه النَّسائي إلى آخره، وليس في رواية النَّسائي عن الأشعث ذكر التَّخويف، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت